‏ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون‏,‏ لقالوا إنما سكرت أبصارنا

ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون 

من أسرار القرآن

الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية‏(11)‏ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون‏,‏ لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون

هاتان الآيتان الكريمتان وردتا في سياق الحديث عن عناد ومكابرة كفار قريش لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏ وتكذيبهم ببعثته‏,‏ وتشكيكهم في الوحي الذي أنزل إليه من ربه‏,‏ واتهامهم له بالجنون‏,‏ وهم أعرف الناس بأنه‏(‏ صلي لله عليه وسلم‏)‏ كان أرجح الناس عقلا‏,‏ وأعظمهم خلقا‏,‏ وأشرفهم نسبا‏,‏ ولذلك نزلت الآيات في مطلع سورة الحجر لتشيد بالقرآن الكريم‏,‏ ولتهدد هؤلاء الجاحدين بمشهد يوم عظيم يعانون فيه أهوال الآخرة فيتمنون لو كانوا في الدنيا قد أسلموا لرب العالمين‏,‏ وآمنوا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ وبآيات هذا الكتاب المبين‏,‏ وبيوم البعث الذي كانوا به ينذرون‏.‏

وليهون القرآن الكريم علي هذا النبي الخاتم‏(‏ صلي ا لله عليه وسلم‏)‏ صلف هؤلاء المتكبرين تطلب منه الآيات القرآنية أن يدعهم في غيهم يأكلون ويتمتعون‏,‏ ويشغلهم الأمل بطول الأجل عن التفكير فيما سوف يلقونه من عذاب مهين في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وذلك جزاء كفرهم وعنادهم وكبرهم‏…!!!‏

وهذا التهديد والوعيد من الله‏(‏ تعالي‏)‏ لهؤلاء المجرمين من الكفار والمشركين‏,‏ يتبعه تذكير بمصائر غيرهم من الأمم السابقة عليهم‏,‏ وبأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ لم يهلك أيا من تلك القري الظالمة التي كذبت بآياته ورسله إلا وجعل لهلاكها أجلا محددا‏.‏

وتذكر الآيات تحديات كفار قريش لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ واستهزائهم به‏,‏ وإستنكارهم لشرف بعثته حتي طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة ليشهدوا له بصدق نبوته‏,‏ فيرد الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ عليهم بأن الملائكة لاتنزل إلا بالحق‏,‏ وأن من هذا الحق أن يدمر المكذبون بآيات الله ورسله بعد أن جاءتهم نذر ربهم‏…!!‏

ثم تؤكد تلك الآيات الكريمات علي أن الله تعالي هو الذي أنزل القرآن العظيم‏,‏ وأنه تعالي قد تعهد بحفظه فحفظ‏,‏ فلايمكن لمحاولة تحريف أن تطوله‏,‏ ولا لمؤامرة تبديل أن تصيبه‏,‏ مهما حاول المحرفون‏,‏ وتضافر المتآمرون‏.‏ وهذا الحفظ الرباني لآخر الكتب السماوية وأتمها وأكملها‏,‏ لهو بحق أعظم المعجزات المبهرة لهذا الكتاب الخالد‏,‏ وعلي الرغم من ذلك كله فقد كذب به هؤلاء المعاندون‏,‏ كما يكذب به نفر من كفار هذا الزمان الرديء ومشركيه وملاحدته‏.‏

ومن قبيل تهوين الأمر علي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وعلي أتباعه الصالحين في زماننا وفي كل زمان تذكره الآيات وتذكرهم أنه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ لم يكن متفردا بجحود قومه‏,‏ وتكذيبهم‏,‏ ومكابرتهم‏,‏ وعنادهم‏,‏ واستهزائهم‏,‏ فقد سبقه من الأنبياء والمرسلين من تعرضوا لذلك وأشد منه‏,‏ فاستحقت أقوامهم المكذبة عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏…!!‏ ومن الغريب أن الجاحدين من الخلق‏,‏ الذين أشركوا بالله‏,‏ أو كفروا به‏(‏ سبحانه‏)‏ وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في كل زمان ومكان‏,‏ لم يكن لينقصهم الدليل المنطقي علي قبول وحي السماء‏,‏ ومافيه من آيات بينات ولكنه الصلف والعناد والمكابرة في مقابلة الحق‏,‏ ومواجهة كل حجة أتتهم‏,‏ وكل بينة جاءتهم‏,‏ تماما بتمام‏,‏ كما كان موقف كفار قريش من خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ ومما أنزل إليه من قرآن كريم‏,‏ فتصور لنا الآيات في مطلع سورة الحجر نموذجا صارخا لمكابرة أهل الباطل وعنادهم في مواجهة الحق‏,‏ وذلك بقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون‏*‏ لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون‏*‏ بمعني أنه حتي لو فتح الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي هؤلاء المكابرين بابا من السماء‏,‏ وأعانهم علي الاستمرار بالعروج فيه بأجسادهم وكامل حواسهم‏,‏ حتي يطلعوا علي بديع صنع الله في ملكوته‏,‏ وعلي عظيم قدرته في إبداع خلقه‏,‏ وعلي اتساع سلطانه وملكه‏,‏ وعلي حشود الخاضعين له بالعبادة والطاعة والتسبيح في خشية وإشفاق بالغين‏,‏ لشكوا في تلك الرؤية المباشرة‏,‏ ولكذبوا أبصارهم وعقولهم وباقي حواسهم‏,‏ ولاتهموا أنفسهم بالعجز التام عن الرؤية تارة‏,‏ وبالوقوع تحت تأثير السحر تارة أخري‏,‏ وذلك في محاولة لإنكار الحق من فرط مكابرتهم وصلفهم وعنادهم‏…!!‏

وعلي الرغم من كون لو حرف امتناع لامتناع‏,‏ وكون هاتين الآيتين الكريمتين قد وردتا في مقام التشبيه والتصوير لحال المكابرين من الكفار والمشركين وعنادهم وصلفهم‏,‏ إلا أن صياغتهما قد جاءت ـ كما تجيء صياغة كل آيات القرآن الكريم ـ علي قدر مذهل من الدقة العلمية والشمول للحقيقة الكونية والكمال المطلق مما يشهد بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ وأن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله‏(‏ صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏

وأحاول في هذا المقال عرض عدد مما استطعت إدراكه من ملامح الإعجاز العلمي في هاتين الآيتين الكريمتين علي النحو التالي‏:‏

‏(1)‏ اللمحة الإعجازية الأولي‏:‏

صورة من سفينة الفضاء جاليليو توضح طبقة النهار على كل من كوكب الأرض والقمر ويرى نصف كل منهما المواجه للشمس منيرا فى ظلمة الكون .. والصورة الثانية مأخوذة من مكوك الفضاء تشالينجر لرائد الفضاء بروس ماكاندليس يدور حول كوكب الأرض فيرى نور النهار خيطا أزرق دقيقا فى ظلمة الكون

وقد وردت في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

ولو فتحنا عليهم بابا من السماء‏..‏ مما يؤكد أن السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس إلي عهد قريب‏,‏ حتي ثبت لنا أنها بنيان محكم‏,‏ يتعذر دخوله إلا عن طريق أبواب تفتح للداخل فيه‏,‏ والسماء لغة‏,‏ هي‏:‏ كل ما علاك فأظلك‏,‏ وإصطلاحا‏,‏ هي‏:‏ ذلك العالم العلوي الذي نراه فوق رؤوسنا بكل مافيه من أجرام‏.‏

وعلميا هي كل مايحيط بالأرض من مختلف صور المادة والطاقة بدءا من غلافها الغازي‏,‏ وانتهاء بحدود الكون‏,‏ والذي أدرك العلماء منه مساحة يبلغ قطرها‏24‏ ألف مليون سنة ضوئية علي الأقل أي حوالي‏228*2110‏ كيلو متر‏),‏ وحصوا فيه أكثر من مائتي ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا المعروفة بإسم سكة التبانة‏(‏ أو درب اللبانة‏)‏ والتي حصي العلماء فيها حوالي مليون مليون نجم كشمسنا‏,‏ والكون فوق ذلك دائم الاتساع إلي نهاية لايعلمها إلا الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏

وقد ثبت مؤخرا أن السماء مليئة بمختلف صور المادة والطاقة التي انتشرت بعد انفجار الجرم الكوني الأول‏(‏ والذي كان يضم كل مادة الكون‏,‏ ومختلف صور الطاقة المنبثة في أرجائه اليوم‏)‏ وذلك عند تحوله من مرحلة الرتق إلي مرحلة الفتق كما يصفهما القرآن الكريم‏,‏ ويقدر علماء الكون أن ذلك قد حدث منذ فترة تقدر بحوالي العشرة بلايين من السنين علي أقل تقدير‏.‏

وعند انفجار ذلك الجرم الكوني الأول تحولت مادته ومختلف صور الطاقة المخزونة فيه إلي سحابة هائلة من الدخان ملأت فسحة الكون‏,‏ ثم أخذت في التبرد والتكثف بالتدريج حتي وصلت الي حالة من التوازن الحراري بين جسيمات المادة وفوتونات الطاقة‏,‏ وهنا تشكلت بعض نوي الإيدروجين المزدوج‏(‏ الديوتريوم‏),‏ وتبع ذلك تخلق النوي الذرية لأخف عنصرين معروفين لنا وهما الأيدروجين والهيليوم‏,‏ ثم تخلق نسب ضئيلة من العناصر الأثقل وزنا‏.‏

وبواسطة دوامات الطاقة التي إنتشرت في سحابة الدخان التي ملأت أرجاء الكون تشكلت السدم

وهي أجسام غازية في غالبيتها‏,‏ تتناثر بين غازاتها بعض الهباءات الصلبة‏,‏ وتدور المادة فيها في دوامات شديدة تساعد علي المزيد من تكثفها في سلسلة من العمليات المنضبطة حتي تصل إلي مرحلة الإندماج النووي التي تكون النجوم بمختلف أحجامها‏,‏ وهيئاتها‏,‏ ودرجات حرارتها‏,‏ وكثافة المادة فيها‏,‏ ومنها النجوم العادية أو نجوم النسق الأساسي

المفردة والمزدوجة‏,‏ والمستعرات الشديدة الحرارة‏(‏ العمالقة الحمر والعمالقة الكبار‏)‏ والنجوم البيضاء القزمة‏,‏ ومنها النجوم النيوترونية النابضات

منها وغير النابضات

(‏ التي تصل كثافة المادة فيها إلي خمسين بليون طن للسنتيمتر المكعب‏),‏ وأشباه النجوم‏(‏ التي تقل كثافة المادة فيها عنها في شمسنا ومنها الثقوب السود التي تصل كثافة المادة فيها إلي مائتي بليون طن للسنتيمتر المكعب‏),‏ والثقوب الدافئة وغير ذلك من أجرام السماء مما يشكل المجرات والتجمعات المجرية‏,‏ وغيرها من نظم الكون المبهرة‏.‏

ومن أشلاء النجوم تكونت الكواكب والكويكبات‏,‏ والأقمار والمذنبات‏,‏ والشهب والنيازك‏,‏ والأشعات الكونية التي تملأ فسحة الكون بأشكالها المتعددة‏,‏ وغير ذلك مما لانعلم من أسرار هذا الوجود‏.‏

وقبل سنوات قليلة لم يكن أحد من الناس يعلم أن السماء علي إتساعها ليست فراغا‏,‏ ولكنها مليئة بالمادة علي هيئة رقيقة للغاية‏,‏ تشكلها غازات مخلخلة يغلب علي تركيبها غازا الإيدروجين والهيليوم‏,‏ مع نسب ضئيلة جدا من الأوكسيجين‏,‏ والنيتروجين‏,‏ والنيون‏,‏ وبخار الماء‏,‏ وهباءات نادرة من المواد الصلبة‏,‏ مع إنتشار هائل للأشعات الكونية بمختلف صورها في مختلف جنبات الكون‏.‏ ولقد كان السبب الرئيسي لتصور أن الكون فراغ تام هو التناقص التدريجي لضغط الغلاف الغازي للأرض مع الأرتفاع عن سطحها حتي لايكاد يدرك بعد ألف كيلو متر فوق سطح البحر‏,‏ ومن أسباب زيادة كثافة الغلاف الغازي للأرض بالقرب من سطحها هو إنطلاق كميات هائلة من بخار الماء وغازات عديدة أغلبها أكاسيد الكربون والنتروجين من جوفها أثناء تبرد قشرتها‏,‏ وعبر فوهات البراكين التي نشطت ولاتزال تنشط علي سطحها وقد إختلطت تلك الغازات الأرضية بالسحابة الغازية الكونية‏,‏ وساعدت جاذبية الأرض علي الإحتفاظ بالغلاف الغازي للأرض بكثافته التي تتناقص بإستمرار بالبعد عنها حتي تتساوي مع كثافة الغلالة الغازية الاولية التي تملأ أرجاء الكون وتندمج فيها‏.‏

وعلي ذلك فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن السماء بناء محكم‏,‏ تملأه المادة والطاقة‏,‏ ولايمكن إختراقه إلا عن طريق أبواب تفتح فيه‏,‏ وهو ماأكده القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة سنة في أكثر من آية صريحة‏,‏ ومنها الآية الكريمة التي نحن بصددها ولو فتحنا عليهم بابا من السماء‏..‏ وهي شهادة صدق علي أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ وأنزل القرآن الكريم بعلمه الحق‏.‏

‏(2)‏ اللمحة الإعجازية الثانية‏:‏

وتتضح من وصف الحركة في السماء بالعروج‏:‏ فظلوا فيه يعرجون‏,‏ والعروج لغة هو سير الجسم في خط منعطف منحن‏,‏ فقد ثبت علميا أن حركة الأجسام في الكون لايمكن أن تكون في خطوط مستقيمة‏,‏ بل لابد لها من الإنحناء نظرا لإنتشار المادة والطاقة في كل الكون‏,‏ وتأثير كل من جاذبية المادة‏(‏ بأشكالها المختلفة‏)‏ والمجالات المغناطيسية للطاقة‏(‏ بتعدد صورها‏),‏ علي حركة الأجسام في الكون‏,‏ فأي جسم مادي مهما عظمت كتلته أو تضاءلت لايمكنه التحرك في الكون إلا في خطوط منحنية وحتي الأشعة الكونية علي تناهي دقائقها في الصغر‏(‏ وهي تتكون من اللبنات الأولية للمادة مثل البروتونات والنيوترونات والإليكترونات‏),‏ فإنها إذا عبرت خطوط أي مجال مغناطيسي فإن هذا المجال يحني مسار الشعاع بزاوية قائمة علي مساره‏.‏فإنتشار كل من المادة والطاقة في الكون عبر عملية الفتق وماصاحبها من إنفجار عظيم كانت من أسباب تكوره‏,‏ وكذلك كان إنتشار قوي الجاذبية في أرجاء الكون من أسباب تكور كل أجرامه‏,‏ وكان التوازن الدقيق الذي أوجده الخالق العظيم بين كل من قوي الجاذبية والقوي الدافعة الناتجة عن عملية الفتق هو الذي حدد المدارات التي تتحرك فيها كل أجرام السماء‏,‏ والسرعات التي تجري بها في تلك المدارات والتي يدور بها كل منهم حول محوره‏.‏

فعند إنفجار الجرم الكوني الأول

إنطلق كل ماكان به من مخزون المادة والطاقة بالقوة الدافعة الناتجة عن ذلك الانفجار العظيم‏(‏ عملية الفتق‏)‏ والتي أكسبت كل صور المادة والطاقة المنطلقة إلي فسحة الكون طاقة حركة هائلة‏,‏ وجعلتها بذلك واقعة تحت تأثير قوتين متعارضتين هما قوة التجاذب الرابطة بينها‏,‏ والقوة الطاردة الناتجة عن ذلك الإنفجار الكوني‏,‏ والتوازن الدقيق بين هاتين القوتين المتعارضتين هو الذي يحفظ أجرام السماء في مداراتها‏,‏ ويجعلها تتحرك فيها حركة دائرية بخطوط منحنية بإستمرار‏,‏ كما جعلها تدور حول محاورها بسرعات محددة‏.‏

ودوران الأجرام السماوية حول محاورها وفي مداراتها تخضع لقانون يعرف باسم قانون بقاء التحرك الزاوي أو قانون العروج

وينص هذا القانون علي أن كمية التحرك الزاوي لأي جرم سماوي تقدر علي أساس نسبة سرعة دورانه حول محوره إلي نصف قطره علي محور الدوران‏,‏ وتبقي كمية التحرك الزاوي تلك محفوظة في حالة إنعدام مؤثرات أخري‏,‏ ولكن إذا تعرض الجرم السماوي إلي مؤثرات خارجية أو داخلية فإنه سرعان ما يكيف حركته الزاوية في ضوء التغيرات الطارئة‏.‏ فعلي سبيل المثال تزداد سرعة التحرك الزاوي للجرم كلما إنكمش حجمه‏,‏ وكما سبق وأن ذكرنا فإن جميع الأجرام الأولية قد تكثفت مادتها علي مراحل متتالية من سحابة الدخان الكوني التي نتجت عن إنفجار الجرم الابتدائي الذي حوي كل مادة وطاقة الكون‏,‏ تاركة كميات هائلة من الغازات والغبار والأشعات الكونية‏,‏ وعلي ذلك فقد كانت الكواكب الإبتدائية ـ علي سبيل المثال أكبر حجما بمئات المرات من الكواكب الحالية‏,‏ وكانت أرضنا الإبتدائية مائتي ضعف حجم الأرض الحالية‏(‏ علي الأقل‏),‏ وهذه الكواكب الابتدائية أخذت في التكثف علي مراحل متتالية حتي وصلت إلي صورتها الحالية‏.‏

وبمثل عملية نشأة الكون تماما وبالقوانين التي تحكم دوران أجرامه حول محاورها‏,‏ وفي مدارات لكل منها حول جرم أكبر منه تتم عملية اطلاق الأقمار الصنعية ومراكب الفضاء من الأرض إلي مدارات محددة حولها‏,‏ أو حول أي من أجرام مجموعتنا الشمسية‏,‏ أو حتي إلي خارج حدود المجموعة الشمسية‏,‏ وذلك بواسطة قوي دافعة كبيرة تعينها علي الإفلات من جاذبية الأرض‏,‏ من مثل صواريخ دافعة تتزايد سرعتها بالجسم المراد دفعه إلي قدر معين من السرعة‏,‏ ولما كانت الجاذبية الأرضية تتناقص بزيادة الارتفاع عن سطح الأرض‏,‏ فإن سرعة الجسم المرفوع إلي الفضاء تتغير بتغير ارتفاعه فوق سطح ذلك الكوكب‏,‏ وبضبط العلاقة بين قوة جذب الأرض للجسم المنطلق منها إلي الفضاء والقوة الدافعة لذلك الجسم‏(‏ أي سرعته‏)‏ يمكن ضبط المستوي الذي يدور فيه الجسم حول الأرض‏,‏ أو حول غيرها من أجرام المجموعة الشمسية أو حتي إرساله إلي خارج المجموعة الشمسية تماما‏,‏ ليدخل في أسر جرم أكبر يدور في فلكه‏.‏

وأقل سرعة يمكن التغلب بها علي الجاذبية الأرضية في اطلاق جرم من فوق سطحها إلي فسحة الكون تسمي باسم سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية‏,‏ وحركة أي جسم مندفع من الأرض إلي السماء لابد وأن تكون في خطوط منحنية وذلك تأثرا بكل من الجاذبية الأرضية‏,‏ والقوة الدافعة له إلي السماء‏,‏ وكلتاهما تعتمد علي كتلة الجسم المتحرك‏,‏ وعندما تتكافأ هاتان القوتان المتعارضتان يبدأ الجسم في الدوران في مدار حول الأرض مدفوعا بسرعة أفقية تعرف باسم سرعة التحرك الزاوي أو سرعة العروج

والقوة الطاردة اللازمة لوضع جرم ما في مدار حول الأرض تساوي كتلة ذلك الجرم مضروبة في مربع سرعته الأفقية‏(‏ المماسة للمدار‏)‏ مقسومة علي نصف قطر المدار‏(‏ المساوي للمسافة بين مركزي الأرض والجرم الذي يدور حولها‏),‏ ولولا معرفة حقيقة عروج الأجسام في السماء لما تمكن الإنسان من اطلاق الأقمار الصنعية‏,‏ ولا استطاع ريادة الفضاء‏.‏ فقد أصبح من الثابت أن كل جرم متحرك في السماء ـ مهما كانت كتلته ـ محكوم بكل من القوي الدافعة له وبالجاذبية مما يضطره إلي التحرك في خط منحن يمثل محصلة كل من قوي الجذب والطرد المؤثرة فيه‏,‏ وهذا ما يصفه القرآن الكريم بالعروج‏,‏

وهو وصف التزم به هذا الكتاب الخالد في وصفه لحركة الأجسام في السماء في خمس آيات متفرقات وذلك قبل ألف وأربعمائة سنة من اكتشاف الإنسان لتلك الحقيقة الكونية المبهرة علي النحو التالي‏:‏

‏(1)‏ ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون‏(‏ الحجر‏:14)‏

‏(2)‏ يدبر الأمر من السماء إلي الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون

‏(‏السجدة‏:5)‏

‏(3)‏ يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور

‏(‏سبأ‏:2)‏

‏(4)‏ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون

‏(‏الزخرف‏:33)‏

‏(5)..‏ يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير

‏[‏الحديد‏:4]‏

‏(6)‏ من الله ذي المعارج‏*‏ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة

‏(‏المعارج‏:4,3)‏

‏(3)‏ اللمحة الإعجازية الثالثة‏:‏

وقد وردت في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون

ومعني سكرت أبصارنا أغلقت عيوننا وسدت‏,‏ أو غشيت وغطيت لتمنع من الإبصار‏,‏ وحينئذ لا يري الإنسان إلا الظلام‏,‏ ويعجب الإنسان لهذا التشبيه القرآني المعجز الذي يمثل حقيقة كونية لم يعرفها الإنسان إلا بعد نجاحه في ريادة الفضاء منذ مطلع الستينيات من القرن العشرين حين فوجيء بحقيقة أن الكون يغشاه الظلام الدامس في غالبية أجزائه‏,‏ وأن حزام النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس لا يتعدي سمكه مائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وإذا ارتفع الإنسان فوق ذلك فإنه يري الشمس قرصا أزرق في صفحة سوداء حالكة السواد‏,‏ لا يقطع حلوكة سوادها إلا بعض البقع الباهتة الضوء في مواقع للنجوم‏.‏

وإذا كان الجزء الذي يتجلي فيه النهار علي الأرض محدودا في طوله وعرضه بنصف مساحة الكرة الأرضية‏,‏ وفي سمكه بمائتي كيلو متر‏,‏ وكان في حركة دائبة دائمة مرتبطة بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ وكانت المسافة بين الأرض والشمس في حدود المائة وخمسين مليون كيلو متر‏,‏ وكان نصف قطر الجزء المدرك من الكون يقدر باثني عشر بليون سنة ضوئية‏(‏ أي ما يساوي‏114*2110‏ كيلو متر‏)‏ اتضحت لنا ضألة سمك الطبقة التي يعمها نور النهار‏,‏ وعدم استقرارها لانتقالها بإستمرار من نقطة إلي أخري علي سطح الأرض مع دوران الأرض حول محورها‏,‏ واتضح لنا أن تلك الطبقة الرقيقة تحجب عنا ظلام الكون‏,‏ خارج حدود أرضنا ونحن في وضح النهار‏,‏ فإذا جن الليل انسلخ منه النهار‏,‏ واتصلت ظلمة ليلنا بظلمة الكون‏,‏ وتحركت تلك الطبقة الرقيقة من النور لتفصل نصف الأرض المقابل عن تلك الظلمة الشاملة التي تعم الكون كله‏.‏

وتجلي النهار علي الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏(‏ بسمك مائتي كيلو متر فوق سطح البحر‏)‏ بهذا اللون الأبيض المبهج هو نعمة كبري من نعم الله علي العباد‏.‏ وتفسر بأن الهواء في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض له كثافة عالية نسبيا‏,‏ وأن كثافته تتناقص بالارتفاع حتي لا تكاد تدرك‏,‏ وأنه مشبع ببخار الماء وبهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الأرض فتعلق بالهواء‏,‏ وتقوم كل من جزيئات الهواء الكثيف نسبيا‏,‏ وجزيئات بخار الماء‏,‏ والجسيمات الدقيقة من الغبار بالعديد من عمليات تشتيت ضوء الشمس وعكسه حتي يظهر باللون الأبيض الذي يميز النهار كظاهرة نورانية مقصورة علي النطاق الأسفل من الغلاف الغازي للأرض في نصفها المواجه للشمس‏.‏

وبعد تجاوز المائتي كيلو متر فوق سطح البحر يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه‏,‏ وقلة كثافته باستمرار مع الارتفاع‏,‏ ولندرة كل من بخار الماء وجسيمات الغبار فيه لأن نسبها تتضاءل كذلك بالارتفاع حتي تكاد تتلاشي‏,‏ ولذلك تبدو الشمس وغيرها من نجوم السماء بقعا زرقاء باهتة في بحر غامر من ظلمة الكون لأن أضواءها لا تكاد تجد ما يشتته أو يعكسه في فسحة الكون‏.‏

فسبحان الذي أخبرنا بهذه الحقيقة الكونية قبل اكتشاف الإنسان لها بألف وأربعمائه سنة‏,‏ فشبه الذي يعرج في السماء بمن سكرت أبصاره فلم يعد يري غير ظلام الكون الشامل‏,‏ أو بمن أعتراه شيء من السحر فلم يعد يدرك شيئا مما حواليه‏,‏ وكلا التشبيهين تعبير دقيق عما أصاب رواد الفضاء الأوائل حين عبروا نطاق النهار إلي ظلمة الكون فنطقوا بما يكاد أن يكون تعبير الآية القرآنية دون علم بها‏:‏

إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون

‏(4)‏ اللمحة الإعجازية الرابعة‏:‏

وتتضح في قوله تعالي‏:‏فظلوا فيه يعرجون

فالتعبير اللغوي ظلوا يشير إلي عموم الإظلام وشموله وديمومته بعد تجاوز طبقة النهار إلي نهاية الكون‏,‏ بمعني أن الإنسان إذا عرج به إلي السماء في وضح النهار فإنه يفاجأ بظلمة الكون الشاملة تحيط به من كل جانب مما يفقده النطق أحيانا أو يجعله يهذي بما لا يعلم أحيانا أخري من هول المفاجأة‏.‏

ومن الأمور التي تؤكد ظلمة الكون الشاملة أن باطن الشمس مظلم تماما علي الرغم من أن درجات الحرارة فيه تصل إلي خمسة عشر مليون درجة مئوية أو يزيد‏,‏ وذلك لأنه لا ينتج فيه سوي الاشعاعات غير المرئية من مثل أشعة جاما‏,‏ والأشعات فوق البنفسجية والسينية‏.‏

أما ضوء الشمس فلا يصدر إلا عن نطاقها الخارجي فقط والذي يعرف باسم النطاق المضيء

ولا يري بهذا النور إلا في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وفي نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس‏,‏ فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة من السنين قوله الحق‏:‏

والشمس وضحاها‏*‏ والقمر إذا تلاها‏*‏ والنهار إذا جلاها‏*‏ والليل إذا يغشاها‏*(‏ الشمس‏:1‏ ـ‏4)‏

‏(5)‏ اللمحة الإعجازية الخامسة‏:‏

وتتضح في إشارة الآيتين الكريمتين إلي الرقة الشديدة لغلالة النهار وذلك في قول الحق تبارك وتعالي‏)‏ ولو فتحنا‏..‏ لقالوا‏..)‏ بمعني أن القول بتسكير العيون‏,‏ وظلمة الكون الشاملة تتم بمجرد العروج لفترة قصيرة في السماء‏,‏ ثم تظل تلك الظلمة إلي نهاية الكون‏,‏ وقد أثبت العلم الحديث ذلك بدقة شديدة‏,‏ فإذا نسبنا سمك طبقة النهار إلي مجرد المسافة بين الأرض والشمس لاتضح لنا أنها تساوي‏200‏ كيلو متر‏150,000,000‏ كيلو متر‏=1750,000‏ تقريبا فإذا نسبناها إلي نصف قطر الجزء المدرك من الكون اتضح انها لا تساوي شيئا البتة‏,‏ وهنا تتضح روعة التشبيه القرآني في مقام آخر يقول فيه الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏

وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون‏*‏

‏(‏يس‏:37)‏

حيث شبه انحسار طبقة النهار البالغة الرقة من ظلمة كل من ليل الأرض وليل السماء بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها‏,‏ مما يؤكد أن الظلام هو الأصل في الكون‏,‏ وأن النهار ليس إلا ظاهرة نورانية‏,‏ عارضة‏,‏ رقيقة جدا‏,‏ لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وفي نصفها المواجه للشمس في دورة الأرض حول نفسها أمام ذلك النجم‏,‏ وبتلك الدورة ينسلخ النهار تدريجيا من ظلمة كل من ليل الأرض وحلكة السماء كما ينسلخ جلد الذبيحة عن جسدها‏.‏

وفي تأكيد ظلمة السماء يقرر القرآن الكريم في مقام آخر قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏

أءنتم أشد خلقا أم السماء بناها‏*‏ رفع سمكها فسواها‏*‏ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها

‏(‏النازعات‏:27‏ ـ‏29)‏

والضمير في أغطش ليلها عائد علي السماء‏,‏ بمعني أن الله تعالي قد جعل ليل السماء حالك السواد من شدة اظلامه‏,‏ فهو دائم الاظلام سواء اتصل بظلمة ليل الأرض‏(‏ في نصف الكرة الأرضية الذي يعمه الليل‏)‏ أو انفصل عن الأرض بتلك الطبقة الرقيقة التي يعمها نور النهار‏(‏ في نصف الأرض المواجه للشمس‏)‏ فيصفه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بقوله‏:‏ وأخرج ضحاها أي أظهر ضوء شمس السماء لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض بالنور والدفء معا في أثناء نهار الأرض‏,‏ والضحي هو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر ضوؤها جليا للناس‏,‏ بينما يبقي معظم الكون غارقا في ظلمة السماء‏.‏

ويؤكد هذا المعني قسم الحق‏(‏ تبارك وتعالي وهو الغني عن القسم‏)‏ بالنهار إذ يجلي الشمس أي يكشفها ويوضحها فيقول‏(‏ عز من قائل‏):‏

والشمس وضحاها‏*‏ والقمر إذا تلاها‏*‏ والنهار إذا جلاها‏*‏ والليل إذا يغشاها‏*(‏ الشمس‏:1‏ ــ‏4)‏

أي أن النهار هو الذي يجعل الشمس واضحة جلية لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض‏,‏ وهذه لمحة أخري من لمحات الإعجاز العلمي في كتاب الله تقرر أن ضوء الشمس لا يري إلا علي هيئة النور في نهار الأرض‏.‏

وأن الكون خارج نطاق نهار الأرض ظلام دامس‏,‏ وأن هذا النطاق النهاري لابد أن به من الصفات ما يعينه علي إظهار وتجلية ضوء الشمس للذين يشهدونه من أحياء الأرض‏.‏

فسبحان الذي أنزل القرآن بالحق‏,‏ أنزله بعلمه‏,‏ وجعله معجزة خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ في كل أمر من أموره‏,‏ وفي كل آية من آياته‏,‏ وفي كل اشارة من اشاراته‏,‏ وفي كل معني من معانيه‏,‏ وجعله معجزة أبدية خالدة علي مر العصور‏,‏ لا تنتهي عجائبه‏,‏ ولا يخلق علي كثرة الرد إلي أن يرث الله تعالي الأرض ومن عليها وصلي الله وسلم وبارك علي خاتم الأنبياء والمرسلين الذي شرفه ربه‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بوصفه أنه لا ينطق عن الهوي فقال‏(‏ عز من قائل‏):‏

وما ينطق عن الهوي‏*‏ إن هو إلا وحي يوحي‏*‏ علمه شديد القوي‏*‏

‏(‏النجم‏:3‏ ـ‏5)

بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـار

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *