مستقبل الطب الإسلامي

تضح من دراستنا لتاريخ الطب الإسلامي أنه كان يسبق عصره بألف سنة على الأقل، فأيام كانت لندن وباريس ما تزالان تغطان في سبات القرون الوسطى، كان هناك العديد من المستشفيات في بغداد والقاهرة وقرطبة، يعمل بها الكثير من الرجال والنساء في علاج المرضى من الجنسين وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بأقل من قرن أثبت المسلمون أصالتهم، وغزارة إنتاجهم من الابتكارات العلمية، ومنذ زمان بعيد في القرن التاسع الميلادي، نبذ الطب الإسلامي الطلاسم والتعاويذ والأساليب اللاهوتية، وبدأ يمارس من خلال مستشفيات متعددة الأجنحة، وتدل الأساليب الجديدة التي كان المستشفى العام ببغداد يطبقها في ذلك الحين على أن العرب كانوا روادا في هذا المجالس. ومما يثير الدهشة أنهم أنشئوا نافورات بالقرب من أجنحة المرضى المصابين بالحمى حتى يلطفوا من حرارة الهواء، وكان المخبولون، يعاملون بلطف ورقة، وهو ما لا يحدث الآن في معظم بلاد العالم إلا في القليل النادر، وكانت تعزف الموسيقى، وتحكي القصص للتخفيف من آلام أولئك المرضى الذين يعانون من القلق والتوتر، 

وكانت العناية تبذل للأغنياء والفقراء على حد سواء دون أي تفرقة، وكان المعدم يمنح خسرا قطع ذهبية عند مغادرته المستشفى لمساعدته أثناء فترة النقاهة، وكانت هناك مكتبات وصيدليات ملحقة بتلك المراكز الطبية التي حشد للعمل بها العديد من الأطباء المقيمين والخارجين والممرضين، وكانت هناك أيضأ عيادات متنقلة لخدمة المعوقين والفقراء الذي يعيشون في مناطق نائية، وتلفت هذه العيادات المتنقلة نظرنا بصفة خاصة في ضوء الاهتمام العالمي الحالي بتوفير الخدمات الصحية الأولية .

ويظن معظم الناس أن إخضاع الأدوية للرقابة لتوخى جودتها هو ابتكار حديث، ولكن في الواقع كانت للطب الإسلامي لوائح لتنظيم صناعة الدواء وضمان جودتها، وكان الصيادلة من المتخصصين الذين يمارسون مهنتهم بموجب ترخيص خاص وكان عليهم تحضير العقاقير وفق ما يصفه الطبيب، وكان يحظر على الأطباء قانونيا امتلاك الصيدليات أو المساهمة فيها، إذ لم يكن يسمح على الإطلاق في بتضارب المصالح. 
وبدأ نور الشرق يشع على أوروبا التي كان يلفها ظلام القرون الوسطى، فقد اشتهر العرب والفرس بعلمهم الواسع في مجالات الطب والتخدير وعلم البكتريا وإدارة المستشفيات والجراحة وصناعة العقاقير وأمراض العيون والأمراض العقلية الجسمانية والعلاج النفسي والتعليم الطبي.
وكان الإسلام منذ بدايته على صلة بالحضارة البيزنطية، وقد تميز العرب بثلاث خصال هامة وهي: الذكاء، والحيوية، والشجاعة، فلقد كانوا أولأ يتمتعون بذكاء نادر حاد استغلوه في تحقيق المنافع الحميدة. ثانيا: أكسبتهم حميتهم الدينية روح إقدام وشجاعة. وأخيرا، كان لديهم حس طبيعي بالجمال اجتمع إلى قوة الخيال والتعبير فأدى: ثم إلى تذوق كل ما هو فكري وروحي.

وبعد هذا الاستعراض للماضي المجيد، نتجه الآن بفكرنا إلى المستقبل فنقول: إنه يجب أن يكون هناك مركزا أو مركزان من المراكز الثقافية الرفيعة في المنطقة الإسلامية. وليكن أحدهما في بلد عربي كالكويت، والآخر في بلد غير . عربي في الباكستان أو تركيا على سبيل المثال: ولا بد أن تجري في هذين المركزين أبحاث في العلوم البحتة ذات المستوى الرفيع من الإتقان، ثم تجرى بعد ذلك أبحاث تستهدف خدمة المجتمع بتطبيق نتائج الأبحاث الأساسية في أقصر وقت ممكن. ومن الجوهري أن نكون مضرب الأمثال أمام دول نامية كثيرة في الارتقاء بالمستوى الصحي لسكان بلادنا في أسرع وقت ممكن. وأعتقد أنه بالتخطيط السليم والتطبيق الملتزم يمكننا أن نحقق المعجزات. وينبغى نشر الجهود المبذولة في هذين المجالين بعدة لغات عالمية، وتوزيعها على أوسع نطاق دولي، كما ينبغي أن يكون هذان المركزان أل إسلاميان على صلة وثيقة بالمراكز الأخرى في العالم الإسلامي ويجب أن يشتمل نشاطهما تبادل البرامج عن كافة النواحي الصحية والطبية المختلفة على مستوى الطلاب والأساتذة والباحثين، و.سوف ترفع هذه البرامج من المستوى الصحي والطبي لا أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، وبالإضافة إلى ذلك ينبغي أن يهتم هذان المركزان وغيرهما من المراكز الإسلامية بعقد الحلقات الدراسية والندوات وورش العمل لتبادل وجهات النظر، والاستفادة من التقدم التكنولوجي في الدول التي سبقتنا في هذا المضمار، كما يجب تشجيع المنظمات الدولية على إنشاء مراكز إقليمية لها في البلدان الإسلامية، وذلك بتقديم كافة التسهيلات والمزايا التي من شأنها أن تجعل من بلادنا أماكن جذب لمثل هذه المراكز، وسوف تساعد مثل هذه المراكز الإقليمية على خلق جو يدفع إلى تنشيط البحث العلمي في المنطقة الإسلامية.

وعلاوة على ذلك، يجب العمل على تشجيع التعاون الوثيق مع الجمعيات المهنية الدولية المراكز الطبية العالمية، كما يجب إقامة روابط قوية مع وكالات الأمم المتحدة، وبصفة خاصة مع منظمة الصحة العالمية، ولقد أصبحت اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية المستعملة في هذه المنظمة، و”كما يجب استغلاله إلى أقصى حد مع تشجيع الأجانب على تعلم اللغة العربية.

ولقد حان الوقت لوضع تصور بعمل دليل طبي يضم أسماء الدوريات الطبية التي تنشر في الدول الإسلامية، وخاصة تلك التي تنشر باللغات العربية والإندونيسية والفارسية والتركية والأردية.

إن الطب الإسلامي بماضيه العريق ليستحق مكانة مرموقة في الحاضر لا تقل في عظمتها عن ذلك الماضي المجيد، ومع توفر الإمكانات والموارد وخاصة تلك البادرة التي تقدم بها مركز الطب الإسلامي في الكويت فإن تنفيذ البرنامج الطموح الذي نقترحه هنا للوصول إلى هذه الغاية يصبح في حيز الإمكان.

لأستاذ الدكتور /إحسان دوغر وماجي – الجمهورية التركية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *