قواعد وآداب في مزاولة الطب في التراث الإسلامي

قواعد وآداب في مزاولة الطب في التراث الإسلامي

قصدت في هذا البحث أن أجمع فيه ما ورد في تعاليم الإسلام وآدابه، وأقوال علمائه، إضافة إلى ما ورد عن الأطباء في عهود الحضارة الاسلامية العربية مما يتعلق بقواعد مزاولة الطب وآدابها، ليكون ذلك مساعدا في وضع مشروع لقواعد وآداب تتمشى مع تعاليم الإسلام. 
ولا غرو أن نرى في الأحاديث النبوية شيئا يتعلق بمزاولة الطب لان تنظيم هذه المزاولة من مهام الدولة، والرسول العربي عيه الصلاة والسلام هو أول مؤسس لدولة إسلامية عربية. 
تتألف هذه القواعد والآداب من الخبرة بالطب، والترخيص بمزاولته والالتزام بالآداب المسلكية وبالأحكام الاسلامية المتعلقة بها. 
. وفي مخالفة الكثير منها مسؤولية طبية. أنهى البحث بالتكلم عنها. 
ا- الخبرة بالطب:

تتألف، هذه الخبرة من الكفاءة العلمية والمران، وهما شرطان في مزاولة الطب لأنهما الأساس في التشخيص الصائب واختيار الدواء الملائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم، يا عباد الله تداووا فان الله عز وجل لم ينزل داء إلا انزل له شفاء علمه من علمه وجهله هـن جهله ” (1) وفي هذا الحديث تشجيع للبحث العلمي واكتشاف الأدوية الفعالة النوعية، وتنبيه للطبيب إلى زيادة معارفه الطبية والاطلاع على المكتشفات الحديثة فيما يتعلق بالتشخيص والمعالجة، لان الإصابة فيهما تؤدي إلى الشفاء بإذن الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام: “إن لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله) (2) 
ولقد نبه ” الرسول صلى الله عليه وسلم في التداوي بالرجوع إلى أهل الخبرة بالطب، وحذر المدعين بأنهم ضامنون لما ينجم من أضرار نتيجة جهلهم أو تعديهم في الصنعة فقال: “من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن ” (3)

الترخيص بمزاولة الطب:
لم تكن مزاولة الطب خاضعة للترخيص من قبل الدولة وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمر الأمر كذلك في عهود فجر الإسلام واكتفى بتضمين الجاهل والمتعدي في المزاولة. 
ولقد “ترك الإسلام لأولى الأمر حق التنظيم وأوجب طعم الطاعة في غير معصية ولذا أقدم الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 319 هـ على منع سائر المتطببين من التصرف إلا من أمتحنه الطبيب سنان بن ثابت بن قره فسبق الخليفة بذلك سائر الدول. 
ولقد كان أيضا أمين الدولة هبة الله بن التلميذ عميدا لأطباء بغداد يتولى امتحان الأطباء في العراق (5).

خ- الآداب الطبية : 
لقد حافظ أطباء الحضارة الاسلامية العربية على تعاليم ابقراط في ميثاقه وبدء كتابه الطب، وادخلوا عليها بعفو التحسينات. فابن رضوان عميد أطباء القاهرة علق على تعاليم ابقراط وقال: الطيب على رأي ابقراط هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال: 
الأولى: إن بكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الرؤية، عاقلا، ذكورا، خير الطبع. 
الثانية: أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب. 
الثالثة: أن يكون كتوما لأسرار المرضى، ولا يبوح بشيء من أمراضهم. 
الرابعة: أن بكون رغبته في آراء المرضى أكثرمن رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء اكثر من رغبته في علاج الأغنياء. 
الخامسة: أن يكون حريصا على التعليم والمبالغة في منافع الناس. 
السادسة: أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الاعلاء فضلا عن أن يتعرض إلى شيء منها 
السابعة: أن يكون مأمونا ثقة على الأرواح والأموال، ولا يصنع دواء قتالا ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة، يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه (6). 
إن المتأمل لتلك الخصال يرى إنها- فيما عدا كونه تام الخلق صحيح الأعضاء خصال إنسانية وردت في تعاليم الإسلام أيضا، منها على سبيل الاستحباب ومنها على سبيل الفرض ليتصف بها كل مؤمن. ولا يتسع المجال لذكر النصوص الاسلامية في ذلك. 
أما نصهم على الصفات الجسمية وحسن الملبس فلأن استكمالها في الطبيب أدعى لثقة المريض به. ولذا تجري وزارة الصحة في العصر الحديث- من قبل ممثلها مقابلة مع الطبيب للحكم بلياقته البدنية لمزاولة المهنة قبل إعطائه الترخيص. 
ومن الآداب الاسلامية التي يحتاج إليها الطيب أيا كانت ديانته إضافة للخصال السابقة أذكر 
ما يلي:- 
ا- القيام بالإسعاف نهارا وليلا على قد ر الإمكان تفريجا للكربة. 
2- التلطف بالمريض والحلم في استجوابه وتفهيمه مراعاة لحالته النفسية ووضعه الثقافي. 
3- اللباقة في تعريف المريض بمرضه، ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه الاقربين. 
4- الدعاء للمريض وهو نوع من مواساة المريض بالكلمة الطية. 
5- الحالة المريض إلى أخصائي أو عمل لجنة طبية استشارية ذا كان الأمر يستدعي ذلك قياما بالأمانة والنصيحة المطلوبين شرعا. 
6- إذا التقى عده أطباء عند مريض فليقدم أحدهم من هو أعلى مرتبة في الطب إن علم وإذا تقاربوا في المرتبة فليتقدم أكبرهم سنا. 
7- الابتعاد عن الغيبة، وخاصة غيبة الزملاء وتجريحهم، فالغيبة مذمومة إنسانيا ومحرمة في الإسلام.

د- احترام أحكام الشريعة الاسلامية في المزاولة: 
إن الآداب الإسلامية السابقة عامة تشمل كل الأطباء وان اختلفت عقائدهم. وهناك أحكام وآداب للشريعة الاسلامية على الطبيب المسلم آن يلم بها وأن يحترمها في مزاولته المهنة، وعلى الطيب أيا كان أن يراعيها لدى فحصه المسلمين والمسلمات. 
1- أن يبدأ المعاينة والوصفة وتطيق المعالجات والمداخلات الجراحية ووسائل التشخيص المخبري والشعاعي بقول ” بسم الله ” أو ” بسم الله الرحمن الرحيم ” وذك قبل كشف العورة إذا اضطر للكشف. 
2- أن لا يكشف من العورة إلا بقدر ما تستدعيه المعاينة لان الضرورات تقدر بقدرها. 
3- أن لا يصف دواء من المحرمات لغير ضرورة. والمحرمات في الإسلام ذات أضرار على صحة الإنسان البدنية أو النفسية أو الاعتقادية. ومن المعلوم أن الطبيب يفضل اللجوء إلى الدواء الخالي من التأثيرات الجانبية إلا عند الضرورة حيث يفقد الدواء الأمثل ويكون ضرر المرض أشد من ضرر الدواء ذي التأثيرات الجانبية فيعطي هذا مع المراقبة والحذر 
4- أن لا ينهي حياة مريض ميئوس من شفائه متعذب من آلامه بأي واسطة، بل يساعده في تخفيف آلامه وتهدئة نفسه حتى يأتي أجله المحتوم (8). 
5- أن لا يقوم بتعقيم نهائي لغير ضرورة صحية ميئوس من زوالها. 
6- أن يستند إلى معارفه الطبية والى وضع المريض الصحي العام والى فن المداواة والى تقوي الله في فتواه للمريض بالفطر في شهر رمضان. فهناك أمراض تستفيد من الصيام، وهناك أمراض لا تتأثر منه، وهناك أمراض تستدعي الإفطار (9). 
7- أن تراعى تعاليم الإسلام في فحص الجنس للجنس الآخر كما هو موضح فيما يلي من بيان:

هـ-: تطبيب الجنس للجنس الأخر: 
أفردته بالذكر مع انه تابع للبند السابق لاتساع المقال حوله من تراثنا الإسلامي والأصل في تعاليم الإسلام عدم جواز معاينة ومداواة الرجل المرأة غير المحرم أو العكس لوجود النظر والجس فيهما. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة كعدم توفر طبيبة تثق المريضة أو ذووها بمهارتها أو طبيبة كاختصاصي الطبيب المعالج لها إذا كان مرضها يتطلب اختصاصا، أوان معارك الجهاد تحتاج إلى توفير الرجال للقتال والى فتح المجال أمام النساء لتمريض الرجال أو معاينتهم ومداواتهم، والقاعدة الفقهية تقوله: الضرورات تبيح المحظورات.

وتقد ر الضرورة بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس وغير ذلك والطبيب المسلم الملتزم يقد ر ذلك مع البعد عن الوقوع في العسر أو الحرج. 

وفي نصوص الأحاديث النبوية الثابتة ما يفيد جواز تطيب المرأة وتمريضها الرجل الأجنبي وفي حالات الضرورة (10).

ولتوفير الرجال للقتال تطوعت الصحابيات في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم لخدمة المجاهدين وتمريضهم ومعالجة جرحاهم (19)، وكيف لا يتطوعن وهن يرين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرع بين نسائه فآيتهن تخرج سهمها خرج بها في غزوته (62).

ومن الواجب وجوب ثالث عند فحص الطبيب للنساء (وبالعكس) تجنبا للخلوة بهن (13) ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخير المتطوعة للتمريض في الغزوة بين أن تكون في رفقة نساء قومها أو عشيرتها وبين أن تكون في رفقة أم المؤمنين التي وقعت القرعة على خروجها معه عليه الصلاة والسلام (14/.

على أنه في الحالات الاسعافية يجوز للجنس معالجة الجنس الآخر بغض النظر عن وجود ثالث فان الضرورات تبيح المحظورات.

ولقد اشتهرت في العهد النبوي رفيدة الأنصارية أو الاسلمية بمداواة الجرحى وكانت تحتسب بنفسها على خد مة من كانت به ضيعة من المسلمين، ولقد جعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة كمستشفى عسكري في مسجده الشرين لمعالجة الجرحى في معركة الخندق (15).

ولقد امتازت بعض النساء في تاريخنا بالطب: ففي أيام الأمويين اشتهرت زينب طبيبة بني أود بمعرفتها في طب العيون وفي الأندلس كانت أخت الحفيد أبي بكر بن زهر وابنتها عالمتين بصناعة الطب والمداواة ولهما خبرة جيدة بما يتعلق بمداواة النساء.

و- أجرة الطبيب. 
ا- انو كسب الطبيب من مزاولة الطب من المكاسب الحلال في شرعة الإسلام أيضا ولو كانت المعالجة حجامة (18) أو نفسية روحية (61) ما لم يلابس الأمر دجل أوتعد في الصنعة. 
وأرى إن التعريفة المنصفة ذات الحدين هي من حق ولاة الأمر عندما توضع لدفع الجشع ولتأمين المعاينة لسواد الشعب خاصة عندما يشيع الضعف في الالتزام بتعاليم الإسلام. 
2- أما اشتراط الأجر على البرء ويسميه الفقراء بالجعل فقد اختلفوا في منعه وجوازه (20).

ز- المسؤولية الطبية: 
ينشأ عن مخالفة الكثير من قواعد وآداب مزاولة الطب مسؤولية طبية تجاه كل مخالفة. وان المستند الأول للفقهاء هو الحديث الشريف: 
” من تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن “. 
ولقد لخص الحكم الفقهي الفقيه الطبيب الفيلسوف ابن رشد القرطبي الحفيد فقال: أما الطبيب وما أشبه إذا أخطأ في فعله وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس، والدية على العاقلة (يعني العصبة) فيما فوق الثلث وفي ما له فيما دون الثلث. 
وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية، قيل في ماله وقيل على العاقلة (21). 
. ولقد فصل ابن قيم الجوزية في الأحكام لأنها تختلف بين أن يكون الطبيب حاذقا لما أقدم على معالجته من أمراض أو غير حاذق، وتختلف بين حال عدم ارتكابه خطأ مهنيا وبين حال ارتكابه، وتختلف بين وجود إذن من المريض أو وليه أو عدم وجود إذن (22). 
واقترح أن يتحمل صندوق نقابة الأطباء أو صندوق التعاون ضمان ما ينتج عن خطا غير مقصود وغير ناتج عن تقصير، أما بدون اشتراط إعسار الطيب أو باشتراطه. 
أما المخالفات الأخرى لقواعد وآداب مزاولة الطب فمتروك تحديد جزائها وعقوباتها إلي أولى الأمر. 
هذا ويحتاج موضوع المسؤولية الطبية وسر المهنة إلى الدراسة الوافية والتفصيل من قبل هيئة مؤلفة من خيرة فقهاء المذاهب في الدول الاسلامية، ومن أطباء نقابيين وآخرين ممثلين لوزارات الصحة. 
وختاما أتتقدم بالشكر الجزيل لوزارة الصحة في دولة الكويت، وللذين عملوا في التحضير لاقامة هذا المؤتمر وإنجاحه، ولمن رعوه فأتاحوا للباحثين تقديم ثمرات جهودهم. 
وآمل أن يكون بحثي هذا مساعدا في وضع مشروع لقواعد وآداب تتمشى مع تعاليم الإسلام، كما آمل أن تسعى الدول الاسلامية والعربية إلى توحيد قانون مزاولة المهن الطبية

الدكتور/ محمد ناظم النسيمي – حلب- الجمهورية العربية السورية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *