قواعد وآداب مزاولة مهنة الطب – وردت في التراث الطبي الإسلامي

قواعد وآداب مزاولة مهنة الطب – وردت في التراث الطبي الإسلامي

نصوص في أدب الطبابة. 
ليس من العجيب أن نجد في تراثنا الإسلامي نصوصا مأثورة في ميدان ” أدب الطبابة” سواء ممن كانوا أطباء أومن غيرهم ممعن لهم اهتمام بالمجتمع وما يتصل به.

وأّئه لمن الطريف أن نجد نموذجا من ذلك يقدمه إلينا فقيه أندلسي اهتم به من بين اهتماماته في معالجة الكثير مساوئ مجتمع عصره، وكانت هذه الاهتمامات متجهة ومندفعة نحو مقاومة البدع والمنكرات وتقويم الانحرافات في كل ميدان وتوجيه النفوس والضمائر نحو خلوص النية لله تعالى، ولعله وجد بعض الانحراف في سلوك بعض أطباء مجتمعه فاقتحم عليهم أبواب مهنتهم وواجههم مذكرا بواجباتهم المهنية وما يصلح بحق أن نسمي ذلك ” أدب الطبابة “. وفقيهنا هذا هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج العبدري الماضي أن سماء القرن الثامن الهجري المتوفى سنة 737 هـ 1336م بالقاهرة (1) 0 أما كتابه الذي جمع فيه نصائحه ودعوته فهو كتاب ” المدخل ” وهو يعتبر بحق، وثيقة لها أهميتها في تشخيص حالة فى المجتمع الإسلامي في عصره وما فيه من انحرافات في السلوك والأخلاق وما استهدف الناس من بدع ومنكرات وخرافات مبينا لهم فيه طريق الاستقامة وحسن السلوك وهو بازاء ذلك يهدف إلى أن تخص أعمال الخير والبر والاستقامة تدور على محور الإخلاص أي خلوص النية لله تعالى التي هي أساس كل الأعمال في الشريعة الاسلامية ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” (2)

وبالطبع فإننا سنجد هذه الآداب في كتابه منظورا إليها من زاوية نظرة إسلامية خالصة وهي رغم أنها لم تكن شاملة لكل ما يجب أن يكون في آداب الطبابة لأن شيخنا هذا كما أسلفنا إنما يتعرض للجوانب التي يرى أن الانحراف قد تطرق إليها أما الجوانب السليمة فلا داعي لذكرها حسب منهجه.
وعلى كل فان ما تعرض له يشتمل على تفاصيل غاية في الدقة والوجاهة على هذه الصورة الآتية: 
نص المدخل 
” أن يكون الطيب خالص النية في عمله لله تعالى، حتى يكون عمله من أعظم العبادات لا يريد عليه عوضا من الدنيا، وان قصده امتثال السنة المطهرة قي التطيب وكشف الكرب عن إخوانه المسلمين ومشاركتهم في مصائبهم والنوازل التي تنزل بهم كما ينوي الشفقة عليهم “. 
وهذا هو العنصر المعنوي الفعال الذي هو المحور الذي ركز عليه ابن الحاج كل توجيهاته ونصائحه في كتابه ثم يمضي في سرد نصائحه عن هذا النسق.

” أما عند مباشرته لمريضه فيتعين عليه أن يؤنسه ببشاشة وطلاقة وجه ويهون عليه ما هو فيه من المرض اقتداء بالسنة المطهرة وينبغي للطيب أن يكون أمينا على أسرار المرضى فلا يطلع إلا إذا علم أن المريض لم يأذن له في ذلك إلا بقصد استجلاب خواطرالاخوان أومن يتبرك بدعائه، وينبغي ألا يقعد مع الطبيب غيره لمن هو مباشر للمريض وعالم بحال مرضه بشرط أن لا يستحى المريض أن يذكر مرضه بحضرته.

ومن أكد ما عام الطيب حين جلوسه عند المريض أن يتأنى عليه بعد سؤاله حتى يحبره المريض بحاله- ويعيد عليه السؤال لان المريض ربما تعذر عليه الإخبار بحاله لجهله به أو تأثره بقوة ألمه “. 
وهنا ينتقد المؤلف بعض أطباء زمنه في عدم آخذهم بهذا السلوك فيقول. 
“فهم لا يمهلون المريض حتى يفرغ من ذكر حاله بل عندما يشرع في ذلك فان الطيب يجيب أو يكتب والحال أن المريض لم يفرغ من ذكر حاله- ويزعم بعضهم أن ذلك من قوة المعرفة والحذق وكثرة الدراية بالصناعة فالعجلة لغير الطبيب قبيحة لمخالفتها لآداب السنة المطهرة فكيف بها في حالات الطيب، فيتعين على الطبيب أن يسمع كلام المريض إلى آخره فلعل آخره ينقض أوله أو بعضه ولربما يغلط المريض في ذكر حاله أو يعجز عن التعبيرعنه، فإذا تأنى الطيب وأعاد عليه السؤال برفق أمن من الغلط فإن الغلط في هذا خطر لأن أصل الطب والمقصود منه هو معرفة المرض فإذا عرف سلمت مداواته غالبا.

ويتعين على الطبيب إن كان لا يعرف المرض أو كان عارف بدوائه أن لا يكتب شيئا من الأدوية لما في ذلك من إضاعة للمال. 

وينبغي للطيب أن لا يقتصر على سؤال المريض وحده بل يسأل من يخدم المريض إذ ربما يعرف عن المريض أكثر مما يعرفه هو.

وينبغي للطيب أن يعرف حال المريض في حال صحته في مزاجه ومرباه وأقليمه وما أعتاده من الأطعمة والأدوية سواء بالسؤال من المريض أو ممن يلوذ به وإذا تعذر عليه ذلك فليسأل عن والدي المريض ويطبه بمقتضى حالهما (3) وأكد ما على الطبيب النظر في القارورة، لأنها تبين من كل ما مر ذكره، فالماء إذا دخل جوف المريض تغير إلى حالة المرض الذي يشكو منه، فيعرف الطبيب إذ ذاك العلة أو يقرب فيها من اليقين.

وينبغي للطبيب أن يشهي المريض في الأغذية ثم ينتظر بعد ذلك، فان رأى في ذلك منفعة أو عدم ضرر حالا أو مآلا وسع له فيه، وان أنعدم النفع والضرر فالأولى المسامحة في ذلك لحصول الراحة للمريض بذلك.

وان رأى فيه الضرر تلطف في منعه واعدا إياه به تطبيبا لنفسه ولئلا ينزعج فيزيد مرضه. فالتلطف بالمريض والإشفاق عليه هو الأصل الذي يرجع إليه لقوله ” الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق “.

وينبغي للطبيب أن ينظر في حال المريض فان كان مليا أعطاه من الأدوية ما يليق بحاله، وان كان فقيرا أعطاه ما تصل إليه قدرته من غير كلفة ولا مشقة.

وان أعطاه أحد منهم شيئا أخذه ويكون بنية الاستعانة على ما هو بصدده، ويكون على حد سواء من أعطاه ومن لم يعطه، والذي لا يعطيه أعظم منزلة عنده لانه كان لله تعالى وانتفت عنه حظوظ النفس.

وينبغي للطبيب أن يكون الناس عنده على أصناف فصنف يأخذ منه، وصنف لا يأخذ منه، وصنف إذا وصف لم شيئا من الأدوية أعطى لهم ما ينفقونه فيه.

فالصنف الأول من له سعة ي دنياه. 
والصنف الثاني العلماء والصلحاء المستورون في حال دنياهم فلا يأخذ منهم شيئا إلا إن يكون محتاجا. 
والصنف الثالث الفقراء الذين لا يقدرون على كفايتهم في حال الصحة فهؤلاء يعطهم ثمن ما يصفه لهم إن كان في سعة.

ثم ذكر المؤلف أنه رأى هذه الخصائص الحميدة أو بعضها في بعض أطباء زمنه.

هذا ولسنا نقول بأن هذا النص يشكل كل آداب الطبابة أوان كل ما فيه مغن عن جوانب- أخرى مما تستلزمه آدابها إنما هذا لون من ألوانها مما كان يراه إسرافنا وقد لمسنا فيه حيوية نابضة وحركية نشطة تكاد تربط حاضرنا بماضينا وتلامس أوضاعنا وكأنها وضعت ليومنا وكان لا يتحدث عنه قد شاهده قي حياتنا المعاصرة.

وتمتاز هذه الفقرات بكونها تهتم بالتأثير المعنوي الذي له صلة مباشرة في معنويات المريض، وهذا حسب العنصر الفعال في الموضوع، لان العناية بهذه المعنويات والإهمال بتقويتها حتى تكون مصدر ايحاء له بالعافية والشفاء فهي من أهم ما ترمي إليه آداب الطبابة. كما إنها تعنى بمعنويات الطيب نفسه حينما يكون في مواجهة المريض والمرض بإخلاصه في العمل مريدا بذلك كشف الكرب عن إخوانه ولإشفاق عليهم ومشاركتهم في مصائبهم بمحاولة دفعها عنهم بدون أن يكون له من وراء ذلك غايات مادية وإن وجود هذه المعنويات النزيهة لدى الطيب مما يرفع من شأن هذه المهنة ويوفر على المريض أنجح علاج. أما جانب الفقراء في هذه الفقرات فقد كان بحق جانبا مرموقا محظوظا كل الحظوة فالطيب لا يقتصر على العمل مجانا بل هو مطالب أيضا بتسديد ما يلزم صرفه للدواء الموصوف إن أحوج لهذا.

ولم يقتصر هذا النص على إسداء وصاياه للطبيب بل نراه واجه المريضة وأهله بكثير من النصائح التي تساعد الطبيب على عمله وفي النهاية على التغلب على المرض وآلامه.

فآداب الطبابة حينئذ لم تشغل الأطباء وحدهم بل شغلت الفقهاء ودعاة الإصلاح.

الحسبة على الأطباء والطبابة:

لقد أبدع النظام الإداري الإسلامي مؤسسة الحسبة في عيد مبكر جدا منذ برزت ملامح المجتمع الإسلامي وبدأت في التشكيل والتبلور، وهكذا حتى أصبحت وظيفة المحتسب تستوعب تحت سلطها كل فئات المجتمع في أخلاقها العامة وسلوكها الاجتماعي وما يجب أن تكون عليه كان فئة من السلوك القويم والاستقامة فيه يجري من معاملات بين الناس والقضاء عام الغش والتغرير والشعوذة والدجل والكشف عن الوسائل المزيفة والتلفيقات الخادعة.

وقد كانت المراقبة على مهنة الطبابة في سلما هذه الاختصاصات فكانت ممارستها خاضعة لشروط وقيود دقيقة تحدد ما للأطباء ما لهـم وما عليهم، وكان المحتسب يقوم بهذه المراقبة حفاظا على سلامة المجتمع ودفعا ليصل ما يكون سببا في ايذائة وبث الفوضى والفساد فيه.

وقد تعرضت كتب الحسبة بإسهاب إلى كل هذه المراقبة الدقيقة ووسائلها وطرقها إلى أن تتوغل في أعماق علم الطب وتفاصيله ومحال مراقبتها إجرائيا ومهنيا وأخلاقيا ولعلها قد ضبطت في هذه العناصر التالي :-

أولا :- التعرف بالطبيب وتحديد مسماه علميا . 
ثانيا: ـ أن يترأس الأطباء حكيم مشهور بحكمته كثير الحرمة بالغ التجربة بعد أدائه يمينا قاطعة لا كفارة فيها . 
ثالثا : تحديد طريقة امتحان معلومات كل صنف من أصناف الأطباء والمواد الفعليه التى يجب أن تتوفر في كل حتى يجاز ويؤذن له بالطبابة. 
رابعا: ما يجب أن يفعله الطبيب عند مباشرته لمريضه. 
خامسا: اللجوء إلى تحكيم رئيس الأطباء في طريقة المعالجة عند حدوث ما يدعو لذلك. 
سادسا : تضمين الطبيب ومساءلته قضائيا . 
سابعا : على المحتسب أن يأخذ عهد ابقراط على الطبيب المجاز.

ومن يطلع على التفاصيل العلمية التى تتعرض لها كتب الحسبة على مهنة الطبابة يدرك مدى الرعاية المثلى والرقابة المشددة التى يفرضها نظام الحكم في الإسلام لصيانة آداب الطبابة ووقايتها من أخطار الجهل والمشعوذين.

فهذا الاهتمام الشديد بالطبابة إنما كان من أجل مكانتها الاجتماعية وبقدر هذا الاهتمام برسالتها الإنسانية كانت عليها هذه الرقابة الدقيقة الصارمة .

فإذا كانت آداب الطبابة في غالب أحوالها ذات محور معنوي أحد قطبيه يتجه نحو نفسية المريض ومعنوياته وقطبه الآخر نحو نفس الطبيب واحساساته أو نحو معنويات المهنة وكرامتها .

ولن تحقق لهذه المهنة كامل كرامتها إلا متى توفرت فيها القيود والشرائط التي تفرضها النظم التشريعية والقانونية لتنظيمها وحمياتها وشد أزرها .

ويحق لنا بعد كل هذا أن نفخر بهذا النظام الفائق في كل دقائقه وأحواله لأنه يمثل مدى الرقى والتسامى الذي بلغه المجتمع الإسلامي في حماية خلاياه.

تعاليم الإسلامي في وضوحها لا تتعارض مع تلك التنظيمات الجزئية التى تقتضيها مهنة الطب في هذا العصر ما دامت تلك الأصول الأخلاقية العامة سليمة الجوهر قائمة الكيان.

بعض المبادئ في آداب الطبابة.

– على الطبيب أن يكون متصفا بالدين والثقة والأمانة. 
– أن يكون عارفا بالحلال والحرام في مهنته. 
– أن لا يصف دواء محرما إلا لضرورة 
– أن يستشعر بمسؤوليته أمام الله لأنه يتصرف في المهج والأرواح. 
– أن يكون مخلصا في عمله لله بنية كشف الكرب عن الناس والشفقة عليهم ومشاركتهم في مصائبهم والنوازل التى تنزل بهم. 
– ليكن ما يأخذ من أجر هو للاستعانة على عمله والعبرة فيه أن يباشر عمله ع من يعطي ومن لا يعطي على حد سواء بنية أنه يقوم بعمله احتسابا . 
عليه أن يباشر مريضه مؤنسا إياه ببشاشة الوجه وطلاقته وأن يهون عليه ما هو فيه من المرض. 
أن يهتم بعناية مريضه كعنايته بما يشكو منه. 
الطبيب حريص على المحافظة على أسرار مرضاه وحريص على الاختلاء بمريضه حتى لا يطلع أحد على حاله. 
أن يكون متأنيا في السؤال عن المرض بهدوء حتى يتفهم المريض السؤال ويتعرف منه أحوال مرضه وما يؤلمه وما يشكو منه . 
على الطبيب أن لا يقتصر على سماع المريض وحده بل كذا يعالجه أن كان فإنه قد يكون أدرى بحاله. 
وعليه إن كان لا يعرف المرض أو لا يعرف دواءه أ، لا يصف له دواء يضره أي لا يباشر تجربة على مريض غير مأمونه العاقبة فإن النفس إن تلفت لا تعوض..

محمد الطيب بسيس – تونس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *