ختان الإناث

رغمَ أنّي من ألدّ أعداءِ الموضةِ والاختلاطِ وحبِّ المراهقةِ وعملِ المرأةِ وحرّيّةِ المرأةِ (بمفهومها الحديث)، إلى آخر هذه المفاهيم الإعلاميّة التعليميّة المريضة، إلا إنّني ـ للعجب ـ كنت من أشدّ معارضي ختان الإناث.

ولم يكن الأمر يتعلّق بغسيل المخّ الإعلاميّ ـ فقدْ فقَدَ تأثيره معي مبكّرا بعد تجاوزي المرحلة الابتدائيّة ـ ولكنّها كانت عمليّة ختان رأيتها بنفسي في طفولتي المبكّرة، تركت في نفسي تأثيرًا غايةً في السوء.

أتت امرأةٌ جاهلةٌ إلى المنزل، وأخرجت مطواةً من ثيابها السوداء، وسطَ صرخاتٍ هستيريّةٍ من الفتاةِ الصغيرة (عادةً ما تكون في سنّ الرابعة عشرة أو ما يقاربه)، وقد كانت تعرف ما سيحدث لها.

طريقة مفزعة شيطانيّة، تتمّ على يد امرأةٍ جاهلة، بمطواةٍ غير معقّمة، في أواخر القرن العشرين، معرّضةً الفتاةَ لاحتمال تلوّث الجرح.. ناهيك عن أنّها في معظم الأحوال تقوم باستئصال البظر كلّه، ممّا يهدّد بكوارث للفتاةِ فيما بعد.

إذن كانت هذه التجربة هي ما جعلني قلقا طيلةَ عمري من موضوع الختان، خاصّة أنّه يتمّ للفتاةِ في سنّ تكونُ فيه واعية، وقد تترك التجربة في نفسِها ذكرى مؤلمةً لسنواتٍ طويلة، على عكس الرجال، الذين يختنون بعد ولادتهم، ولا يتذكّرون هذه الآلام!

لهذا السبب، كنت أكتب ضدّ الختان، واضعا نصبَ عينيّ تفنيد أيّ شيءٍ يؤكّده:

  1. الغرب هو الذي أثار القضيّة: أعرف.. وأنا أكره الغرب وأكره تدخّله في حياتِنا.. ولكنّ الحقّ والباطل لا يؤخذان بهذه الطريقة.. جاء من الغرب أو جاء من الشرق، لا بدّ أن نقيّم الأمر بالعقلِ والمنطقِ والدين.
  2. الختان سنّة: ولكنّ بعض أحاديثه ضعيفة، وهناك أحد الأئمة الأربعة اختلف حتّى في وجوب ختان الرجل.. وهناك من يدّعون ـ ولا أدري كيف ـ أنّ بنات الرسول لم تختن.
  3. الختان يحمي شرف المرأة، حيث يقلّل شهواتها: غير صحيح.. الختان شائع في (مصر) منذ أيّام الفراعنة، ورغم هذا عفّت من عفّت وزنت من زنت.. في الريف وفي المدن.. وحتّى في البادية.. إنّ الأنثى التي لا يعصمها دينها لا يعصمُها شيء.. والشهوة احتياج نفسيّ مثلما هي احتياج جسديّ.. لهذا قد يوجد رجل أو امرأة لديهما هوس جنسيّ لدواعٍ غير جسديّة على الإطلاق.. وأفضل طريقة تنخدع بها المرأة للتفريط في جسدها ودينها، هي عن طريق الحبّ لا عن طريق الشهوة.. أي عن طريق القلب لا عن طريق الفرج.. وفي العصر الحديث، توجد نوعيّة جديدة من اللاتي يمارسن الفاحشة، بدافع التمرّد والشيطنة والرغبة في التحرّر من القيود.. أو على الأقلّ بدافع التجريب!

ثمّ لو فرضنا جدلا أنّ الختان فعلا يقلّل الشهوة ويقلّل احتمال وقوع المرأة في الخطيئة، فعلام ستحاسب إذن؟؟.. أليس هذا منافيا لكونها مكلّفة؟.. لقد خلق لنا الله نوازع يمكن السيطرة عليها بالإيمان والتقوى لتوجيهها في مسارها الصحيح.. هذا هو ما يجعلنا مكلّفين.

على هذا المنوال كنت أكتب.. ولكنّ هذا لم يمنعني أن أستنكر ديكاتوريّة وزارة الصحّة المصريّة، في تجريم الختان ومنعه في المستشفيات، لأنّ هذا التفكير السطحيّ لن يؤدّي أبدا إلى إيقاف الختان، ولكنّه سيضمن حدوث أمرين (وكلاهما يحدث بالفعل):

  1. أن تستمرّ المرأة الجاهلة ذات المطواة في ممارسة عملها، بعيدا عن منجزات الطبّ، ممّا يحرم الفتاةَ من التعقيم والمخدّر الموضعيّ وخبرة الطبّ، ويضعها تحت رحمةِ الختانِ الجائرِ المعرّض للتلوّث.
  2. أن يخالف الأطبّاء المتديّنون القانون ويرضوا ضمائرَهم، ويقوموا بهذه العمليّة في عياداتهم.

وكنت أرى ـ ولا زلت ـ أنّه يجب إقناع الفتاة قبل إجراء هذه العمليّة ـ لأنّ إجراءها على كره منها قد يترك انطباعا سيّئا بداخلها نحو دينها وأهلها، خاصّة مع غسيل المخّ الإعلاميّ السائد.

ولكن… ما الذي غيّر آرائي، وجعلني أثق ثقةً مطلقةً بأهمّيّة الختان؟

هل هي الاكتشافات الطبّيّة التي تدلّ على هذا؟

لا.. كلّ هذه الفوائد مذكورة بالنسبة لختان الذكور.. وحتّى لو اكتشف الغرب أهمّيّة ختان الإناث، فلن يعلنوا عنه بهذه البساطة!

إذن ماذا؟

أبدا.. كانت فكرة منطقيّةً بسيطة، ألهمني الله بها فجأة.. قلت في نفسي:

ربّما تكون هناك خلافات حول فرضيّة الختان أو وجوبه أو استحبابه.. ولكنّ المؤكّد أنّه كان موجودا في المجتمع الإسلاميّ، ولم يعترض عليه الرسول، بل اعتبره علماء الإسلام سنّة.

فهل لو كان الختان ضارّا كان الرسول سيسكت عنه؟؟

لقد حرّم الإسلام الخمر والزنا والربا، وكانت متمكّنةً من المجتمع الجاهليّ بدرجةٍ بشعة.

ليس هذا فحسب، بل إنّ الإسلام جاء بشريعة شاملة، تناولت كلّ شيء يمسّ الإنسان منذ مولده إلى مماته، فأوضحت كيفيّة الرضاعة والفطام والتربيّة والإنفاق والزواج وآداب علاقة الفراش والمعاملات المادّيّة والإنسانيّة وحقوق الوالدين، وكيفيّة غسل الميّت ودفنه.

آلاف التفاصيل الدقيقة، غطّتها الشريعة الإسلاميّة في حياة الإنسان، لدرجة أنّ أحدهم قال ساخرا ـ دون أن يدري أنّه يشهد للإسلام: “محمّد يعلّم أصحابه كيف يخرأون”.. أي كيف يتصرّفون عند قضاء الحاجة.

فهل تعتقد وهل تعتقدين أنّ شريعةً بهذه الحكمةِ وهذا الإحكامِ ستغفلُ عن أمرٍ شديدِ الخطورةِ مثل الختان، وتترك المسلمين يمارسونه 1400 عامٍ إلى أن يكتشفوا فجأة أنّه ضار مع تقدّم الطبّ؟؟

إنّ هذا يتنافى مع حكمة اللهِ عزّ وجلّ وعدله ورحمتِه بعباده.

وبهذا، عن طريق هذا المنطق البسيط، حسمت القضيّة بالنسبة لي تماما:

سواء أكّد الأطبّاء أو نفوا، فإنّ عدم تحريم الرسول لختان الإناث يعدّ دليلا قاطعا على أنّه غير ضارّ.. فما بالنا إذن إذا أخبرنا علماء الدين أنّه سنّة عنه.. لا ريب إذن أنّه في غاية النفع!

وأعتقد أنّ ظهور فوائد ختان الذكور إرهاص في هذا المضمار، ولا شكّ أنّ فوائد ختان الإناث ستظهر يوما ما، ولو كره الكافرو

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *