دور الدين والأخلاقيات في الوقاية من الإيدز ومكافحته

دور الدين والأخلاقيات في الوقاية من الإيدز ومكافحته

لقد خلق، لله الإنسان في أحسن تقويم. ورسم له في إطار الشرائع السماوية أصولاً وقواعد تضمن له الحياة السوية، وتكفل له ولأسرته ومجتمعه السلامة ” كل سوء.، ومن ذلك أنه لفت نظره إلى قيمة الصحة، كما جاء فى الحديث النبو ي الشريف: ” من أصبح منكم معافى في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيز!ت، له الدنيا “؛ وكما جاء في الإنجيل ” مجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التى هى لله “. ثم حضه على المحافظة على الصحة، وحذره من أن يلقى بأيديه إلى التهلكة، وأمره بأن ينأى بنفسه عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وبقدر ما عنيت الشرائع الدينية بصحة الفرد، اهتصت أيضاً بصحة المجتمع. فقد جاء في الحديث الشريف ” لا ضرر ولاضرار “. و. تلك قاعدة ترسم للفرد حدود تصرفاته، وتحظر عليه أن يوقع الأذى بالآخرين. وإنك لتجد في الأديان السماوية جميعا نصوصاً ” عديدة لترسيخ مفاهيم الصحة والوقاية وأنماط الحياة القويمة، فضلاً عن ضوابط التمتع بالحرية وبحقوق الانسان.

ولقد أدت التطورات المتلاحقة التى طرأت على الحياة في هذا الكوكب إلى عواقب عقيمة ومتسارعة. وليس يخفى على أحد ما حدث من تغيرات في سلوكيات ا لناس وأنماط حياتهم من جراء التزايد السكانى والهجرة الجماعية وتطور وسائل السفر والأتصال، والانجازات التكنولوجية، وغير ذلك من مظاهر ا لتطورات الاجتماعية والاقتصادية.

فبرغم الجوانب الايجابية التى لاشك، فيها لكل هذه الظواهر، إلا أن آثارها السلبية على توازن الفرد وكيان الأسرة وتماسك المجتمع قد أصبحت ظاهرة للعيان. وكان مما واكب ذلك زعزعة الوازع الديني، والسلوك الأخلاقي بدرجات متفاوتة في الأفراد والمجتمعات، مما أدى إلى انتشار سلوكيات دخيلة فتحت الأبواب على اتساعها لما يمكن أن نسميه بالأمراض السلوكية، وفي طليعتها متلازمة العوز المناعي المكتسب (الإيدز) وسائر الأمراض التي، تنتقل عن طريق المقارفات الجنسية.

لقد أصبحت عدوى الأمراض المنقولة جنسياً منتشرة في العالم على نطاق واسع،إذ تحدث في كل عام أكثر من 250 مليون حالة جديدة. أما عدوى الإيدز فقد أصابت خلال السنوات العشر الماضية عدداً يتراوح بين ثمانية وعشرة ملايين من الناس. وينتظر أن يرتفع هذا العدد بحلول سنة ألفين إلى حوالي أربعين مليوناً. ومع أن العلم قد توصل إلى توضيح التاريخ الطبيعي لهذا المرض، ومساره، وكيفية تدميره لكل دفاعات الجسم حتى يصل بالضحية في آخر المطاف إلى نهايتها المحتومة، إلا أن العلماء لم يتوصلوا حتى الآن إلى اكتشاف علاج. أو لقاح يقى الناس من مهالكة .

إن السلاح الوحيد- والأمر كذلك- هو اتقاء الشر قبل وقوعه… هو الابتعاد عن عوامل الخطر… هو تبنى السلوك الرشيد الذي يتسم بالتعقل والمسسؤولية. وبعبارة أخرى، هو ا لعودة إلى ذلك الإطار الأخلاقي القويم الذي رسمه لنا الدين. ومن حسن حظنا أن الدين لا تزال له مكانته وقداسيته في بلدان هذا الإقليم الذي كان مهداً للأديان السماوية. ولقد تأكد لنا في البرامج الصحية التى نتعاون في رسمها وتنفيذها مع الدول الأعضاء، أن خير ضمان لنجاح أي برنامج صحى، ولاقتناع الناس به وتدعيمهم له، هو أن يكون قائماً” على أساس من ثقافتهم وتقاليدهم وعقائدهم، وهذا هو عين ما تنطوي عليه فلسفة الرعاية الصحية ا لأ ولية .

إن للدعاة والرعاة وللمسجد والكنيسة على السواء دوراً متميزاً في “هذه المسيرة. فالدعوة الدينية قادرة على تحقيق المعجزات في مجال الحفاظ على الصحه والعافية إن هى أخذت في اعتبارها الدعوة الصحية. ومن أجل ذلك، دعونا نخبة من علماء الدين والقانون والطب للاستئناس بخبرتهم والانتفاع بآرائهم حول أفضل !! السبل للاستفادة من التعاليم الدينية في وقاية الأفراد والجماعات من مرض الأيدز وسائر الأمراض المنقولة جنسياً. وكانت حصيلة تلك المشاورة توصيات موضوعية ترد نصوصها في ختام هذه الوثيقة. وقد تفضل الأخ الكريم الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا بإعداد هذا الكتيب، ليلخص ما دار في المشاورة الاقليمية على مدى يومين كاملين من مداولات. وإني ليسرنى أن أقدم هذا النص إلى القراء الكرام راجياً أن يستمتعوا بقراءته ويستفيدوا منه، ويستعينوا به في إلقاء الأضواء على الجوانب الدينية والأخلاقية لهذه المشكلة العويصة المتفاقمة .

وعلى الله، قصد السبيل .

1- تمهيــــد

لعل البشرية لم تواجه في تاريخها كله وباء في خطورة الوباء المعروف باسم” متلازمة العوز المناعى المكتسب ” واختصاراً باسم ” الايدز ” أو ” السيدا “، وهى، يقيناً ، لم توجه اهتماماً ولم تبد خوفاً كالاهتمام الذى وجهته والخوف الذي أبدته تجاه هذا المرض .

إن الإبدز مرض يفضى إلى الموت، وليس لدى الأطباء ولا في المعامل أدوية مضادة له حتى الآن. والاصابة به ترتبط في غالب صورها بممارسة الجنس، في ظروف معينة أو بأساليب خاصة. وفضلاً عن ذلك كله فإن أحداً لا يعرف حتى اليوم كيف بدأت إصابة الإنسان به، ولا أحد يستطيع التكهن- فضلاً عن إدعاء المعرفة- بالذي سيحل بالبشرية نتيجة توالي العدوى به على مدى السنين القادمة.

وقد زاد من حدة الغموض الذي يحيط بهذا المرض، أنه تبين، بعد سنوات من التعرف عليه لأول مرة، أن الاصابة به كانت منتشرة على نطاق واسع في بلدان كثيرة قبل أن يتبين العلماء وجوده، وقبل أن توصف أولى حالاته عام 981 ام.

وتشير المصادر العلمية التى تعنى بمتابعة حالات الإصابة بالإيدز ، إلى أنه من المتوقع أن يبلغ عدد المصابين به عام ألفين الميلادي أربعين مليون مصاب. منهم ثلاثون مليوناً من البالغين، وعشرة ملايين من الأطفال .

وتقول المصادر نفسها إنه إذا واصلت جائحة الإيدز انتشارها، دون كبح جماحها با كتشاف دواء فعال ووضعه في متناول المصابين، فإنه من المقدر أن يتضاعف عدد الحالات بنسب تتعذر السيطرة عليها.

والوضع الحالي ليس أقل خطورة من توقعات المستقبل: فإن منظمة الصحة العالمية تعتقد أن عدداً يتراوح ما بين ثلاثمئة ألف شخص ونصف مليون شخص تظهر عليهم أعراض المرض سنوياً، أي ما بين ألف وألف وأربعمائة حالة يومياً (1).

ولأ شك أن هذا كله يسوغ الخوف الذي تبديه جميع الدوائر المعنية، بل الذي يبديه عامة الناس من هذا الوباء،كما أنه يسوغ ألاهتمام الذي تبديه مختلف ا الجهات المختصة، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، بالتوعية والتوجية ونشر المعرفة وتوسيع نطاق العلم بسبُل الوقاية من هذا المرض الخبيث.

وإذا كانت الجهود العلمية والطبية التى بذلت حتى اليوم لا تزال،عاجزة عن اكتشاف لقاح أو علاج يقى الناس من مخاطر الايدز ومهالكه، فإن السبيل الوحيد الذ ي يحول بيننا وبين الإصابة المدمرة هو الوقاية، واتقاء الشر قبل وقوعة بالابتعاد عن مصادر الخطر .

وليس يعين على ذلك شىء كما يعين عليه الوقوف عند أوامر الدين ونواهيه، والتزام السلوك القويم الذي أجمعت على الدعوة إليه، والحض عليه، والترغيب فيه، والترهيب من مخالفته الأديان السماوية كافة .

وقد جربت منظمة الصحة العالمية، والمكتب الإقليمي لشرق البحر المتوسط ،أن خاصة، فى البرامج الصحية التي تتفذ مع الدول الأعضاء، أن تأخذ بنظر الاعتبار التقاليد والثقافات المحلية التى هي مستمدة أصلاً من العقيدة الدينية، فكان لهذا أكبر الاثر في نجاح تلك البرامج الصحية وفي الاستجابة لها على افضل وجه .

وقد رأى المكتب الاقليمى لمنظمة الصحة العالمية لإقليم شرق البحر المتوسط، أن يدعو إلى مشاورة إقليمية عن دور الدين رالأخلاقيات في مجال الوقاية من الإيدز و الأمراض المنقولة جنسياً ومكافحتها، يدعى إليها نخبة من الخبراء فى مجال الطب ، والدين لمناقشة هذا الموضوع .

وقد عقدت تلك المشاورة بالفعل يومي 9 و 15 من أيلول/ سبتمبر 1991، في مقر المكتب الإقليمى بالإسكندرية، وشارك فيها المدير الإقليمى للمنظمة وعدد كبير من المديرين والمستشارين بالمكتب الاقليمي، وحضرها عشرة من كبار علماء الدين والقانون المسلمين والمسيحيين (الملحق 2) ، وقدم بعضهم أوراق عمل مكتوبة، دارت حولها- بعد عرضها وتوزيعها- مناقشات المشاورة، واستخلصت منها، ومن المناقشات التي دارت حولها، التوصيات التى تناولت أهمية الدين ودوره المؤثر في مجال الوقاية من الايدز والأمراض الأخرى المنقولة جنسياً، ودور المؤسسات الدينية، ووسائل الاعلام، وحقوق المرضى والمخالطين لهم، وتأثير الاجراءات الخاصة بالوقاية واكتشاف المرض على حقوق الإنسان، والزواج،المبكر، والتشريعات الخاصة بالتعامل مع المرضى والمصابين بالعدوى، وواجبات الطبيب (الملحق 1) .

ويحاول، هذا الكتيب أن يقدم إلى قرائه خلاصة وافية عما دار في هذه المشاورة.

وبقدر ما تعنى منظمة الصحة العالمية بأن تكون مادة هذا الكتاب نافعة للمتخصصين الذين يواجهون حالات الاصابة بالايدز والأمراض المنقولة جنسياً ، أو احتمالاتها، فإنها تتوجه بهذه المادة- في صورتها الحالية- ابتداً إلى المثقفين غير المتخصصين، وإلى المشتغلين بالاعلام والتعليم والتثقيف والإرشاد الاجتماعى في التجمعات التعليمية والصناعية والرياضية وغيرها .

2- الايدز وسائر الأمراض المنقولة جنسياً تمثل خطراً عاماً

كان بعض الناس يعتقد إلى وقت قريب أن المنطقة العربية الإسلامية،الواقعة ضمن إقليم شرق البحر المتوسط لمنظمة الصحة العالمية: بمنأى عن الانتشار الوبائى لمرض الايدز، وعن الآثار المدمرة للأمراض الأخرى المنقولة جنسياً، وخاصة مرثا تلك التى أصبحت ذات أبعاد وبائية على الصعيد العالمى.

وقد بينت الأبحاث والدراسات والأرقام الاحصائية المتاحة أن هذا الاعتقاد غير صحيح جملة وتفصيلاً. ففي الوقت الحاضر توجد- فيما بخص الإيدز- ” شواهد متميزة على انتقال العدوى محلياً في كل بلدان الاقليم تقريباً…… وبسرعة، وخاصة بين أفراد بعض الفئات مثل مدمنى المخدرات والبغايا واللوطيين، حيث ارتفع معدلها عدة أضعاف في السنوات الأخيرة ” (2) .

وفيما يخص الأمراض الأخرى المنقولة جنسياً، تؤكد الشواهد ” أن معدلات العدوى والمرض في ازدياد. ولعل من مسببات ذلك زيادة التحركات السكانية لأسباب طبيعية أو اصطناعية، وزيادة التحضر مع هجرة الناس من الريف إلى الحضر، وزيادة النشاط السياحي.. وهذه كلها ظواهر لها تأثيرها على الأخلاقيات و ا لسسلوكيات ” (3) .

” وتزداد أهمية اتقاء الأمراض المنقولة جنسياً بصفة عامة في مكافحة الايدز إذا علمنا أن وجود مرض منقول جنسياً يزيد من فرص الإصابة بعدوى الإيدز بنسبة تزيد على 300 % ” (4) .

ويزيد من خطر هذه الأمراض أن ” اكبر معدلات الإصابة بها تحدث في الفئة العمرية 20- 24 عاماً، وبعدها في الفئة العمرية 15- 19 عاماً، ثم في الفئة العمرية 25- 29 عاماً ” ( 5) .

ومع ذلك فإن من حسن حظ هذأ الاقليم، أن القيم الخلقية والقيم الدينية لا تزال ذات تأثير كبير غير منكور بين أبنائه .

ولذلك فإن القيمة العملية لهذا الكتيب تغدو بالغة الأهمية لما يقدمه من تأصيل ديني وخلقى، لتحبيذ أنماط السلوك الصحى الواقي من التعرض للإصاية بالايدز وسائر الأمراض المنقرلة جنسياً بعد أن أصبحت مما عمت به البلوى، ولم تعد منطقة من العالم- أياً كانت- محصنة ضد الإصابة، ثم انتشار العدوي،ثم تحول طبيعتها إلى جائحة مهلكة تدمر الإنسان: صانع كل حضارة، والمستفيد الأول من كل تقدم مادي ومعنوي.

وإذا كانت عدوى الإيدز تنتقل أساساً بالمقارفة الجنسية بين الذكور والإناث وبين الشواذ جنسياً، وفي أوساط مدمنى المخدرات ولا سيما أولئك الذين يتعاطونها عن طريق الحقن في الوريد، وعن طريق الحقن بإبز ومحاقن غير معقمة تعقيماً صحيحاً ، فإن تبيان التعاليم الدينية في شأن صور السلوك المذكورة، يكون أمراً أساسياً في بناء حواجز الوقاية من مسببات العدوى أو المرض .

3- الدين والمتعة الحسية

قد يكون مفيداً أن نقرر في هذا الموضع، أن للدين موقفاً معروفاً، وليس عليه خلاف ، من المتع الحسية. وهو ليس موقف الإباحة المطلقة، ولا هو موقف التحريم المطلق. وإنما يبيح الدين- كل دين ـ من هذه المتع صنوفاً معينة تسمى بلغة الدين: حلالاً ؛ ويمنع صنوفاً أخرى تسمى في لغته: حراماً .

وليس في أحكام الشرع الرباني المنزل على أي من أنبياء الله ورسله تحريم مطلق للمتع الحسية، ولا إباحة مطلقة لها. لأن التحريم المطلق ينافي الفطرة البشرية التى خلق الإنسان عليها، ففي هذه الفطرة غرائز وقوى تقتضى الإشباع بأنواع المتع الحسية المختلفة ؛ ولأن الإباحة المطلقة تحول الإنسان من كائن مكرم متميز،بعقله، إلى كائن أدنى من الحيوان الأعجم الذي يهتدي بفطرته إلى ما ينفعه فيفعله، وإلى ما يضره فيجتنبه.

وإذا كانت طرق نقل العدوى بالإيدز وبالأمراض المنقولة جنسياً تدور في معظمها حول محور المتع التى يحلها الإنسان لنفسه، وصور السلوك التى يباشر بها الحصول على هذه المتع، فإن البحث في أثر الاستمساك بالدين، وبقيم السلوك التى يفرضها، وبالقيم الخلقية التى يوصى بها، على الجهود والبرامج التى تنفذ لمواجهة وباء الإيدز وغيره من الأمراض المنقولة جنسياً- هذا البحث- يقتضى التعرف على المباحات والمحرمات من صور الاستمتاع الحسى، ليتأكد أن الأخذ بأهداب التعاليم الدينية كفيل بإغلاق معظم الأبواب المفتوحة التى يدخل منها، هذا الوباء المدمر لحياة الفرد وحياة الجماعة معاً(6).

وجما ع أحكام الأديان السماوية في هذا الأمر، أنها : تحل الزواج وترغب فيه وتحض عليه، وتحرم ما سواه من وسائل الاستمتاع الجنسى، وأنها تأمر بالمحافظة على القوة العقلية للإنسان، وتحرم كل مؤثر عليها من مخدر؛ أو مفت أياً كان نوعه وبصرف النظر عن طريقة تناوله؛ وأنها توجب العناية بالنظافة العامة والصحة العامة عناية تمنع الإنسان من الوقوع في مسببات الاصابة بالأمراض المهلكة، ومن أهمها في عصرنا هذا، الأمراض المنقولة

جنسياً وأخصها مرض الإيدز .

[new_page]

4- الترغيب في الزواج من مقاصده تحقيق العفة

يتفق الدينان الرئيسيان في إقليم شرق البحر المتوسط على العناية البالغة بالزواج والرابطة الزوجية.

4- أ فقد عني الإسلام في مصدر تشريعه الأول- القرآن الكريم- بالزواج عناية خاصة، وأسبغ عليه قدسية تجعله فريداً بين سائر العقود (7) .

فالقرآن الكريم يبين أن الزواج نعمة يمتن الله بها على عباده ] ؤالله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، بنين وحفدة ، ورزقكم من الطيبات ، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون [ ؟؟ [ النحل ] : 72 .

ويصف خلق الأزواج بأنه آية من آيات المحدرة الربانية ] ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم ازؤاجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مؤدة ؤرحمة ؛ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [ ؟؟ [ الروم : 21 ] .

ويجعل من واجب المجتمع كله تفيد تزويج من لم يتزوج من أفراده رجالاً ونساءً : ] وانكحوا الأيامى منكم ؤالصالحين من عبادكم وإمائكم ! إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع علي * وليستعفف الذين لايجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله … [ [ النور: 32-33 ] .

والنصوص الأسلامية تفيد أن من مقاصد الزواج في تشريع الأسلا م تحصين الزوجين من الفساد السلوكي المترتب على الأباحية الجنسية: فإن ا لمتزوج تقنع نفسه غالباً بما أحل الله له، ولأ يتعدى حدود الله بانتهاك المحرمات. لذلك أمر رسول اللة صلى اللة عليه وسلم القادر على تكاليف الزراج بالمبادرة إليه فقال :” يا معشر السثسباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ؛ ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء “[ حديث متفق عليه من رواية عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه. ومعنى الباءة القدرة على الزواج، والوجاء الكابح للشهوة الجنسية الجامحة ” .

ولتأكيد مقصد العفة الجنسية بين مقاصد الزواج، يقول رسول الله r ” إذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله ، فإن ذلك يرد ما في نفسه ” [ ر رواه مسلم عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه ]

” ويأمر الإسلام بممارسة النشاط الجنسى كاملاً في الزواج ، ويعتبر ذلك عملاً يؤجر عليه الزوجان، ويوصى بالملاطفة والمداعبة واستثارة الشهوة قبل الجماع، ويأمر كلاً من الزوجين بانتظار الآخر حتى يقضي شهوته ” ( .

وقد نص القران الكريم نصاً جامعاً على حصر النشاط الجنسي في الزواج ، واعتبار كل نشاط جنسي خارجه عدواناً محرماً، فقال تعالى:

] والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ،فمن ابتغي وراء ذلك فإولئك هم العادون [ [ المؤمنون 5 – 7] .

4-2 وحض المسيحية على الزواج وعنايتها به ثابتة في نصوص الكتاب المقدس بقسمية : العهد القديم والعهد الجديد (9).

ففي نصوص العهد القديم ما يفيد أن الله سبحانه وتعالى قد استن لآدم سنة الزواج، وجعل المرأة له عوناً” ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له معيناً نظيره ” [ سفر التكوين ، الإصحاح 2- 18] . والمرأة والرجل صنوان في تعبير التوراة: ” هذه الآن عظم من عظامى ولحم من لحمي، هذه تدعى إمرأة لأنهامن امرىء اخذت . لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً “سفر التكوين ، الإصحاح 2- 21 وما بعدها، ] .

وقد اهتمت نصوص المسيحية كذلك بالزواج، وجعلته من المقدسات الدينية، وأعادت شريعته إلى وضعها الأول، وحثت على أن ” يوفي الرجل المرأة حقها الواجب، وكذلك أيضاً الرجل ” وبينت أنه بالزواج يحل -للرجل التمتع بامرأته وللمرأة التمتع بزوجها، وأن هذا حق قاصر عليهما دون غيرهما، إذ ” ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل. وكذلك الرجل أيضاً ليس له تسلط على جسده،بل ل-لمرأة ” [ رسالة بولسالأولي إلى أهل كورنثوس : 7 : 2 ــ 4 ] .

ويقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: ” ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل: إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا، ولكن إن لم يضبطوا أنفسم فليتزوجوا ” لأن التزوج أصلح من التحرق ” [ الإصحاح 7: 8 وما بعدها ] . ويقول لهم أيضا: “وأما الأمور التى كتبتم لي عنها، فحسن للرجل ألأ يمس امرأة.

ولكن لسبب، الزنى، ليكن لكل واحد أمرأته وليكن لكل واحدة رجلها ” [ الإصحاح السابق : 1و 2 ] .

4-3 فإذا استعف الإنسان بالزواج- مسلماً كان أم مسيحياً – وأحصن نفسه به ، فقد حال بينها وبين أخطر مصادر الإصابة والعدوى بوباء الإيدز وغيره من الأمراض المنقولة جنسياً. وهذا المقصد لا يتحقق إلا بزواج العفيفة الطاهرة. ولذلك حرم الإسلام زواج البغايا المجاهرات يالزنى اللاتي يتكسبن به. وقد نهى النبي r أحد أصحابه عن نكاح بغي كانت له بها علاقة في الجاهلية فقال له:”لانتكحها” بعد أن نزل قول اللة تعالى ] الزاني لا ينكح إلأ زانية أو مشركة والزانية لاينكحها إلا زان أو مشرك ، وحرم ذلك على المؤمنين [ [ النور : 30 والحديث فى صحيح سنن النسائى (10) .

وذلك أن الله تعالى إنما أباح زواج المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذ ين أوتوا الكتاب- كما بين القرآن الكريم- والمحصنات هن ، العفيفات.

وكذلك أحل للرجال الزواج بشرط أن يكونوا محصنين غير مسافحين . فمن لم يقبل هذا الحكم من كتاب الله ولم يلتزمه فهو جاحد ولا يرضى بنكاحه إلا من هو – جاحد مثله. ومن أقر بهذا الحكم وقبله والتزمه، ولكنه خالفه ونكح من حرم عليه نكاحه فيكون زانياً .

وهذه الآية ذكرت بعد آية الجلد في سورة النور ] الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ….. الآية [

[ سورة النور :2 ]. فهذه عقوبة بدنية، وتلك عقوبة أدبية. فإن تحريم زواج الزاني والزانية يشبه التجريد من شرف المواطنة، أو إسقاط الجنسية أو الحرمان من حقوق معينة في العرف الحديث (11).

والمسيحية- كذلك- تنهى عن التزوج بالزناة- رجالاً كانوا أم نساءوتدخل في نطاق الزواج المحرم ” زواج رجل بامرأ علة طلاقها الزنى، أو زواج امرأة برجل علة طلاقه الزنى ” (12) .

[new_page]

ووقوع الزنى بين المسيحيين يمنع أياً من طرفيه من الارتباط برابطة الزواج بالطرف الآخر (شريك الزنى ) (13).

10

4-4 وهكذا فإن الزواج الصحيح في شرعة الدين، هو الطريق الوحيد الذي أباحه الل لعباده لتحصيل المتعة الحسية بالعلاقات الجنسية. وكل علاقة جنسية أخرى، خارج إطار الزواج الصحيح، هي علاقة آثمة محرمة. ولعله مما يثير التأمل، ويبعث علي الامتثال لهذا الحكم الرباني، أن يتبين الإنسان أن الزواج، و خلق الأزو اج، ليس أمراً خاصاً بالإنسان وحده دون الكائنات المخلوقة الأخرى.

فالزوجية سنة في خلق الله كله، مطردة. يقرر ذلك القرآن الكر يم في مثل قوله تعالى: ] سبحان الذي خلق الأزواج كلها : مما تنبت الأرض، ومن انفسهم، ومما لا يعلمون [ ،.[ يسّ : 36 ] وفي مثل قوله سبحانه: ] ومن كل شيء خلقتا زوجين لعلكم تذكرون [ [ الذاريات : 49 ] .

ولذلك كان مما برز في مناقشات المشاورة الإقليمية حول دور الدين والأخلاقيات في مجال الوقاية من الإيدز والأمراض المنقولة جنسياً ومكافحتها: أن الزواج حل رئيسى لمثل هذه المشكلات (مشكلات الإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً) ففيه العصمة للشباب، ولكن تقف دونه صعاب هائلة. ولا يكفى أن ننصح الشباب بالامتناع عن النشاط الجنسي بينما كل الظروف مهيأة أمامه. فعلينا إذن أن نسهل الزواج، ونزيح ما يعوقه من عقبات مالية أو اجتماعية أو تقليدية.

وكان من التوصيات الختامية للمشاورة التوصية بأنه ” من أجل حماية الشباب من الانحراف الجنسي ينبغي تشجيع الزواج المبكر في إقليم شرق البحر المتوسط بحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تسبب في الوقت الحاضر تأخير سن الزواج. وينبغي أن تصاحب الزواج المبكر دعوة إلى تنظيم الأسرة وتأجيل الحمل و ا لإنجاب (14) ” .

5- تحريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج

إن ا لسياح الثاني الذى أقامته الأديان السماوية لحماية الفرد والمجتمع من الآثار الضارة للحرية غير المحدودة في العلاقات الجنسية، يتمثل في تحريم جميع أنواع هذه العلا قات خارج إطار الزواج الشرعي (5 1) .

5- 1 فالإسلام- بل الأديان السماوية كلها تحرم الزني وتحاربه، وتسد الطريق المؤدية إ ليه. وجناية الزنى على النسب والعرص والنسل ، وأثره على انحلال الأسرة وتفكيك الرو ابط الجامعة بين أفرادها، وما يترتب عليه طغيان الشهوات وانهيار الأخلاق، كل ذلك جعل تحريم الإسلام للزنىفى صورة لاتقاربها إلا صورة تحريمه للخمر. وذلك في قول الله تبارك وتعالى: (لاتفربوا الزنى إنة كان فاحشة وساء سبيلا ” [ الإسراء : 32 ] .

وشأن الإسلام في التحريم أن يمنع ولوج السبل الموصلة إلى الحرام، ولا يكتفى بمنع الفعل المحرم وحده. ولذلك حرم الإسلام الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه، وحرم الاختلاط المستهتر، وحرم النظر من أفراد أحد الجنسين إلى فرد من الجنس الآخر بشهوة أو تلذذ ، وحرم النظر إلى العورات، وحرم التبرج.

ولم يكتف الإسلام بتحريم الزنى، بل أضاف إليه تجريمه، وفرض عقاباً رادعاً. عليه، ففى القرآن الكريم: ] الزانية ؤالزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ؤلا تاخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون يالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤميين [ [ النور : 2 ] .

ووصف الإسلام الزنى بأنه فاحشة، مع نهيه العام عن الاقتراب من الفواحش: ] ؤلا تقربوا الفواحش ما ظهر منها

وما بطن [،[ الأنعام : 151 ] ، واستعمال النهي عن الاقتراب من الزنى بالصيغة نفسها مع فرض عقوبة الحد على من يثبت ارتكابه إياه، كل ذلك يفيد تشديد التحريم ويعبر عن رغبة الشارع الحكيم في تجنب المكلفين للفعل المحرم ولكل ما يمكن أن يؤدي إليه.

والزنى محرم في المسيحية تحريماً قاطعاً، ونصوصن الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد قاطعة في هذا التحريم.

فالوصية السابعة من الوصايا العشر التى تلقاها موسى عليه السلام كانت: ” لاتزن “. وفى العهد القديم كذلك: ” الزانى بامرأة عديم العقل “[ أمثال 6: 29] وينقل إنجيل متى عن السيد المسيح أنه قال: ” إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه ” [ الإصحاح : 28 ] .

وقد وصفت أعمال الرسل خطيئة الزنى بأنها ” نجاسة ” و” دعارة “و ” عهارة” و” هوى” و ” شهوة رديئة ” (16) .

وينهى بولس الرسول حتى عن مخالطة الزناة : ” لا تخالطوا الزناة… لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا… اعزلوا الخبيث من بينكم ” [ الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس: 5 : 9 ـ 3 ] .

والزنى هو السبب الوحيد الذي تراه المسيحية مسوغاً للطلاق: “من طلق امرأته لعلة الزني وتزوج بأخرى ” يزني “

[ إنجيل متى : 19 : 9 ] ، وهذا يدل على بشاعة الزنى في التعاليم المسيحية التى لا تجيز الطلاق أصلاً، ولكنها تجعله جائزاً- بل ربما واجباً – إذا ارتكب أحد الزوجين فعل الزنى .

5-2 واتباع تعاليم الأديان الناهية عن الزنى، أحد السبل الأكيدة لتجنب الوقوع في احتمال الإصابة بمرض الإيدز أو بغيره من الأمراض المنقولة جنسياً. وتبدو أهمية هذا الاتباع، إذا تبينا أن العدوى تنتقل بالاتصال الجنسى أساساَ، سواء أكان بين الذكور والإناث أم بين فردين من جنس واحد .

5-3 وكما حرمت الأديان السماوية الزنى، فإنها حرمت العلاقة الجنسية المثلية المعروفة بالشذوذ الجنسى أو باللواط بين ( الذكران خاصة) .

13

وقد أشار القرآن الكريم في مواضع متعددة منه إلى خطيئة قوم لوط ، فقال تعالى: ] ولوطاَ إذ قال لقومة : اتاتون الفاحشة وأنتم تبصرون ، أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ؟ ! بل انتم قوم تجهلون [ [ النمل : 54 ـ 55 ] .

وقال جل وعلا يصف حال لوط مع قومه : ] أتاتون الذكران من العالمين وتذرون ماخلق لكم ربكم من ازواجكم ؟! بل أنتم قوم عادون [ [ الشعراء : 164 ـ 166 ] .

وقد بين القرآن الكريم ما حل بقوم لوط نتيجة إصرارهم على هذه المعصية التى كانوا أول،من فعلها فقال تعال : ] ثم دمرنا الآخرين. وأمطرنا عليهم مطراً فسا ء مطر المنذرين . إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين [ [ الشعراء : 172 ـ 174 ] .

5ــ4 ولا يحرم الإسلام العلاقة الشاذة بيت أفراد الجنس الواحد فحسب ،ولكنه يحرم العلاقة غير الطبيعية بين الرجل والمرأة ( 17) ، فقد ثبت عن رسول اللة r عدد من الأحاديث التي بنى فيها عن إتيان النساء في الموضع المكروه: منها قوله عليه الصلاة والسلام : ” لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها “.

5-5 كذلك يحرم الإسلام جماع الزوجة في المحيض (1 ، وقد جاء النهى عن ذلك واضحاً في كتاب الله تعالى، حيث قال جل شأنه : ] ويسألونك عن المحيض قل : هو أذى ؛ فاعتزلوا النساء فى المحيض ولاتقربوهن حتي يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ؛ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [ [ البقرة : 222 ] .

5-6 والمسيحية وهي تحرم الزنى، تحرم كذلك العلاقات الجنسية غير الطبيعية (الشاذة) بأنواعها كافة، فعلاقة الرجل برجل مثله محرمة [سفر اللاويين :

20 : 13 ورسالة رومية : 1:27 ] ، وعلاقة المرأة مع امرأة مثلها محرمة أيضاً [ رسالة رومية: 1: 26 ] .

والزواج المسيحى لا ينعقد بين المرأة ورجل مصاب بداء الشذرذ الجنسي، ولا بين الرجل وامرأة تمارس السحاق (19).

وفي العهد القديم نهى صريح عن الشذوذ الجنسى: ” إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجساً، إنهما يقتلان، دمهما عليهما ” [ سفر اللاويين : 20: 13 ] .

وفي رسالة القديس بولس إلى تيموثاوس: ” إن الناموس لم يوضع للبار بل… للزناة، لمضاجعي الذكور “[ تيموثاو 1، 10: ].

وفي رسالة القديس بولس إلى أهل رومية: ” غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم، الذين يحجزون الحق بالإثم… أسلمهم إلى أهون الهوان، لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعى بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك ، الذكور أيضاً، تاركين استعمال الأنثى الطبيعى، واشتعلوا بشهواتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور…. عارفين حكم الله أن الذي يفعل مثل هذه يستوجب الموت ” [ رو 1: 18- 32 ] .

6- تحريم معاقرة المخدرات وكل ما يخامر العقل

6- 1 والأديان السماوية تحرم كلها ما يضر بالعقل أو يذهبه أو يفسده.

فقد أتفقت الأمة- بل سائر الملل- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهى الدين والنفس والعقل والنسل والمال (20) .

وقد حرمت المخدرات في الإسلام تبعاً لتحريم الخمر. والخمر في الاسلام هى أم الكبائر. وهى كذلك- في الواقع- أم المخدرات جميعاً. وتحريم الإسلام للخمر تحريم قطعى. وشرب الخمر والتجارة فيها، بل محض حيازتها، جرائم تعزيرية في التشريع الاسلا مى .

ويكفى أن نبين ما تضمنته آيتا الخمر من أمور يكفي كل واحد منها في الدلالة على التحريم. فقد حرمت الخمر في قول اللة تعالى : ] إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون ؟ ! [

[ المائدة : 90 ـ 91 ] وهذا النص من أقوي نصوص القرآن الكريم دلالة على التحريم ، ففيه .

6- 1- 1 الحكم على الخمر بأنها رجس .

6-1-2 جمعها مع الميسر والأنصاب والأزلام وهى محرمات بنصوص قطعية الورود والدلالة .

6- 1-3 الحكم عليها بأنها من عمل الشيطان .

6- 1 ـ4 قوله تعالى ] فاجتنبئوه [ وهو لفظ أقوى في الدلالة على التحريم من لفظ ” حرمت “. لأنه لو عبر بالتحريم لانصرف الحكم إلى تحريم شربها، بينما التعبير بالاجتناب أفاد الانصراف عنها في أي صورة: شربها، وبيعها وأكل ثمنها، وشر ائها، وحملها، وإهد ائها 000الخ .

6-1-5 التسوية في الأمر بالأجتناب بين الخمر وبين عبادة الأوثان فإن الله تبارك وتعالى لم ينه عنها بأقوى من قوله تعالى ] فاجتنبوا الرجس من الأوثان وأجتنبوا قول الزور [ [ الحج : 30 ] .

6- 1-6 تعليق الفلاح على اجتنابها، وكيف تطيب نفس المؤمن بإتيان ما لا يفلح إلا بتركه؟ وهل يفقه من يبيح مثل هذا؟.

6- 1-7 النص على إيقاعها العداوة والبغضاء بين الناس.

6- 1-8 صد الشيطان بها عن ذكر الله المؤدي إلى طمأنينة القلب .

6- 1-9 وقوع الصد عن الصلاة بها، والصلاة هى ناهية العبد عن الفحشاء والمنكر.

6-1-10 قول اللة تعالى: ] فهل انتم منتهون ؟ ![ ، وهو من أقوى أساليب التهديد، لذلك قال الصحابة حين بلغتهم هذه الآية: ” انتهينا ياربنا انتهيا ” (21) .

16

6-2 وحكم المخدرات في التحريم هو نفسه حكم الخمر، فقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ” الخمر ما خامر العقل”. فكل ما لابس العقل وأخر جه عن طبيعتة المميزة المدركة الحاكمة فهو خمر حرام بتحريم الله ورسوله له إلى يوم

القيامة (22) .

وروي عن النبى r أنه قال: ” ألا إن كل مسكر حرام، وكل مخدر حر ام ،وما أسكر كثيره حرم قليله، وما خمر العقل فهو حرام ” (23)

والتحريم يتبع الخبث والضرر، وقد أبرز اكتشاف وباء الإيدز ضرراً جديداً لم تكن البشرية مدركة له، وهو ضرر انتقال العدوى بهذا الوباء وغيره من الأمراض المعدية الفتاكة عن طريق حقن المخدرات التى تكون عادة ملوثة .

ولو لم يكن للمخدرات من أضرار سوى هذا الضرر لكفى وحده في تحريمها .فكيف وقد قرر الفقهاء بإجماع تحريم جميع أنواع المخدرات التي تغيب العقل؟ ! (24) .

6-3 والمسيحية- كذلك- تحرم كل مفسد للعقل، وفي العهد القديم:

” الزنى والخمر والسلافة تخلب العقل ” [ هو شع 4: 11 ] .

وعزل الخبيث من بين أفراد المجتمع واجب تفرضه تعاليم الكتاب المقدس ، ولاشك أن هذا ينطبق على الذين يتعاطون المخدرات، لاسيما منهم الذين يتعاطونها بطريق الحقن (25) .

وهكذا نجد أن اتباع التعاليم الدينية للإسلام أو المسيحية- وهما الدينان السائدان فى ، إقليم شرق البحر المتوسط- يؤدي إفى نتيجة متماثلة أو واحدة : أن تكون أبواب الإصابة والعدوى بوباء الإيدز وبالأمراض الأخرى المنقولة جنسياً موصدة،. كلها أو جلها، أمام المتبعين لتعاليم الأديان .

7- سد الذرائع الموصلة إلى الحرام

إن الاسلام، والأديان عامة ، لم تكتف بالتحريم والنص عليه والتحذير من ارتكا اب المحرم أو الوقوع فيه، ولكنها أضافت إلى ذلك أنها أغلقت السبل الموصلة إلى الحرام. واستخرج الفقهاء المسلمون من مجموع النصوص الإسلامية الدالة على هذا الصنيع قاعدة إسلامية سموها قاعدة ” سد الذرائع ” (والذرائع هى الطرق والوسائل). ومؤدى هذه القاعدة أن بعض الأشياء تحرم لأنها مفضية إلى الحرام ومؤدية إلى الوقوع فيه. فالفعل الواقع في نطاق هذه القاعدة ليس حراماً لذاته، وانما هو حرام لما يؤدي إليه من الوقوع في أمر آخر محرم لذاته.

وهدف هذا التحريم المقرر سداً للذرائع أن ” يتطهر الوسط الاجتماعى من كل محركات الشهوات وعوامل الإثارة، ومسببات الإغواء قدر الامكان (26) وقد يكون ما تسد به الذريعة إلى الفساد محرماً أي منهياً عنه، وقد يكون واجباً أي مأموراً به .

ولم يكن يستقيم تحريم المحرمات في مجال المتع الجنسية الحسية إلا بسد السبل المعينة على الحرام أو المهيئة لأسبابه، وإلا كان التكليف باجتناب الحرام تكليفاً بما يشق على العباد، وهو ينافي طبيعة التكاليف الدينية المبنية كلها عن، رفع الحرج ، ] مايريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم [ [ المائدة: 6 ] .

ومن بين المحرمات والواجبات سداً للذرائع، أمور تتصل بتحريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج الصحيح من أهمها:

7- 1 تحريم الدخول إلى بيت الغير دون استئذان. وفي الاستئذان عند دخول البيوت يقول القرآن الكريم: ] يا ايها الذين آمنوا لآ تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على أهلها ، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . فأن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتي يؤذن لكم ، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم ، والله بما تعملون عليم [ [النور: 27- 28] .

7ـ2 الأمر بغض البصر، أي كفه عن النظر إلى ما لا يحل النظر اليه من رجل أو امرأة. وقد ورد هذا الأمر صريحاً في كتاب الله تعالي، فقال سبحانه: ] قل للمؤمنين يغضوامن ابصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلأ لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولايضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون [ [ النور : 30 ـ 31 ] .

وقد بين المفسرون أن ” هذا أمر من اللة تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه. وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم. فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصـرف بصره عنه سريعاً ” (27) .

وقد أكدت ذلك السنة النبوية، فروى مسلم في صحيحه، وغيره، أن جرير بن عبد الله البجلي سأل رسول اللة r عن نظر الفجاءة فأمره أن ” يصرف بصر 5 ” (2 .

7- 3 النهى عن التبرج، وهو كل تجمل تقصد به المرأة أن تبديه ليعجب عيون الرجال الأجانب عنها مما يذهب بأثر الأمر بغض البصر في نشر العفة وتطهير المجتمع من الفواحش .

7-4 تحريم الخضوع بالقول، وهو ترقيق الكلام إذا خاطبت المرأة الرجل .

7-5 الأمر بالحياء، والحياء شعبة من شعب الإيمان، فقد قال رسول اللة r : ” الإيمان بضع وستون- أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إ له .

19

إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الايمان ” (29) .

ويراد بالحياء ذلك الشعور بالخجل الذى يشعر به الإنسان أمام اللة سبحانه وتعالى حينما يميل بطبعة إلى منكر، فيكون الحياء قوة مانعة من الإقدام على الوقوع في المنكرات أو فعل المحرمات. فالانسان إذا أخطأ بدافع من غريزته، تحرك الحياء في نفسه، وأشعره بالإثم، ونغص عليه عيشه حتى يراجع نفسه ويتوب عما هم به أو وقع فيه من المحرم .

” وجميع التعاليم التربوية والخلقية في الإسلام تنعش هذه الغريزة المتأصلة في الفطرة الإنسانية وتغذيها، وتنميها بالعلم والفهم والشعور، حتى تجعلها حاسة خلقية في نفس الإنسان تحرسه وتحميه، ولذلك قال رسول اللة r يمهنيد: ” لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء ” (30 ) .

وفي الحديث عن رسول اللة r أنه قال: ” الحياء لا يأتى إلا، بخير ” (31) .

و الحياء جامع لخصال الخير كلها في نفس الإنسان، مانع من معاقرة خصال الشر كلها. وقد كان رسول اللة r يثني على من عرف بالحياء وتميز به من أصحابه ثناء الحاض على الأقتداء بهذا الخلق المرغب فيه.

7-6 والمسيحية تحض على مثل الأخلاق المثالية التي بينا دعوة الإسلام إليها فيما تقدم، ففي العهد القديم: ” ولا تشته إمرأة قريبك ” [ خروج 20: 14 تثنية 5: 18 ] .

وقد جعل الإنجيل من الناظر إلى امرأة بشهوة زانياً : ” كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه “[ متى 5 : 28 ] والتعاليم المسيحية مليئة بتوجيهات خلقية سامية تهىء للإنسان الحياة الطاهرة النظيفة. ومن أجمع ذلك ما جاء في رسالة بولس الرسول إلى تسالونيكى: ” إن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة …… إذاً من يرذل لا يرذل إنساناً بل الله الذي أعطانا روحه القدس ” [ 1 متى 4 : 3 ـ 8 ] .

ويؤكد القديس بطرس الرسول في رسالته الأولى هذا المعنى فيقول: ” أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس، وأن تكون سيرتكم بين الأم حسنة “[1 بط: 2: 11 ] وفي الرسالة نفسها يقول بطرس الرسول: ” لا تشاكلوا شهواتكم السابقة في جهالتكم، بل نظير القد، س الذي دعاكم كونوا قديسين… لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس[ 1 بط : ا :15 ]

وهكذا لا تكتفى تعاليم الدينين: الإسلام والمسيحية بالترغيب في ابتغاء الفضيلة وما يؤدي إليها من عمل صالح، والنهى عن فعل الرذيلة وممارسة ما يحف بها من محرمات فحسب، بل إن النهى يتجاوز ذلك ليشمل مجرد التفكير في إتيانها، أو التعرض للمغريات بها .

واجتناب ما نصت الأديان عنه ليس مؤذياً إلى مجرد النعيم الأخروي، بل إلى الزكاة والطهارة الدنيوية، حسية ومعنوية. ولذلك حض القرآن على أفعال بأن وصفها بأنها ” أزكى ” و” أطهر ” ووصف الطائعين بأنهم ” طيبون ” و”طيبا ت ” بينما وصف العاصين بأنهم ” خبيثون ” و” خييثات “. وليس لهذه الأوصاف من موجب إلا أن الأولين التزموا جانب الطاعة لله ولرسالاته فأتوا ما أباح لهم. وأحبوه، وقنعوا به، ولم يطمعوا في سواه، والآخرين تمادت بهم شهواتهم فخرجوا في سلوكهم عن جادة الطاعة إلى تعوج المعصية. ولم يقفوا بغرائزهم عند الحلال ليشبعوها منه، ولكنهم تركوا لها العنان لترتوي من الحرام وترتع فيه .

ويكفي الوصف ” بالطيب ” دافعاً للطاعة، والوصف ” بالخييث ” مانعاً من المعصية وزاجراً عنها، ] لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ .

8- العقوبات الزاجرة

سلكت الأديان طريق الوقاية من الفواحش-كما قدمنا- بتحريمها، وتبغيض المؤمنين فيها، وحضهم على اجتنابها ظاهرة كانت أم باطنة، وسدت الطرق المؤدية إلى شيوعها بين الناس.

ولكن الناس ليسوا سواءً في النزول عند أحكام الشرع ولا في التزام أوامره ونواهيه، فمنهم من تطهرت نفسه وأصبح عفيفاً لا يغريه الإشباع العارض لغرائزه كلما لاحت دواعيه أو أتيحت فرصه، ومنهم من تغلبه شهواته على عقله، وتورده غرائز ه موارد الهلكة بالوقوع في العصيان وإتيان المحرمات .

ولهؤلاء وضعت الأديان عقوبات زاجرة، تكفهم عن المعاصى، وتردع غيرهم ممن يحتمل أن تضعف نفوسهم فيقلدوا العصاة في عصيانهم، وتصلح- بمنع شيوع الفواحش- حال المجتمع كله .

8-1 وقد شرع الإسلام للزنى عقاباً هو جلد الزاني غير المحصن، ورجم الزاني المحصن. ففي سورة النور قول اللة تعالى: ] الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تاخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [ [ النور : 2 ] .

وفي الحديث الصحيح عن رسول اللة r نصوص قاطعة رواها البخاري و مسلم وغيرهما عن عقوبة الزاني المحصن وأنها الموت رجاً بالحجارة (32) .

8-2 وفي العهد القديم نصوص توجب القتل رجماً بالحجارة على الزانيين معاً، فيقول العهد القديم في سفر التثنية عن الرجل والمرأة الزانيين : ” أخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة، وارجموهما بالحجارة حتى يموتا. الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك ” [ سفر التثنية : 22: 24 ] .

أما إذا كانت الفتاة مكرهة على الزنى فإن العهد القديم يقرر أن العقاب على من اكرهها وحد ة ” يموت الرجل الذي اضطجع معها وحده، أما الفتاة فلا تفعل بها شيئا، ليس على الفتاة خطيئة للموت، بل كما يقوم الرجل على صاحبه ويقتله قتلا ًكذلك الأمر… ” [ سفر التثنية: 11: 25- 26 ].

8-3 ونصوص العهد القديم تقرر العقاب بالقتل للذين يمارسون رذيلة الجنسية المثلية : ” إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجساً، إنهما يقتتلان. دمهما عليهما “[ سفر اللاويين : 20 ـ 13 ] .

8-4 والخمر والمخدرات المحرم تناولهما والاتجار فيهما، بأي وجه كان في شريعة الإسلام، يعاقب على عصيان الأوامر والنواهى المتعلقة بهما تعزيراً.

والتعزيز نظام يكفل الحماية الجنائية للأوامر والنواهى الشرعية التى لم ترد في شأنها نصوص تقرر عقوبة محددة. وتجيز الشريعة الاسلامية أن يصل العقاب تعزيراً إلى تقرير عقوبة الإعدام للجرائم الخطيرة الماسة بأمن المجتمع والمؤثرة على سلامته.

وكل محرم في الإسلام، فعلا ً كان أم امتناعاً أم قولاً، تحمي تحريمه مبادىء نظام التعزيز، بما تتيحه للسلطات المختصة في النظام الإسلامى من فرض عقاب يوقع على المنتهكين لحرمات المحرمات .

فالقاعدة الجنائية الإسلامية- بل الدينية بعامة- توفر الحماية اللازمة للقيم الخلقية في مواجهة أولئك الذين لا يردعهم الوعظ ولا يردهم عن الفساد والغى مجرد النصح .

والتفسير الوحيد لموقف الشرائع الدينية من حماية القيم الخلقية بمختلف السبل وشتى الوسائل هو قيام هذه الشرائع، أولاً وقبل كل شىء، على أساس خلقي.فالأعمال والتصرفات والمواقف الانسالية، توزن كلها في ميزان الشريعة الدينية بميزان بعدها أو قربها من المثل الخلقى العالي. ولهذا لعنت الشريعة الإسلامية الذين يحبون أن. تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فعلاً لها أو قولاً أو سماعاَ .

23

وهوالمثل الخلقي العالي الذي بعث به الأنبياء قبل محمد r هو الذى جاءت بعثته لتتمه، ولذلك قال: ” إنما بعثت لأتمم حسن الأخلاق ” (33). وفي رواية : ” مكارم الأخلاق “

9- التعاليم الدينية ومفهوم الحرية وحقوق الإنسان

9- 1 تتضمن التعاليم الدينية التى سبق إيجازها منعاًمن بعض صور السلوك البشري، وعقاباً على ممارستها. وقد يبدو ذلك مناقضاً أو متعارضاًمع مفهوم الحرية الشخصية على النحو الذي تتكرر الإشارة إليه وتأييده في كثير من الكتابات ا لعصرية.

9-2 ولا يحتمل مطلوب هذا الكتيب الخوض في التفاصيل الفكرية أو الفلسفية أو القانونية أو التاريخية المتصلة بمفهوم الحرية الشخصية، والنتائج المترتبة على تقرير هذا المفهوم في النظام القانوفي أو في المنظومة الاجتماعية للقيم السلوكية .

ولذلك فإنه يكفينا أن نقرر أن المعنى بهذا المفهوم في حدود ما نحتاج هذا الكتيب إلى بيانه، هو حق الانسان في الاستمتاع كما يحب بقدرإته ومكناته التى وهبها الله له، أو بالموجودات التي خلقها له في الأرض.

9-3 وهذا الحق فرع- في النظرة الاسلامية- لأصل الإباحة المقرر في عديد من آي القرآن الكريم، من مثل قول اللة تعالى: ] هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعاً [ [ البقرة : 19 ] وقوله تعالي ] قل : من حرم زينة الله التى أخرج لعبادة والطيبات من الرزق ؟ !قل : هي للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ؛ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ! قل : إنما حرم ربي الفواحش ـ ما ظهر منه وما بطن ـ ، والأثم ، والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون [ [ الأعراف : 32 ـ 33 ] .

وتتضمن الآيتان الأخيرتان وجهى مفهوم الحرية الشخصية كما يقرره الإسلام، بتقرير الآية الأولى إباحة المتع التى سماها النص القرآني (زينة)، ونسبها، ونسب خلقها إلى الله تبارك وتعالى، وبين علة خلقها بأنها اخرجت للعباد. فهذا هو الوجه الأول لهذا المفهوم .

وتقرر الآية الثانية الوجة الآخر له حين تقرر أن الذي حرمه الله هو الفواحش الظاهرة و الباطنة (أي الفواحش في الأفعال والأقوال والاعتقادات، أو الفواحش التى يستعلن بها أصحاب

الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري
المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *