حاجة كليات الطب للفقه الطبي

حاجة كليات الطب للفقه الطبي

إن كتب الفقه الإسلامي وأصوله وقواعده ثرية غنية بما يساعد على استنباط واستخلاص فقه الطبيب أو الفقه الطبي لتكون مادة خصبة تعين الطبيب المسلم في مجال عمله، وممكن توصيفها ووضع منهج علمي لها لتدرس في كليات الطب. 

ويمكننا أن نتتبع الفقه الطبي من خلال أصول الفقه وأبوابه المختلفة وفي ثلاثة أمور: 

الأمر الأول : الحكم التكليفي لطلب علم الطب، وربط طلبه بالعقيدة والسلوك. 

الأمر الثاني: دراسة كل ماله صلة بالطب أخذا من كتاب الله وسنة رسوله r ومن كتب الفقه وأصوله المعتمدة. 

الأمر الثالث: دراسة المشكلات المعاصرة التي تواجه الطبيب المسلم نتيجة التطور الطبي وما استحدثت الحضارة المادية التي يتوجب أن يكون هناك حكم شرعي لها . 

وسأتكلم عن هذه الأمور الثلاثة بشيء من التوضيح: 

الأمر الأول:

أ- الحكم التكليفي لطلب علم الطب: 

يقسم الفقهاء التكاليف الشرعية من حيث وجوبها على المكلف إلى قسمين: فرض عين، وفرض كفاية. 

ودراسة الطب من فروض الكفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين وتتعين إذا كان المجتمع محتاجا إليها بل تكون فرض عين إلى أن تسد حاجة المجتمع إلى الأطباء ويأخذ كفايته. 

وبالتالي ينبغي أن يكون معرفة الحكم التكليفي لدراسة الطب ضمن مادة فقه الطبيب لكي يعرف طالب ، الطب واجبه تجاه مجتمعه. 

ب- ربط دراسة الطب بالعقيدة والسلوك: 

لابد أن يتضمن فقه الطبيب ربط الطب بالعقيدة من خلال ما يواجه طالب الطب وهو يتعامل مع جسم الإنسان مما يرسخ فيه عقيدة التوحيد ويعرفه قدرة الله سبحانه وتعالى على الأحياء والأموات، وترسيخ الثقة بالله في نفس المريض والتوجه إلى الله بالدعاء الخالص وكل ما يتعلق بهذا الجانب العقدي الهام من أمور.بما ورد في ذلك من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تعينه على مرضه. 

ويربط فقه الطبيب بالسلوك الأخلاقي الملتزم بشريعة الله وآدابها تجاه من يكشفه عليه الطبيب ويعالجه ويتوجب عليه إنقاذه، واحتسب وقته وجهده وراحته عند الله استجابة لهذا السلوك القويم، مع حفظ أسرار مهنته والنصيحة لمرضاه .

الأمر الثاني:

دراسة كل ماله صلة بالطب أخذا من كتاب الله وسنة رسوله r وكتب الفقه وأصوله المعتمدة ويكون ذلك بدراسة كل ما يتعلق بالإنسان وهو جنين في بطن أمه إلى أن يوسد في قبره. ولا شك أن مقررات مناهج كليات الطب- تعرض إلى دراسة كل ما يتعلق بجسم الإنسان ولكن لابد من الناحية الفقهية أن يعرف طالب الطب موقف الشريعة من الجنين وهو يتطور ويتخلق في رحم أمه متى تبدأ؟ ومتى تصبح محترمة لا تمس وما هي أحكام الجنين وحقوقه من خلال دراسة فقهية وعقدية لتفسير مثل قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) “سورة المؤمنون/12،13، 14. “. 

ثم لابد من دراسة طبية فقهية سيتضمنها فقه الطبيب لمرحلة البلوغ والالتزام بالتكاليف الشرعية من ناحية ما يطرأ على جسم البالغ من متغيرات سواء أكان شابا أم فتاة وخاصة ما يتعلق بالسوائل التي تنزل عليه من ودي ومذي ومني لأن هذه السوائل يترتب على نزولهـا انتقاض وضوئه وغسله، وما يتعلق كذلك ببلوغ الفتاة من نزول الحيض عليها حتى تمتنع عن الصلاة والصيام، وتحليل الدم النازل عليها أهو حيض أم استحاضة؟ وما هي مواصفات الحيض والاستحاضة من الناحية الطبية. 

وفي هذا الأمر لابد من دراسة منهجية شرعية للمرض وما ورد فيه من أدلة شرعية وما يترتب عليه من أحكام شرعية كثيرة مثل الرخص في الصلاة والصوم، ودراسة منهجية شرعية طبية لمرض الموت وكيفية تشخيصه وربطه بما يترتب عليه من تصرفات تنتج آثارا شرعية. 

ولابد من التعرض بعد ذلك لدراسة فقهية مستندة إلى تصور طبي واقعي للموت وعلامات الاحتضار ومتى يموت الإنسان؟ وما يتعلق بذلك من تصرفات شرعية . 

ولا بأس ، أن يدرس طالب الطب في مجال الطب الوقائي بشكل موجز ما يتعلق بأحكام الوضوء والغسل من كتاب الطهارة والتوقي من النجاسات وعدم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وحكمة الله تعالى في تحريم ذلك ، ويدرس كل ما ورد من أحاديث نبوية شريفة في التوقي من الكلاب وعدم تربيتهم إلا كلب ماشية أو زرع أو صيد وغسل الإناء سبع مرات إحداهن بالتراب لقوله r “طهور إناء أحدكم أن يغسله سبعا أولاهن بالتراب وبيان الحكمة في ذلك. 

ويدرس في هذا المجال ما حث عليه الإسلام من سنن الفطرة كتقليم الأظافر ونتف الشعر الزائد ووضع الطيب . 

. كما يدرس حكمة وجوب الاغتسال بعد الاحتلام والجنابة والحيض والنفاس حتى يفهم طالب الطب هذه الأحكام الشرعية ويجرى عليها التحاليل الطبية . 

هذه الأحكام الشرعية ويجري عليها التحاليل الطبية. 

الأمر الثالث:

دراسة المشكلات المعاصرة التي تواجه الطبيب المسلم نتيجة التطور 

إن هناك دراسات وأبحاثا في هذا المجال منها ما عقدته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية من ندوات وحشدت لها العلماء البارزين في الفقه الإسلامي والأطباء المتخصصين ولابد للطبيب المسلم وهو يدرس الطب أن يتعرف عليها حتى يستفيد خلال دراسته من مثل هذه الأبحاث والندوات وما أثمرت عنه من اقتراحات وتوصيات . 

وإن من نافلة القول أن الطب والعلاج في تطور مستمر وأنه يجب على الطبيب وهو في دراسته للطب أو في مجال عمله أن يتابع أحدث الدراسات والأبحاث ليكون ذلك دافعا لتحسين عمله والاطلاع من خلال نظرة الفقه ، الإسلامي إلى هذه التطورات المستمرة . 

وينبغي أن يكون منهج فقه الطبيب مأخوذا من مصادر موثوقة معتمدة من كتب الفقه والأصول مستندة إلى أدلة الكتاب والسنة والإجماع مخرجة آياتها وأحاديثها من منهج كتب التفسير المعتمدة وتخريج الأحاديث مع تيسير شكلها وإخراجها والبعد عن المتون والنقول الغامضة. 

إن احتياج طالب الطب والطبيب العامل في مجال تخصصه إلى الفقه الطبي ضرورة لا يستغني عنها، فشريعة الإسلام ليست معزولة عن واقع ما يعيشه المسلم بل إن كل متخصص في أي علم من العلوم يجد في الإسلام ما يعينه على معرفة حكم الشريعة في تخصصه حتى نبعد عن مناهجنا في كليات الطب وغيرها العلمانية والاغتراب ونعيد أصولنا التي أرادها الله لنا وفق شريعته وميزانه .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *