مدى الاحتجاج بالأحاديث النبوية في الشؤون الطبية والعلاجية

مدى الاحتجاج بالأحاديث النبوية في الشؤون الطبية والعلاجية

الفصل الأول

في الأحاديث الواردة في الشؤون الدنيوية بصفة عامةالأصل في أقوال النبي محمد r وأفعاله وتقريراته أنها حجة شرعية على عباد الله ، إن ثبتت بطريق صحيح . وقد تكفل ببيان ذلك والاستدلال له علم أصول الفقه. وهذا واضح كل الوضوح فيما كان من ذلك مبينا لأمور الدين، كالإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وكالأحاديث المبينة لأحكام الله تعالى من الحلال والحرام والفرائض وأنواع التعبدات والمعاملات وغيرها من أمور الشريعة. أما ا الأمور الدنيوية، فهل يلزم أن تكون اعتماداته وأقواله: r فيها مطابقة للواقع بمقتضى نبوته ، أو أن هذا أمر لا صلة له بمنصب النبوة؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين :المذهب الأول: أنه r معصوم من خطأ الاعتقاد في أمور الدنيا، بل كل ما يعتقده في ذلك فهو مطابق للواقع، وكذلك ما يقوله ويخبر به.

ولم نجد أحدا من قدماء الأصوليين صرح بمثل هذا المذهب.

ولكنه لازم لمن جعل جميع أقواله وأفعاله r حجة حتى في الطيبات والزراعة ونحوها. وهو لازم أيضا لمن صحح منهم أن تقريره r لمخبر عن أمر دنيوي يدل على صحة ذلك الخبر، كما فعل السبكي وأيده المحلي والبناني.

وابن القيم في كتابه (الطب النبوي) يذهب إلى حجية أقواله وأفعاله r في الطب. وقال : طب النبي r متيقن قطعي إلهي ، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل.

ويظهر أن هذه طريقة المحدثين. فإنا نجد عند البخاري مثلا هذه الأبواب (باب السعوط) (باب أي ساعة يحتجم) (باب الحجامة في السفر) (باب الحجامة على الرأس) (باب الحجامة من الشقيقة والصداع) وعند غيره من المحدثين ، كأصحاب السنن، تبويبات مشابهة. ويوافقهم الشراح غالبا على ذلك ، فيذكرون استحباب أدوية معينة لأمراض معينة، بناء على ما ورد في ذلك أن الأحاديث النبوية.

المذهب الثاني: أنه لا يجب أن يكون اعتقاده r في أمور الدنيا مطابقا للواقع، بل قد يقع الخطأ في ذلك الاعتقاد قليلا أو كثيرا ، بل قد يصيب غيره حيث يخطيء هو r.

قالوا: وليس في ذلك حط من منصبه العظيم الذي أكرمه الله به ، لأن منصب النبوة مُنصب على العلم بالأمور الدينية ، من الاعتقاد في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومن الأمور الشرعية. أما إن اعتقد أن فلانا مظلوم فإذا هو ظالم، أو أن دواء معينا يشفي من مرض معين، أو أن دواء معينا يشفي من مرض معين ، فإذا هو لا يشفى منه ، أو أن تدبيرا زراعيا أو تجاريا أو صناعيا يؤدي إلى هدف معين، فإذا هو لا يؤدي إليه، أو يؤدي إلى عكسه، أو أن تدبيرا عسكريا أو إداريا سينتج مصلحة معينة ، أو يدفع ضررا معينا ، فإذا هو لا يفعل ، فإن ذلك الاعتقاد لا دخل له بالنبوة ، بل هو يعتقده من حيث هو إنسان، له تجاربه الشخصية، وتأثراته بما سبق من الحوادث، وما سمع أو رأى من غيره، مما أدى إلى نتائج معينة. فكل ذلك يؤدي إلى أن يعتقد كما يعتقد غيره من البشر، ثم قد ينكشف الغطاء فإذا الأمر على خلاف ما ظن أو اعتقد.

وقد صرح بأهل هذا المذهب، دون تفاصيله، القاضي عياض ، والقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي والشيخ محمد أبو زهرة . وظاهر الحديث أنه r كغيره من الناس في ذلك، بل فيه التصريح بأن أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجاراتهم وزراعاتهم قد يكونون أعلم منه بدقائقها، إلا أن القاضي عياضاً أوجب أن يكون الخطأ في ذلك نادراً لا كثيرا يؤذن بالبلة والغفلة.

ويحتج لهذا المذهب بأدلة، منها:

أولا: حديث تأبير النخل. ففي صحيح مسلم عن رافع بن خديج ، أنه قال ” قدم النبي r المدينة، فإذا هم يأبرون النخل- يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر “.

وفي رواية طلحة، قال r ” ما أظن ذلك يغني شيئا ” فأخبروا بذلك، فتركوه. فأخبر رسول الله r بذلك. فقال: ” إن كان ينفعهم ذلك فيصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولست إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله “.

وفي رواية عائشة وأنس: ” أن النبي r مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم يفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصاً ، فمر بهم فقالوا : ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. قال: ” أنتم أعلم بدنياكم ” .

وشبيه به حديث ابن عباس في قصة الخرص ، وفيه: فقال رسول الله r ” إنما أنا بشر، فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطيء وأصيب “.

وقد زذ الاستدلال بهذا الحديث بأن المراد: أنتم أعلم بدنياكم من أمر دينكم . ويكون توبيخا لهم .

وسياق الحديث على اختلاف رواياته يأبى هذا التأول ويبطله.

ثائيا: حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي لما قال: ” إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلى. ولعل بعضكم أدن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار “.

وفي رواية الزهري للحديث المذكور ” إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم. فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق ، فأقضي له بذلك “.

رأينا في ذلك:

نختار المذهب القائل بأن أقوال النبي r وأفعاله الدنيوية ليست تشريعا، وذلك لأجل الأدلة الآتية:

ا- قوله تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى ) وقوله (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) وقد تكرر التأكيد في الكتاب على بشرية الرسول r وأنه لا يعلم الغيب وأنه ليحس ملكا، ومن المعلوم أنه لما نبأه الله عز وجل، لم يمنعه من تصرفاته البشرية كما يتصرف غيره من الناس على غالب الظنون والتقادير التي تخطيء وتصيب، ولا تعهد له بأن يمنعه من الخطأ في ذلك. وهذا بخلاف أمور الشريعة، فإن كلامه فيها لا يستقر فيه خطأ، كما هو ثابت في علم أصول الفقه. فالأصل استمرار حاله في أمور الدنيا كما كان قبل النبوة ، لما لم يدل على انتقاله عن ذلك دليل.

وقد أكدت السنة النبوية ما بينه القرآن من ذلك. كما يأتي.

2- قوله r ” إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه، وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر ” وفي رواية: ” أنتم أعلم بدنياكم ” وقد تقدم هذا الحديث.

وبهذا الحديث، برواياته المختلفة، يؤصل النبي r أصلا عظيما في الشريعة، ويبينه لنا، ويشعرنا بأن بعض أفراد الأمة قد يكونون أحيانا أعلم منه r بما يتقنونه من أمور الدنيا، والمقصود أهل الخبرة في كل فن وصناعة، وأنه لا داعي شرعا لالتفاتهم إلى ما يصدر عنه r من ذلك إلا كما يلتفتون إلى قول غيره من الناس.

3- ما ذكر ابن إسحق في سيرته في سياق غزوة بدر، قال: حدثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر، قال: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فنزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسوله الله r: لقد أشرت بالرأي.

4- ما ورد في الحديث أن نفرا دخلوا على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله r. قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له. فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرها الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله r!؟ .

5- ما ورد عن هشام بن عروة، أن عروة بن الزبير كان يقول لعائشة ” يا أماه، لا أعجب من فهمك ، أقول: زوجة رسول الله r وبنت أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس، أو من أعلم الناس. ولكن أعجب من علمك بالطب ، كيف هو ومن أين هو؟ ” قال: فضربت على منكبه، وقالت: ” أي عربة ! إن رسول الله r كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره. فكانت تقدم

عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات ، وكنت أعالجها له “.

وممن صرح بهذه القاعدة بصفتها العامة، من الأصوليين القدامى القاضي عبد الجبار.

وصرح به حديثا الشيخ ولي الله الدهلوي ، والشيخ محمد أبو زهرة ، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ عبد الجليل عيسى ، والشيخ فتحي عثمان.

أما من حيث التفصيل فقد قال ابن خلدون: ” الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل (يعني طب البادية المبني على تجارب قاصرة) وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي r من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه r إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع. فقال: ” أنتم أعلم بأمور دنياكم “. قال: ” فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم النفع، وليست ذلك في الطب المزاجي ” .

وقال القاضي عياض في الشفاء: (فصل) فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسير بها على أسلوبنا المتقدم بالاعتقاد والقول والفعل . فأما العقد بها أيعني اعتقادها، فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه، أو يكون منه على شك أو ظن، بخلاف أمور الشرع .

ثم ذكر القاضي عياض حديث تأبير النخل، وحديث الخرص ، ثم قال: وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها، لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه وسنة سنها. ثم ذكر القاضي عياض حديث ابن إسحاق في قصة غزوة بدر، وما أشار به الحباب بن المنذر على النبي r ، وأنه قال: ” أشرت بالرأي ” وفعل ما قاله. وقد قال الله تعالى له r ( وشاورهم في الأمر) ، وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث ثمار المدينة، فاستشار الأنصار، فلما أخبروه برأيهم رجع عنه. قال القاضي عياض: فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجلها همه وشغل نفسه بها ، والنبي r مشحون القلب بمعرفة الربوبية ، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية. ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة. انتهى كلام القاضي عياض. وقال شاه ولي الله الدهلوي:

” باب بيان أقسام علوم النبي r: اعلم أن ما روي عن النبي r ودون في كتب الحديث على قسمين: أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فمنه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، ومنه شرائع وضبط للعبادات والارتفاقات الخ.

والقسم الثاني: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله r ” إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر ” وقوله r في قصة تأبير النخل ” إني إنما ظننت ظنا ولا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لم أكذب على الله ” قال: فمنه الطب ، ومنه باب قوله r : ” عليكم بالأدهم الأقرح ” ومستنده التجربة، ومنه ما فعله r على سبيل العادة دون العبادة… وقول زيد بن ثابت حيث دخل عليه نفر، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله r. قال: كنت جاره. فكان إذا نزل عليه الوحي بعوث إلي ، فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله r؟!

وقال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ” تاريخ المذاهب الإسلامية ” في شأن حديث تأبير النخل ” الحديث يتعلق بالصناعات وفنون الزراعة، وتثمير الأشجار، فهل يتصور أن النبي يمكن أن يكون حجة وذا خبرة في فنون الزراعة والتجارة، وصناعة الزجاج والجلود، ونسج الأقطان والحرير، وغير ذلك مما يتعلق بالمهن المختلفة!؟ إن كانوا يتصورون ذلك، فقد خلطوا خلطا كبيرا، ولن يميزوا بين رسول جاء بشرع من السماء، وصانع ذي خبرة فنية، وتاجر عالم بالأسواق.

إن الحديث وارد في مثل موضوعه، وهو تأبير النخل وغيره من الصناعات والزراعات ونحوها، فما كان الرسول مبعوثا لمثل هذا، والتشريع فوق هذا، وهو الذي جاء به النبي ” ا هـ كلام الشيخ أبي زهرة.

والأمور الدنيوية التي هذا سبيلها، ووردت فيها أحاديث نبوية، هي على ثلاثة أنواع:

النوع الأول:

الأمور الغائبة عنه r مما شأنه أن يعرفه من رآه أو سمع به، ولا يعرفه الإنسان المعتاد بمجرد الفكر، كمعرفة ما في بيت مغلق، أو معرفة ما يجري في مكان بعيد من أرض الله. فهذا من علم الغيب، لا يعلمه إلا الله، لقوله: (قل يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) وقوله (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) فلا يعلم النبي r مثل ذلك إلا بطرق المعرفة المعتادة، ما لم يخبرنا أن الله أطلعه عليه،) وأوحى إليه به. كما ورد أن ناقة نبيئ الله r ضلت فخرج بعض أصحابه يبحثون عنها. فقال بعض المنافقين: يزعم محمد أنه نبي ولا يدري أين ناقته؟! فلما علم بذلك النبي r

: ” إني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وإن الله قد دلني عليها. وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حسبتها شجرة بزمامها ” فذهبوا فأتوا بها.

النوع الثاني:

أمور البشر وأسرارهم، وما في قلوبهم ، وما عملوا في حال غيبتهم، فلا يعلم النبي قال ذلك بغير اطلاع خاص من الله تعالى، كما أطلعه على حال بعض المنافقين. ثم قد يعتقد الشيء من ذلك الذي لم يوح إليه به على غير ما هو عليه. قال القاضي عياض: أما ما يعتقده في أمور البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة المحق من المبطل، وعلم المصلح من المفسد ، فكذلك، لقوله r إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار ” وفي رواية الزهري عن عروة. ” فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له ” وكان يجري أحكامه r على الظاهر وموجب غلبة الظن، بالشاهدين، أو يمين الحالف، أو مراعاة الأشبه، أو معرفة القرائن. ولو شاء الله لأطلعه على سرائر عباده ومخبات ضمائر أمته، ولكته غيب عنه ذلك.

النوع الثالث:

ما يدخل من أمور الدنيا ضمن ما يسمى العلوم البحتة والعلوم التطبيقية، وهي ما يفعله الإنسان بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال، له أو لغيره، أو دفع ضرر كذلك، أو يدبر تدبيرا في شأنه خاصة، أو شؤون المسلمين عامة، لغرض التوصل إلى جلب نفع أو دفع ضرر.

ويشمل هذا النوع الأضرب التالية:

الضرب الأول: الأمور الطبية، وهي ما يجريه على بدنه خاصة، أو أبدان غيره من الناس بقصد دفع مرض حاضر أو متوقع.

فقد تناول النبي r، أو أعطى غيره، أو وصف له، أطعمة وأشربة متنوعة على سبيل حفظ الصحة، أو لدرء أمراض معينة، كألبان الإبل وأبوالها .

وكذلك تعاطى أو أعطى أنواعا مختلفة من العلاج، فقد احتجم واستعط، وكانت حجامته في وسط رأسه، وكانت حجامته من شقيقة كانت به. ولما اشتد به وجعه أهريق عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، ولما جرح بأحد ألصق على جرحه رماد حصير ليرقأ الدم . وداوى بريقه مع تراب . ورفض أدوية معينة كاللدود .

الضرب الثاني: شؤون الزراعة، بأن يزرع الإنسان أنواعا معينة من النبات، أو يزرع بطريقة ما، أو يسقي المزروعات كذلك، أو يفعل بالنبات شيئا بقصد تكثير إنتاجه أو تحسينه أو نحو ذلك.

وشبيه بها ما يفعل بالحيوان بقصد تكثير إنتاجه وتحسينه، كإطعامه أعلافا معينة، أو المزاوجة بين سلالات منه مختلفة بقصد الحصول على نسل أجود.

الضرب الثالث : الصناعة ، بأن يصنع الإنسان بمادة شيئا ما بقصد تحويلها إلى شكل ذي أوصاف مخالفة لشكلها الأول ، لتكون أنفع، أو يحلل مادة ما إلى حالات أبسط، أو يركب مادة مع مادة بقصد الحصول منهما على مادة جديدة ، هي أنفع من الأصل.

الضرب الرابع: التجارة، بأن يعمل في البيع والشراء، في أشياء معينة، في ظروف معينة ، بقصد تحصيل مكسب عن فروق الأسعار.

الضرب الخامس : أنواع أخرى من المكاسب كرعي الغنم، أو العمل للغير بأجر.

الضرب السادس: مثل التدابير الفنية التي اتخذها r في الحرب، من استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق، وترتيب الجيوش وتدريبها.

الضرب السابع : مثل التدابير التي اتخذها r في الإدارة المدنية، من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجاب والسفراء ، وكذلك الأعلام والشعارات، والمرافق من الطرق والحصون وغيرها.

فهذه الأضرب وأمثالها قد وقع من النبي r الكثير من أفرادها ونقل إلينا أشياء من ذلك.

والنظر في الأحكام التي يمكن أن تدل عليها مثل تلك الأحاديث من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أصل الطب والزراعة والصناعة والتجارة والقصد إلى تحصيل المكاسب، والسعي لتحقيق التدابير المدنية والعسكرية المناسبة، ونحو ذلك : تعتبر أقواله r في ذلك حجة يجب اعتقادها واتباعها، ويستفاد من الأحاديث القولية والفعلية في ذلك إباحته، وأنه لا يخالف العقيدة ولا الشريعة. وقد يرتقي إلى درجة الاستحباب أو الوجوب، بحسب الأحوال الداعية إليه ودلالة نطقه في ذلك.

وفي الحديث إشارة إلى ذلك حيث قال r : ” ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ” فهذا في الصناعة، وقال: ” التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين يوم القيامة ” فهذا في التجارة، وورد في الزراعة وغيرها أحاديث أخرى، وتأتي الأحاديث التي تأمر بالتطبيب والعلاج .

الوجه الثاني: إرشادات وتوجيهات شرعية في ممارسة تلك الأعمال، كتجنب البول وقضاء الحاجة تحث الشجر المثمر، ووجوب إحسان الذبح، وتحديد الشفرة، لئلا يتعذب الحيوان المذبوح، وإمكانية استعمال المنجنيق في الحرب، وتجنب قتل النساء والأطفال فيها، ونحو ذلك، فهذا شرع يؤخذ كما يؤخذ غيره من الشرع في العبادات ونحوها.

الوجه الثالث: الأمر الذي عمله بخصوصه ، هو مباح له، وقد يكون مستحبا له، أو واجبا عليه، لاعتقاده r أنه هو المؤدي إلى غرض مستحب أو واجب. ولكن هل يكون حكم مثله بالنسبة إلينا كذلك؟ كما لو شرب دواء معينا لعلاج مرض معين، فهل يستحب لنا شرب ذلك الدواء لذلك المرض مثلا، أو يجب، بل هل يباح بناء على ذلك أم لا؟

هذا ينبني على القاعدة التي سبق تحريرها، وقد رجحنا فيها قول من قال من العلماء إن أقواله r وأفعاله في ذلك الباب ليست حجة، ولا يلزم الأخذ بها، بل هي أقوال وأفعال مبنية في الأصل على التجارب الشخصية للنبي r من حيث هو بشر ، وما قد سمع به من أهل التجربة والمعرفة، وكثيرا ما تكون تلك المعرفة والتجربة صحيحة، ولكن احتمال الخطأ قائم، كما قال r ” إنما أنا بشر أخطىء وأصيب “.

وأحب أن أنبه هنا إلى أنه إذا نص القرآن على أمر دنيوي فهو حق لا مرية فيه، لأنه من الله تعالى الذي لا يخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.

فإذا كان الحديث النبوي في الشؤون الدنيوية استجابة لإرشادات القرآن التي تتعلق بذلك الأمر، فيكون الفعل بيانا أو امتثالا للقرآن، ويحمل على الشرعي. ولعل خير مثال على ذلك شربه r العسل للتداوي ، فإن ذلك تطبيق لقوله تعالى: ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) .

وشبيه بذلك ما أخبر r أنه فعله عن وحي من الله تعالى.

وأنبه إلى أمر آخر وهو أنه إذا تردد الفعل بين أن يكون دنيويا أو دينيا، حمل على الديني، لأنه الأكثر من أفعاله r . والله أعلم.

الفصل الثاني

في الأحاديث الواردة في شأن الطلب والعلاج

بعد تأصيل القواعد العامة التي ذكرت في الفصل الأول، والتي تصدق على جميع الأحاديث النبوية المتعلقة بالشؤون الدنيوية المختلفة ، نخص بالكلام الأحاديث الواردة في الشؤون الطبية بالذات، بتطبيق القواعد السابقة عليها:

فنقول: إن الأحاديث المذكورة نوعان رئيسيان: أولهما: ما يعتبر شرعا يتبع، ويعمل به، كسائر الأحاديث الواردة عنه r في شؤون الاعتقادات والعبادات والمعاملات والأحكام المختلفة التكليفية والوضعية. والثاني: مالا يعتبر شرعا، ولا يلزم العمل به، وسبيله سبيل الشؤون الدنيوية التي تقدم بيانها، يعتبر قول النبي r فيها كقول سائر الناس:

النوع الأول

وهو ما ورد من الأحاديث في الطب ويعتبر شرعا يتبع:

ويشمل فئات:

الفئة الأولى:

أ- ما كان من الأحاديث الواردة في حكم أصل العمل بالطب والمعالجات وتناول الأدوية.

فهذا النوع شرع يتبع، لأن الطمث فعل من أفعال المكلفين، والشرع جاء ليحكم أفعال المكلفين ببيان ما يوجبه الله منها وما يحرمه، أو يستحبه أو يكرهه، أو يجيزه بلا تفضيل لفعله على تركه ولا عكسه، وهي الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والمحرم، والمستحب، والمكروه، والمباح، ولا يخرج عنها أي فعل من أفعال المكلفين.

وقد وردت في أصلى العمل بالطب أحاديث منها:

حديث الأمر بالتداوي، وأن الله تعالى ما أنزل داء إلا أنزل له دواء، غير داء واحد، اختلفت الأحاديث في تعيينه، ففي بعضها: هو الهرم، وفي بعضها: هو الموت. فمن ذلك حديث أسامة بن شريك أن رسول الله r قال: ” يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم “. رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة.

وحديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: ” إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا السام، وهو الموت ” رواه الحاكم. وبمعناه من حيث الجملة روى من طريق أنس ، وأبي هريرة، وأم الدرداء ، وابن مسعود ، وجابر. ورواه البخاري من حديث أبي هربرة مرفوعا مختصرا هكذا ” ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ” وفي صحيح مسلم من حديث جابر ” لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى ” وفي الموطأ مرسلا ” أن النبي r قال لرجل: أيكما أطب ؟ قالا: يا رسول الله، وفي الطب خير؟ فقال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء ” .

قال ابن حجر: في هذه الأحاديث الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وفيها الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد ، وفيها إثبات الأسباب، وأن العمل بالطب لا ينافي التوكل على الله، لقوله ” بإذن الله ” والتداوي لا ينافي التوكل كما لا تنافيه سائر الأسباب، كدفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكتجنب المهلكات، وكالدعاء بطلب العافية، ودفع المضار، ونحو ذلك.

وقد أخرج ابن ماجه حديث أبي خزامة عن أبيه قال ” قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله “.

ومثلها الأحاديث الواردة التي تفيد أن النبي r كان إذا مرض يتداوى، وربما سأل الأطباء عن دواء مرضه، وكانت وفود العرب تصف له الأدوية، فكانت عائشة رضي الله عنها تعالج له تلك الأدوية أي تمزجها وتهيئها، ومن ثم كان لها علم بالطب. وكان إذا مرض غيره وصف له دواء، وربما أرشده إلى طبيب ليداويه، كما يعلم من سائر الأحاديث الواردة في هذا البحث.

فكل ذلك يشير إلى أن الطب من حيث الأصل مشروع، والتداوي مطلوب شرعا، فليس هو حراما ، ولا يخالف عقيدة الإسلام ولا شريعته. وذلك واضح من القواعد الشرعية العامة أيضا، فإن الشريعة تأمر بالسعي في أسباب المصالح، ودرء المفاسد، وتوقي الأضرار والمهلكات.

لكن هل التداوي في حيز الواجبات، أو حكم المستحبات، أو حكم المباحات ؟

 

حكم التداوي:

اختلف العلماء في حكم التداوي لمن به مرض:

فذهب الشافعية إلى أنه سنة، واحتجوا بالحديث المتقدم ” ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء ” وقالوا: قد فعله النبي r.

قالوا: ولا نقول بوجوبه، لأنه لا يقطع بنفعه ، أي بخلاف الطعام والشراب لمن هو في مخمصة وخشي الهلاك ، فإنه يجب عليه تناوله لأنه مقطوع بنفعه.

لكن قال الأسنوي من الشافعية : يحرك ترك التداوي في جرح يظن فيه التلف ونحو ذلك. (44) أي لأنه لو كان جرحا بالغا وتركه ينزف لمات منه، وربط الجرح حينئذ نافع يقينا أو شبه اليقين. وقد داوى النبي r جرحه يوم أحد. غير أن بعض الفقهاء، منهم النووي في شرح المهذب ، ادعوا أن ترك التداوي توكلا أفضل. وقال بعضهم: التداوي لضعيف التوكل ، وترك التداوي لقوي التوكل أفضل.

وهذا لا يستقيم مع ما علم قطعا أن النبي r تداوى مرات كثيرة، وأنه كانت وفود العرب ترد عليه، وتنعت له الأدوية ، فتصنعها له عائشة ، كما تقدمت الرواية بذلك، وهو أقوى المتوكلين بلا شك. وقد قدمت قول ابن حجر إنه لا منافاة أصلا بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل.

ولم يرد في القرآن فيما نعلم ما يفيد المنافاة المذكورة.

وورد في السنة في باب الطب حديثان ظاهرهما يفيد ذلك:

أولهما: حديث عمران بن حصين عند أحمد والبخاري ومسلم، وفيه أن النبي r ذكر سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قال : ” هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون “.

فهذا ظاهره أنهم تركوا التداوي بالكي توكلا على الله.

ولكن يحتمل أن صفة التوكل في الحديث ليست متعلقة بالأمور الثلاثة، وهي ترك الاسترقاء والتطير والاكتواء، بل هي أمر رابع مستقل مضاف إلى الثلاثة، فلا تنافي أصلا .

ويحتمل- وهو الأوجه – أنه لما كان الكي منهيا عنه ، لما فيه من التعذيب بالنار، فقد أمرنا بتركه والبحث عما سواه من أنواع المداواة، مع التوكل على الله في أن ييسر دواء آخر. قال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه ” لم يتوكل من اكتوى ” والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي يشرع التداوي له. فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى ، لما فيه من التعذيب بالنار لأمر غير محقق .

وثانيهما: حديث في الكي أيضا ، وهو ما رواه المغيرة أن رسول الله r قال: ” من استرقى أو اكتوى برىء من التوكل ” رواه أحمد والترمذي. والقول فيه شبيه بما تقدم.

ونقل ابن حجر في موضعا خر، بعض كلام من أوغل في هذا الباب، وادعى أن خواص الأولياء الذين اشتد توكلهم لا يضرهم ترك الأسباب. وأن الأسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما، أي ممن باشرها، وأن الذي يستحق اسم التوكل هو من لم يخالط قلبه شيء، حتى من المع الضاري، والعدو، ومن لم يسع في طلب رزق، ولا مداواة ألم.

وعندي أن هذا من أعظم الانتكاسات التي طرأت على العقلية الإسلامية بتأثير ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، والتي أدت إلى التواكل، والانصراف عن الأخذ بأسباب الصحة والقوة والتقدم والنصر، اعتمادا على وضع فكرة التوكل في غير موضعها. وأصبح ذلك في الأمة الإسلامية مرضا مزمنا عر علاجه، وأيس منه الأطباء، إلا من شاء الله له أن يستمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، عالما أن الحق كل الحق فيما ورد فيهما بعد أن يفهما حق الفهم، والله المستعان.

وقد سأل رجل الإمام أحمد قائلا. إنه يريد أن يخرج من العراق إلى مكة للحج بلا زاد، توكلا على الله. فقال الإمام أحمد للسائل : أخرج مع غير القافلة. قال: لا أستطيع. فقال: إنك لم تتوكل على الله ، ولكن توكلت على أزواد الناس.

ولذا قال ابن حجر رحمه الله ” الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطي الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر r بين درعين، ولبس على رأسه المغفر ، وأقعد الرماة على فم الشعب ، وخندقا حول المدينة ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وأدخر لأهله قوت سنتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك. وقال للذي سأله: ” أعقل ناقتي أو أدعها ؟ ” قال ” اعقلها وتؤكل ” فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل . كلام ابن حجر.

وأنا ألتمس من كل من يذهب هذا المذهب المردود المرفوض، أن يدلني ولو على واقعة واحدة ترك فيها النبي r الأخذ بسبب معتاد، وهو يقدر عليه، في أمر يحتاج إليه، فترك الأخذ بالسبب توكل! على الله. بل كان r يأخذ بالأسباب التي يقدر عليها ويتوكل على الله .

وقد قال ابن القيم في ذلك كلمة عظيمة لمن يعقلون شرع الله، قال: “التداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا ، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره فيهما، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا ” .

ب- ومنها حديث أبي رمثة أن النبي r قال لطبيب ” الله الطبيب، بل أنت رفيق، طبيبها الذي خلقها ” رواه أبو داود.

هذا الحديث إقرار للعمل بالطب. وفيه التنبيه إلى قوى البرء المركبة في البدن الإنساني في أصل خلقته، وأن مهمة الطبيب الرفق بالمريض لإتاحة الفرصة لهذه القوى كي تعمل عملها.

وشبيه بهذا قول النبي r في رقية المريض، كما في صحيح البخاري، عن عائشة ” اللهم اشف، وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك ” فبين أن حقيقة الشفاء هي بيد الله تعالى وحده.

الفئة الثانية:

أحاديث فيها توجيهات شرعية متعلقة بعملية التداوي وشؤون المرضى :

أ- من ذلك حديث البخاري عن الصحابية ربيع بنت معوذ ، قالت ” كنا نغزو مع رسول الله-حب نسقي القوم، ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة ” وفي رواية ” ونداوى الجرحى “.

ففيه جواز مداواة المرأة للجرحى من الرجال. قال ابن حجر : يجوز عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك .

وهذا الذي قاله عندي فيه نظر، فليس في الحديث إشارة إلى أي ضرورة، بل هي الحاجة إلى العلاج، والحاجة أخف من الضرورة. وقد كان يمكن تفريغ بعض الرجال لذلك العمل، لو كان في الأصل محرما.

وأيضا ما ورد أن رفيدة الأسلمية كان لها خيمة بالمسجد تداوي فيها الجرحى، ينفي وجوب الاقتصار على قدرا لضرورة.

ب- ومنها أحاديث الأمر بعيادة المريض ، وأن النبي r كان يعودهم، حتى ” إن غلاما يهوديا كان يخدم النبي r ، فمرض، فأتاه النبي r يعوده فقال: أسلم. فأسلم ” وكان إذا عاد المريض ربما وضع يده على جبهته، ومسح على صدره وبطنه، ودعا له. نقل البخاري أنه r فعل ذلك عندما زار سعدا. وربما رقى المريض.

ففي صحيح البخاري من حديث عائشة: ” أن النبي r كان إذا أتى مريضا، أو أتى إليه به قال: “أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما “

ج – ومنها حديث النهي عن التداوي بالمحرمات:

كحديث أنه r سئل عن الخمر يتداوى بها فقال: ” إنها ليست بدواء ولكنها داء ” رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي .

وكحديث: ” أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ” رواه عبد الرزاق والطبراني مرفوعا. ورواه الحاكم عن ابن مسعود موقوفا.

وكحديث ” إن الله جعل لكل داء دواء، فتداووا ، ولا تتداوا بحرام “

فهذه الأحاديث هي من قبيل الشرع، لأنه r ناط الحكم بمعنى شرعي، وهو التحريم، فما كان من المواد محرما لم يجز التداوي به.

ولا يعني هذا أنه لا يجوز استعماله عند الضرورة، مع عدم وجود دواء آخر غير الدواء المحرم، بل إن الضرورة تبيح المحظور، فيعود حلالا لذلك المضطر، لقوله تعالى: ( وقد فضل لكم ما حرتم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) فإذا عاد حلالا لم يكن داخلا في قوله (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ) ومن هذا القبيل التداوي بالنجاسات.

وفي كل من النوعين خلاف يعرف بالرجوع إلى كتب الفقه.

د- ومنها: حديث أم سلمة عند البخاري ” أن امرأة توفي زوجها، فاشتكت عينها، فذكروها للنبي r ، وذكروا له الكحل وأنه يخاف على عينها ” في الحديث أنه نهاها عن ذلك، أي لأن المعتدة لا يحل لها شرعا أن تتزين بكحل أو غيره.

أما إن كان النهي عن الدواء لا لعلة شرعية ، بل لكونه r قدر فيه ضررا بمقتضى تجربته وخبرته الدنيوية فلا يكون من هذا الباب ، بل يكون من النوع الثاني ، وهو ما لا يكون شرعا يتبع. فمنها النهي عن الغيل، وهو رضاع الحامل، ومنها النهي عن علاج العذرة بالعلاق كما يأتي في النوع الثاني.

الفئة الثالثة:

أحاديث أبطلت أنواعا من المعالجات، كانت سائدة في الجاهلية، تنافي صحة الاعتقاد الإيماني، لأنها ليست أسبابا حقيقية للشفاء:

أ- من ذلك ما و رد أن النبي r ” دخل عليه رجل وفي يده حلقة من صفر. فقال ما هذا؟ فقال: من الواهنة. فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، وأنت لو مت وأنت ترى (أي تعتقد) أنها تنفعك لمت على غير الفطرة ” رواه أحمد والطبراني من حديث عمران بن حصين. ورواه الطبري.

(الواهنة ريح تأخذ في المنكبين عند الكبر. وقيل مرض يأخذ في عضد الرجل. كذا في لسان العرب).

ب- ومنها ” أن عبد الله بن عكيم الجهني الصحابي رضي الله عنه خرج به خراج، فقيل له. ألا تعلق عليه خرزا؟ فقال: لو علمت أن نفسي تكون فيه ما علقته. ثم قال: إن نبي الله r نهانا عنه ” رواه ابن جرير وصححه .

ج- ومنها قوله ” إن الرقى والتمائم والتولة شرك ” رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث ابن مسعود. ومثله حديث: ” من علق تميمة فقد أشرك ” والمراد بالرقى الرقى المجهولة، وما كانت الاستعاذة فيها بغير الله تعالى، بخلاف الرقية بالفاتحة والمعوذتين والأدعية المشروعة. والمراد بالتمائم الأحجبة التي تعلق على الأطفال والبيوت والسيارات ونحو ذلك، يزعم الجهلة أنها ترد العين، أو تمنع المرض والحوادث. والتولة شيء كانوا يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها.

الفئة الرابعة:

أحاديث أمرت بأدوية ومعالجات ربطتها بأحكام تعبدية وشعائر دينية.

أ- من ذلك حديث أحمد والنسائي عن عائشة مرفوعا: ” السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ” وفي صحيحي البخاري أيضا ” لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة “.

ب- ونهى أحاديث الاسترقاء ، منها ما في صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: كان رسوله الله r إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به ” ثقته يا رواية عند البخاري أيضا بأنها كانت تمسح جسد النبي r بيد نفس ” بعد أن ينفث هو بها.

ج- ومنها أحاديث الدعاء للمريض ، كقوله r ” اللهم رب الناس، مذهب الباس ، اشف وألت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما “.

د- ومنها حديث ” داووا مرضاكم بالصدقة ” .

الفئة الخامسة:

أحاديث مبنية على النص القرآني:

أ- فمن ذلك أحاديث التداوي بالعسل، منها حديث البخاري عن جابر بن عبد الله أن النبي r قال ” إن كان في شيء ، من أدويتكم خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء. ولا أحب أن أكتوي “.

وإنما قلنا إنها حجة لكونها أخذا بنص القرآن: ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ).

ب – ومنها ما روى عمر بن الخطاب عند أحمد والترمذي والحاكم أن النبي r قال ” كلو! الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة ” فإنه ينظر إلى قوله تعالى: ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) .

الفئة السادسة:

أحاديث فيها ذكر أدوية أو معالجات يخبر النبي r أنه علمها بطريق الوحي ، أو إخبار الملائكة، أو أن الله يحبيا، أو يكرهها، و نحو ذلك.

وإنما كان هذ ا النوع من الأدوية صحيحا ومشروعا لأنه منسوب إلى الله تعالى أو ملائكته. وقد تقدم قول النبي r في حديث تأبير النخل ” ما حدثتكم عن الله فخذوا به، وما حدثتكم من رأي فإنما أنا بشر أخطىء وأصيب ” فهذه الفئة منضمة إلى ما حدثنا به النبي r عن الله تعالى من سائر أمور الدين، فلزمنا العمل به، سواء كان نهيا، فيمنع التداوي به، أو أمرا فيكون دواء مقبولا.

أ- فمز ذلك أحاديث الأمر بالتداوي وأصل العمل بالطب كما تقدم في الفئة الأولى لأن فيه ” أن الله ما أنزل من داء إلا ” أنزل له شفاء ” فأسند ذلك إلى الله تعالى، ومنها أحاديث الني عن التداوي بالمحرمات كما تقدم في الفئة الثانية ، كما في رواية ” إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم “.

ب- ومنها ، حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والحاكم أن النبي r قال: ” إن كان في شيء مما تتداوون به خير فالحجامة ” في رواية ابن مسعود أنه قال: ” ما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا قالوا: يا محمد بشر أمتك بالحجامة ” رواها الترمذي.

وروى مثلها أحمد والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا. وأحاديث الأمر بالحجامة كثيرة ، ولكن ليس في شيء منها إسناد الخبر عنها إلى الملائكة، إلا رواية ابن مسعود، فإن صحت رواية ابن مسعود، وإلا تكون أحاديث الحجامة كلها من النوع الثاني، وهو ما لا حجة فيه.

تنبيه:

لابد لاعتبار الأحاديث التي صت هذه الفئة الأخيرة حجة في باب الطب ليس أحد أمرين.

الأول: أن يكون الحديث على درجة عالية من الصحة، لأن تطبيقه على الأجسام الإنسانية قد يكون فيه ضرر كبير، فإن وقع الضرر فلا يكون للطبيب عذر أن يتبين كون العلاج مبنيا على حديث صحيح ظاهرا لكنه في الحقيقة موهوم أو مكذوب .

ولذا أقترح أن لا يعتبر حجة من الناحية الطبية الصرفة حديث ما لم يكن ثابتا على سبيل القطع، وهو الحديث المتواتر، أو على شبه القطع ، وهو ما ورد من طريقين على الأقل ، منفصلين، من أول السند إلى آخره ، بحيث يعرف أنه لم ينفرد برواية الحديث راو واحد في أي طبقة من طبقات السند ، حتى ولو كان صحابيا ، لاحتمال الوهم والغلط ، مع اشتراط كون كل من الروايتين أو الروايات صحيحة لذاتها، طبقا لما هو معمول به في علم مصطلح الحديث. وهذا الأمر إذا أريد تحقيقه يطرح عبئا على المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ، لتكليف بعض أهل الاختصاص العمل لذلك، حتى يعرف من الأحاديث الطبية ما هو مقطوع به طبقا لما ذكرنا هنا.

الثاني. أن يخضع مضمون الحديث للتجارب الطبية تحت نظر الاختصاصيين. فإن ثبتت صلاحيته كفى ، وتكون التجارب هي الحجة في ذلك.

النوع الثاني

وهو مالا حجة فيه من أحاديث الطب

وهو سائر الأحاديث النبوية الواردة في الطب والعلاج ، وليس فيها ما يشعر أنها من قبل الله تعالى، أو أنها من قبيل الشرع.

وقد وضح من القواعد المذكورة في الفصل الأول أن هذا النوع ثمن الأحاديث ليس من قبيل التشريع.

ونحن نذكر جملة من تلك الأحاديث على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

ا- فمنها حديث: ” أصل كل داء البردة ” رواه ابن السني وأبو نعيم في ” الطب ” والدار قطني في ” العلاج “، من حديث علي وأبي سعيد وأنس بن مالك.

البردة : برودة المعدة.

2- ومنها حديث مقدام بن معد يكرب عند أحمد والترمذي مرفوعا “ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وتلث لنفسه. “

ومنها حديث…. عند الإمام أحمد مرفوعا ” كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة “

3- ومنها أحاديث الحجامة، كما تقدم في الفئة السادسة من النوع الأول، إن لم يصح الحديث بأن الملائكة أمروا النبي r بها .

فمنها قوله r ” إذا اشتد الحر فاستعينوا بالحجامة ، ولا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله ” رواه الحاكم الحاكم من حديث أنس . .

4- ومنها حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود مرفوعا ” إن كان في شيء مما تتداوون به خير فالحجامة ” .

في أحاديث مختلفة جمعها صاحب كنز العمال ، أن الحجامة تذهب الدم ، وتجلو البصر، وتجف الصلب، وتنفع لن وجع الرأس الأضراس ، والنعاس، والبرص ، والجنون.

وروى عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن يهودية قدمت للنبي r في خيبر طعاما مسموماً فأكل منه ، وأكل منه بعض اصحابه . وفي القصة أن الوحي أخبره بالسم ن فاحتجم النبي r ثلاثة على الكاهل ، وأمر أصحابه أن يحتجموا ، فاحتجموا فمات بعضهم .

5 – ومنها حديث ابن عباس عند الترمزي ولحاكم ، وحديث ابن مسعود عن

الترمذي وأبي نعيم في الطب ” إن خير ما تداويتم به اللدود والسعوط والحجامة والمشي ، وخير ما اكتحلتم به الإثمد ، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ” .

اللدود : هو الدواء الذي يسقاه المريض من أحد جانبي الفم .

والمشي : الإسهال . والمراد أخذ المسهل .

6- ومنها حديث أنس عند مالك وأحمد مرفوعا ” أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ” .

(القسط البحري : عود يجاء به من الهند ، يتبخر به النساء والأطفال. وقيل هو العود المعروف (كذا في لسان العرب) أي هو عود الطيب الهندي ).

7- ومثل هذا حديث آخر في العود ، وهو ما رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أم قيس بنت محصن أن النبي r قال: ” علام تدعرن أولادكن بهذا العلاق ؟ عليكن بهذا العود الهندي ، فإن فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء ، منها ذات الجنب ، ويسعط به من العذرة ، ويلد به من ذات الجنب “.

جاء في لسان العرب ، ومثله في فتح الباري (10/ 149) 0 العذرة وجع في الحلق يهيج من الدم . وقيل هي قرحة تخرج في الحزم الذي بين الحلق والأنف، يعرض للصبيان عند طلوع العذرة (وهي نجم يطلع في أيام الحر) فتعمد المرأة إلى خرقة، فتفتلها فتلا شديدا، وتدخلها في أنف الصبي، فتطعن ذلك الموضع ، فينفجر منه دم أسود ربما أقرحه. وذلك الطعن يسمى الدغر .

8- ومنها- حديث عائشة مرفوعا، عند أحمد ” مكان الكي التكميد ، ومكان العلاق السعوط ، ومكان النفخ اللدود “.

9- ومنها. حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود ” من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا يسخر. “

وحديث عائشة مرفوعا عند مسلم ” إن في عجوة العالية شفاء ، وإنها ترياق أول البكرة .”

(العالية القرى والحوائط التي بجوار المدينة المنورة من جهتها العليا من جهة نجد ، والسافلة ما كان من أسفلها من قبل البحر ، والترياق دواء السم ) .

وحديث عائشة مرفوعا أيضا عند ابن عدي وأبي نعيم في ” لطب ” : ” ينفع من الجذام أن تأخذ سبع ثمرات من عجوة المدينة كل يوم ، تفعل ذلك سبعة أيام ” .

10 – ومنها حديث سعد مرفوعا عند أبي داود ” إنك رجل مقؤود ، ائت الحارث ابن كلدة أخا ثقيف ، فإنه رجل يتطبب ، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة ، فليجأهن بنواهن ، ثم ليدلك بهن ” .

11- ومنها حديث عائشة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم ” التلبية مجمة لفؤاد المريض ، تذهب ببعض الحزن ” وحديثها المرفوع ، عند ابن ماجه والحاكم ” عليكم بالبغيض النافع ، التلبية ، فوالذي بيده إنه ليغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه بالماء ” .

12 – ومنها حديث ابن عباس مرفوعا ، عند أحمد والبخاري ومسلم ” الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء ” وروى مثله عن ابن عمر وعائشة ورافع بن خديج وأسماء بنت أبي بكر .

13 – وحديث عائشة أنه r في مرض موته ” صب عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن” .

14- ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والترمذي ” العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم ، والكمأة من المن ، وفيها شفاء للعين ” وروى مثله أبو سعيد وجابر مرفوعا عند أحمد والنسائي . وروى نصفه الثاني البخاري ومسلم وأحمد والنسائي مرفوعا من حديث سعيد بن زيد .

15- ومنها حديث أنس عند أحمد والحاكم ” شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابية، تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ، ثم تشرب على الريق كل يوم جزء “.

16- وحديث طارق بن شهاب عند أحمد، وابن مسعود عند الحاكم ، مرفوعا ” عليكم بألبان البقر فإنها ترم أن كل الشجر، وهو شفاء من كل داء ” وفي رواية الطبراني في الكبير” عليكم بألبان البقر فإنها دواء، وأسمانها شفاء ، وإياكم ولحومها فإنها داء “.

17- وحديث أبي هريرة مرفوعا عند أحمد والبخاري ومسلم، ومثله عند أحمد عن عائشة، وعند ابن ماجه عن عمر مرفوعا “في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام ” والسام الموت .

18- ومنها حديث أنس عند النسائي مرفوعا ، ونحوه عند أحمد والترمذي والحاكم عن أسماء بنت عميس مرفوعا ” ثلاث في فيهن شفاء من كل داء إلا السام: السنا والسنوت “

19- وحديث ط لمحة عند الطبراني والحاكم والضياء مرفوعا . ” أتيت النبي r وبيده السفرجل ، فقال: دونكها يا أب محمد فإنها تشد القلب، وتطيب النفس، وتذهب بطخاوة الصدر ” .

20- ومنها حديث أحمد والبخاري وأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا ” إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء ” زاد أحمد في رواية ” وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء ، فليغمسه كله ” وأخرجه كله أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعا .

21- ومنها الأحاديث الواردة في العدوى :

فمنها حديث أبي هريرة مرفوعا ” لا يوردن ممرض على مصح ” رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود .

الممرض هو الذي له لإبل مريضة ، نهاه أن يوردها على الإبل الصحيحة .

ومنها حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي r قال ” لا عدوى ولا صفر ولا هامة . فقال أعرابي : يا رسول الله ، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء ، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها ؟ فقال رسول الله r : ” فمن أعدى الأول ؟ ” .

ومها حديث أحمد والبخاري عن أبي هريرة مرفوعا ” لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ، وفر من المجذوم فرارك من الأسد ” .

وروى مسلم أوله .

22- ومنها أحاديث الجذام :

أ- كحديث ابن سعد عن عبد الله بن جعفر مرفوعا ” اتقوا صاحب الجذم كما يتقى السبع: إذا هبط واديا فاهبطوا غيره “.

ب– وحديث أحمد والطبراني وعبد الرزاق وابن جرير عن الحسين مرفوعا ” لا تديموا النظر إلى المجذومين إذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح ” .

وفي صحيح مسلم كن حديث جابر أنه r قال للمجذوم ” ارجع فقد بايعناك ” .

23- ومنها أحاديث الغيل:

أ– كحديث مالك ومسلم عن جذامة بنت وهب مرفوعا. ” لقد هممت أن أنهى عن الغيل، فنظرت في فارس والروم فإذا هم يجيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا. ” .

ب– وكحديث أحمد وأبي داود من حديث أسماء بنت السكن مرفوعا: ” لا تقتلوا أولادكم سرا، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثرة ” (100) قال السيوطي: وقد فسر مالك الغيل بأن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع.

وفسره إبن السكيت بأن ترضع المرأة وهي حامل. كان الأطباء يقولون إن ذلك اللبن داء. والعرب تكرهه وتتقيه .

24- ومنها أحاديث الطاعون، كحديث أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف عند البخاري ” إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ” رواه مسلم .

25- ومنها ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي r بعث إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه عليه. “

26- ومنها حديث عند الإمام أحمد مرفوعا ” إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء ” وحديث ابن عباس مرفوعا عند ابن المنذر، ” عليكم بأبوال الإبل فإن فيها شفاء للذربة بطونهم “.

ومثله ، حديث أنس في الصحيحين ” أن ناسا اجتووا في المدينة ، فأمرهم النبي r أن نموا براعيه- يعني راعي الإبل- فيشربوا من أبوالها حتى صلحت أبدانهم.. الحديث ” وفي رواية النسائي ” فاجتووا المدينة حتى اصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم “.

27- ومنها حديث ابن عباس عند الترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، وابن حبان وصححه مرفوعا ” (اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشر ” .

28- ومنها حديث استعمال أن الرماد لقطع دم الجرح ، وهو ما رواه البخاري في قصة أحد لما دمي وجه النبي r ” غمدت فاطمة إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرح رسول الله r فرقا الدم ” .

29- ومنها حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي r قال في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات. ” إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل ” .

30- ومنها حديث جابر في صحيح مسلم مرفوعا ” غطوا الإناء، وأؤكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليست عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء ، إلا وقع فيه ذلك الداء ” .

فهذه الأحاديث المذكورة في هذا النوع الثاني، ونحوها من الأحاديث التي تدخل في صلب الأمور الطبية والعلاجية، لا ينبغي أن تؤخذ حجة الطب والعلاج ، بل مرجع ذلك إلى أهل الطب ، فهم أهل الاختصاص في ذلك، وقد تقدم إثبات ذلك في الفصل الأول من هذا البحث، ونقلنا هناك قوله r لأهل النخيل والزراعة ” أنتم أعلم بأمور دنياكم ” وشؤون الطب الصرفة هي من هذا الباب ، أهل الطب هم أهل الحذق والمعرفة بها، وإلى المرجع في هذا الباب. وقد يتبين في شيء من هذه الأحاديث الخطأ من الناحية الطبية الصرفة، وكما قال الماضي عياض: ليست في ذلك محطة ولا نقيصة، لأنها أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همة وشغل ننساه بها، ولذا يجوز على النبي r فيها ما ذكرنا- يعني الخطأ والصواب.

ثم إنه وإن قلنا في هذه الأحاديث التي من النوع الثاني من الفصل الثاني وفي أمثالها إنها ليست بحجة في باب الطب ، لأنها في نظرنا لا تدخل في الفئات الست المذكورة في النوع الأول، فذلك على الأصل في الأحاديث الواردة في الشؤون الطبية لكن قد يبدو لبعض أهل العلم في شيء منها ملحظ صحيح يكون قرينة على أنها تشريع، فتخرج بذلك عن أن تكون من هذا النوع الثاني، وتدخل في النوع الأول، وتعتبر حجة في باب الطب، كما ظهر لنا في الفئات الست. والله أعلم .

إثبات فاعلية هذه الأدوية والمعالجات:

إنه وإن قلنا في أحاديث هذا النوع الثاني وأمثالها إنها ليست حجة في الأمور الطبية، فإنه لا ينبغي مع ذلك إطراحها بالكلية ، بل ينبغي أن تثير احتمالا بالصحة، كسائر الأقوال الطبية المأثورة عن أهل التجارب والمعرفة من غير أهل الاختصاص، بل هي أولى منها ، للشبهة في أنها قد تكون مبنية على الوحي، ولو كانت شبهة ضعيفة، ولا يخفى ماذا حدث الطاعون المتقدم ذكره من الحكمة البالغة التي يؤيدها الطب الحديث كل التأييد، عام ما هو معلوم.

ولذا أرى أن تخضع للتحليل وللتجارب على الأسس المتعارفة عند أهل الاختصاص. فإن و جدت صالحة أدخلت حيز العمل ، و يكون التحليل والتجريب هو الحجة في صلاحيتها، دون كونها مما ورد عن النبي r، وخاصة وأن الكثير منها لا يثبت من حيث الرواية بطريق القطع أو شبهه على الوجه الذي تقدم بيانه في آخر الكلام على أحاديث النوع الأول، فالحاجة إلى إثبات صلاحيتها أو عددها قائمة أيضا لهذا المعنى .

وإن لم تثبت صلاحيتها أو ثبت ضررها فلا مانع من بيان ذلك للجمهور لئلا يستمر العمل بها.

تناول الأدوية المأثورة على أساس الاعتقاد الإيماني :

إن ابن: خلدون رحمه الله بعد كلامه الذي نتلقاه سابقا (ص) من أن الطب المنقول في الشرعيات عن النبي r لا ينبغي أن يحمل على أنه مشروع، وأنه ليس هناك ما يدل على ذلك ، تابع كلامه قائلا ” إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني ، فيكون له أثر عظيم في النفع ، وليس ذلك في الطب المزاجي ، وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية ” .

وقال ابن ، حجر ” استعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، وبدفع الله عنه الضرر بنيته، والعكس بالعكس ” ولعله يعني بالعكس أن من استعمل الأدوية المذكورة مع عدم تصديق بها ولا يحصل بفائدتها لا يحصل له انتفاع بها. وفي بعض كلام ابن حجر في فتح الباري تشبيه ذلك بالشفاء القرآني لما في الصدور، كما قال الله تعالى ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) أي. فكما أن مواعظ القرآن لا ينتفع بها إلا من كان مؤمنا بالقرآن وهدايته، فكذلك الأدوية النبوية للأجسام لا ينتفع بها إلا من كان مؤمنا بنفعها لصدورها عن النبي r.

والذي نقوله أنه لا شك أن من فضائل النبي r أنه يجوز التبرك بآثاره، والاستشفاء بها، فقد نقل أنه r دعا بقدح فيه ماء ، فغسل يديه ووجهه ومج فيه، ثم قال لأبي موسى وبلال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. وتوضأ وصب على جابر.

وأمر بشعراء أن يقسم بين المسلمين.

وبعض ثيابه كانت تغسل بعده ويعطى ماؤها للمرضى يستشفون بها. ثبت ذلك في صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر.

وحنك بعض صبيان الأنصار بالتمر.

وكل هذا من خصائصه r. فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يتبركوا بأفاضلهم. وليس في الأمة بعد نبيها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، فلم ينقل عن أحد من الصحابة، ولو حادثة واحدة، أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة أو غيرهم فهذا إجماع منهم على الترك .

إذا علم هذا ، فهل يكون ما ورد من النبي r من المعالجات الطبية هو من جنس آثاره وملابسه ونحو ذلك ، حتى يستشفى بها ويتبر بها ؟

يبدو أن في هذا نظرا ، فإنه لما ثبت أن النبي r نبه على أن كما يصدر عنه في مثل ذلك هو مجرد رأي يراه ، وأنه بشر يخطيء ويصيب ، وأن الناس يأخذون من كلامه في الشؤون الدنيوية بما حدث به عن الله تعالى ، وأما ما حدث به من قبل نفسه فهم أعلم بدنياهم ، فكيف يتساوى ما نبه على عدم نفعه من الشؤون التي قالها من عند نفسه ، ما أذن فيه من التبرك بآثاره r.

ثم إن الصحابة الذين تركوا تأبير النخل إنما تركوه تصديقا لرسول الله : r وإيمانا به ، وعملا بقوله ، ومع ذلك خرج ثمره ذلك العام شيصا ، أي تالفا غير صالح، ولم يأت إيمانهم وتصديقهم كافيا ليصلح به الثمر، لأنه ليس في الحقيقة سببا لذلك . ولذلك فإن النبي r صحح لهم اعتقادهم ، وأعلمهم أنهم ما كان لهم أن يأخذوا بقوله في ذلك، فإن ذلك من شؤون الدنيا وهم بها أعلم. فكذلك هذه الأمور الطبية الصرفة ، هي من صميم الأمور الدنيوية ، لا يكفي فيه مجرد الإيمان- التصديق مع كونها ليست أسبابا في حقيقة الأمر .

وأما القياس على الشفاء القرآني بالمواعظ فهو قياس فاسد ، فإن مواعظ القرآن من لم يصدق بها لا يستمع إليها ، وإن استمع إليها فإنه لا يقبلها ولا يعمل بها، فكيف تنفعه؟ كالدواء المادي إذا لم يتناوله المريض لا ينفعه. أما إن تناوله فإن تأثيره في الأجسام لا يختلف بالتصديق وعدمه.

هذا ما ظهر لي من نتائج هذا البحث ، وآمل أن تكشف مناقشات هذا المؤتمر عن وجه الصواب في هذأ الأمر، ليكون المسلمون- وخاصة العاملين في ميادين الطب- على بصيرة فيه من أمر دينهم ودنياهم .

والله أعلم. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *