بعض مشكلات البحث والدراسة في العصور الحديثة

نبذة عن البحث: 
ما زالت تعاليم الطب الإسلامي قائمة في الهند والباكستان: ويتولى عدد من المعاهد التعليمية هناك مهمة تدريس هذا الطب وإجراء البحوث في مختلف فروعه، ولكن هذه المعاهد تواجه بعض المشكلات الصعبة منها تحديد نوع الطلبة الذين يقبلون لهذه الدراسات، ونوع المقررات الدراسية التي يجب اعتمادها، إلى جانب مشاكل البحث العلمي . ولا يجب أن نبعثر جهودنا في محاولة إيجاد حلول لهذه المشاكل كل على حدة ، إذ يكمن الحل في دراسة وافية لأعمال علماء الطب المسلمين حيث ينهض الطب الإسلامي الحديث على هذا التراث الخالد. إلا أن القيام بعبء هذه الدراسات والأبحاث التي تتطلب جهدا شاقا ومعرفة واسعة قد لا ترضي أولئك الذين ينظرون إلى الأمور نظرة نفعية ضيقة، ولكن الأمثلة على فوائد هذه الدراسات كثيرة منها:-

ا- سوف تكشف هذه الدراسات عن ثروة هائلة من المؤلفات والكتب في الطب الإسلامي، وتميط اللثام عن أياديه البيضاء على فن العلاج والشفاء.

2- سوف تحدد الدور الذي لعبه علماء الإسلام في تطوير العلوم الطبية الحديثة.

3- سوف تقيم الدليل على أن العلماء المسلمين لم يكتفوا بنقل العلوم اليونانية، بل أضافوا إليها الشيء الكثير، ومن هنا كان خطأ التسمية الشائعة ” الطب اليوناني ” والأصح أن يسمى بالطب الإسلامي.

كانت دراسة الطب من الدراسات الهامة والشائعة في البلدان الإسلامية في العصور الوسطى، وكان ينتظر من كل متعلم أن ينال قسطا من هذه الدراسة، ويتضح ذلك من إحدى قصص ألف ليلة وليلة (1) تحكى عن جارية موهوبة عرضت للبيع على هارون الرشيد بثمن باهظ، ويوافق الخليفة على دفع هذا الثمن بشرط أن تجيب الجارية على أي سؤالا يوجهه لها أعلم الحاضرين في تلك الفروع من المعرفة التي كانت تدعي النبوغ فيها. وبدأ كبار علماء الدين والقانون وتفسير القرآن والطب والفلك والفلسفة والبلاغة والشطرنج يمتحنونها الواحد تلو الآخر، وفي كل فرع من هذه الفروع لم تكتف الجارية بإجاباتها البارعة على كل ما وجه إليها من أسئلة، ولكنها كانت تطرح على أستاذ كل فرع في نهاية الامتحان عددا من الأسئلة لم يحر لها جوابا.

وكان الامتحان الخاص بالطب يشتمل على موجز علم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء، وتشخيص الأمراض من واقع الأعراض، وعلم الأمراض، والصحة وعلم التغذية إلى غير ذلك من فروع الطب. وتبين هذه القصة اهتمام المسلمين بصفة عامة بالعلوم الطبية كما تلقي الضوء على نوع التعليم الشامل الكامل الذي كان يتاح للمسلمين في ذلك الوقت. وشاهد آخر على ذلك نجده في ” المقالات الأربعة Chahar Maqalah (2) التي ألفها نظامي أروزي السمرقندي حوالي عام 551 هجرية. يقول نظامي إن هناك أربع فئات من الخبراء لا يمكن لبلاط أي حاكم أن يستغني عنهم السكرتاريون والشعراء والمنجمون والأطباء؟ إذ لا يمكن لملك أن يقوم بتصريف شئون أعماله اليومية دون سكرتاريين أكفاء، ولن تخلد انتصاراته وفتوحاته إلا في قصائد عصماء ينظمها شعراؤه، ولن ينجح فيما يقدم عليه من مهام إلا إذا أشار عليه المنجمون الحكماء بأنسب الأوقات لأدائها، بينما لا يمكنه رعاية صحته التي هي أساس سعادته والضمان لاستمرار نشاطه إلا إذا كان محاطا بأطباء مهرة يثق لا مقدرتهم. وكانت حاجة الحكام إلى هذه الخدمات الطبية عاملا أساسيا في تخريج آلاف من الأطباء والمتخصصين في الطب الإسلامي. ولقد قيل الكثير عن هذه الظاهرة في تلك المؤلفات التي تناولت السيرة الذاتية والمنجزات للأطباء والمتخصصين في مختلف فروع الطب، ومن هذه المؤلفات فهرست ابن النديم (3) (ألفه لا عام 377 هجرية) وتاريخ الحكماء للقفطي (4) (624 هجرية) وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (5) (645 هجرية). وتبين هذه المؤلفات ضخامة عدد المتخصصين في الطب، كما تبين أيضا ضخامة ما تم تأليفه في مجال العلوم الطبية على يد العلماء المسلمين إبان العصور الوسطى. ويعطينا كتاب Zur Qullen Kullen Kunde der Persischen Medizin الذي ألفه أدولف فونان Adolf Fonahn وصدر في ليبزج عام 1910 فكرة واضحة عن كثرة ما كتب في الطب باللغة الفارسية وحدها، إذ يحصى لنا المؤلف ما يربو على أربعمائة كتاب فارسي 10 لم ينشرمنها إلا النزر اليسير) تناولت موضوعات طبية إما بصفة كلية أو ضمن موضوعات أخرى، ولن يثمر البحث في هذه المؤلفات قبل إجراء فحص شامل دقيق للمؤلفات العربية، وتتميز المؤلفات الطبية الإسلامية إلى جانب ضخامتها بما يلي:-
ا- تم تأليفها بلغات إسلامية متعددة كالعربية والفارسية والتركية (6) والأردية (7).

2- صدرت في مناطق عديدة في إفريقيا وأوروبا وآسيا، وفي آسيا وحدها صدرت هذه المؤلفات في مناطق شاسعة، تمتد من تركيا إلى الهند ومن ترانزوكسيانا إلى شبه الجزيرة العربية.

3- نشأت هذه المؤلفات عن أصل يوناني ثم اكتسبت زخمأ وافرا من المصادر السريانية (8) والإيرانية (1) والهندية (10). 

4- كانت هذه المؤلفات ثمرة جهود نخبة كبيرة من العلماء، من أجناس وديانات مختلفة، فمنهم الساميون والآريون والفرس والمسلمون والمسيحيون والزرادشتيون والهندوكيون.

وعلى الرغم من أن معظم المؤلفات الطبية الإسلامية كتبت في العصور الوسطى، إلا أنها ليست مقطوعة الصلة بالعصور الحديثة، إذ إن أهم المصادر بالنسبة لعلماء الطب الإسلامي الحديث تتمثل في كتاب (الحاوي) (11) للرازي، و” كامل الصناعة ” (12) للمجوسي، والقانون (13) لابن سينا، وكتاب ” ذخيرة خوارازمشاه ” (14) لمؤلفة إسماعيل الجرجاني. وعند مقارنة هذه الأعمال بما تلاها من مؤلفات طبية سنجد أن هذه الأخيرة لم تخرج كثيرأعن الخط الأساسي الذي وضعته تلك المؤلفات القديمة، وتبرر هذه الظاهرة وحدها إجراء بحث دقيق يستهدف الإجابة أولا (15) على تساؤل هام: ” هل اقتصر العرب على نقل الحكمة والمعرفة عن اليونانيين، أم إنهم أضافوا إليها من علمهم واكتشافاتهم؟ ” ويتمثل الهدف الثاني من هذا البحث فيما سوف يتمخض عنه من نتائج فعالة لتطوير فن العلاج والشفاء.

ويتطلب مثل هذا البحث أن تأتلف لمن يتصدى له مجموعة من المؤهلات قل أن تتوفر لفرد واحد، منها إجادة اليونانية واللاتينية والسريانية والعربية والفارسية وحتى اللغة السانسكريتية. وإلى جانب المعرفة التامة بالطب يجب أيضأ الإلمام الكافي بعلوم الفلسفة والمنطق والفيزياء والكيمياء وعلوم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) وعلوم الأحياء الأخرى، إذ لم تكن الدراسة في العصور الوسطى مغرقة في التخصص كما هي الآن. وكان عالم العصور الوسطى يبرز في معظم فروع العلم والفن، مما يجعل من العسير على عالم العصور الحديثة أن يتصدى لقراءة أي من المؤلفات الكلاسيكية في الطب الإسلامي إلا إذا كان راسخا في عدة فروع من المعرفة وقد نسلم بأن مثل هذه الدراسة الشاملة والبحث المتعمق الذي يتطلب جهدا مضنيا وعلما واسعا قد لا يكون له مردود مجز، إذ إن أكثر الدراسات تعمقا لن تعود بنتائج عملية على من يزن الأمور بميزان المصلحة. الشخصية والمنفعة المادية.

ومنذ زمن بعيد في القرن الخامسة عشر الميلادي ترجمت بعض عيون الآثار الطبية الإسلامية القديمة مثل كتاب الحاوي لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي والقانون لابن سينا وغيرهما إلى اللغة اللاتينية، واعتمدت كتب مدرسية مقررة للتعليم الطبي في أوروبا لعدة قرون. ولذلك كان للطب الإسلامي تأثيره الخطير على تطور الطب الحديث،، يكفي هذا العامل وحده لإثبات جدوى الدراسة المتعمقة والأبحاث المستفيضة في الطب الإسلامي، على أن تأخذ هذه الأبحاث الاتجاهات الآتية:

ا- إعداد فهرس شامل لكل ما كتب في الطب الإسلامي بمختلف اللغات. 
2- إعادة النظر فيما ترجم إلى العربية مباشرة من اللغة اليونانية، أو بطريق غير مباشر من اللغة السريانية، كذلك إعادة النظر فيما ترجم إلى اللاتينية من المؤلفات العربية القديمة. 
3- اكتشاف المؤلفات المجهولة. 
4- تحقيق المخطوطات النادرة ونشرها. 
5- إعادة تحقيق ما حقق من مخطوطات وتنقيح النسخ المطبوعة. 
6 – ترجمة الكتب الطبية من لغة إلى أخرى. 
7- إعداد دراسة شاملة لتاريخ الطب الإسلامي.

ولنتناول الآن كل نقطة على حدة بشيء من التفصيل فنقول لم يصل إلى أيدينا من ذلك الفيض من المؤلفات الطبية التي صدرت في المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية إلا أقل القليل، حيث أدت عدة كوارث حلت بهذه المنطقة وبخاصة الغزو المغولي إلى تدمير الجزء الأكبر من هذه المؤلفات.

ويعلق البروفيسور براون على ذلك بقوله (16): ” عندما نقرأ كتاب الفهرس الذي تم تأليفه في عام 987 ميلادية، أي بعد مرور قرن كامل على العصر الذهبي، نجد فيه مرآة تعكس لنا ما بلغه العلم في ذلك العصر، ولكننا نقف أيضا على مدى الخسارة الفادحة التي مني بها ذلك العصر فيما بعد، فإذا أحصينا عدد المؤلفات التي سجلت في هذا الفهرس لن نبالغ كثيرا إذا قلنا إن نسبة ما يوجد لدينا الآن من هذه المؤلفات تقل عن واحد في الألف حتى ولو كانت ناقصة الأجزاء ، 

فلقد أدى المغول الملاعين مهمتهم التخريبية بكل حرص وإتقان، ولم ينج من الثقافة الإسلامية بعد نهب بغداد في عام 1258 ميلادية إلا أقل القليل، ومن نافلة القول أن مؤلفات الطب الإسلامي قد واجهت نفس المصير الذي واجهته مؤلفات العلوم الأخرى ، لذلك فإن ما بقي منها لا يذكر إلى جانب ما تم إحراقه، وزيادة على ذلك، لا نجد هذه المؤلفات التي بقيت في مخطوطات أصلية يمكن الاعتماد عليها. وأبرز المؤلفات القديمة سواء ما كتب منها باللغة العربية أو اللغة الفارسية كفردوس الحكمة (17) لعلي بن ربن الطبري، أو ” كتاب الحاوي ” (68) للرازي، أو ” هداية المتعلمين في الطب ” (19) للأخويني أو ” كتاب الصيدلة ” (20) للبيروني أو ” كامل الصناعة ” (21) للمجوسي، أو ” ذخيرة الخوارزمشاهي ” (22) لإسماعيل الجرحاني لم تصل إلينا منها نسخة واحدة خطتها يد مؤلفها أو حتى خطها كاتب معاصر لمؤلفها. 
ويدعونا ذلك إلى التفكير في إنشاء مركز أبحاث كبير للقيام بمهمة البحث العلمي في الطب الإسلامي، وإعداد برامج الأبحاث التي نقترحها هنا والعمل على تنفيذها، وأول مهمة يجب أن يتصدى لها مثل هذا المركز هي إعداد فهرس ضخم لكل المؤلفات الطبية الإسلامية.

من المعروف أن الآثار الطبية اليونانية ترجمت إلى اللغة العربية في أوائل عهد الخلفاء العباسيين (23). ومما يزيد من أهمية هذه الترجمات أن بعض آمن أصولها اليونانية مفقود الآن. ولكن من سوء الحظ أن عددا قليلا نسبيا من هذه الترجمات متاح حتى ولو على شكل مخطوطات، مما يعيق الحكم على دقتها وأمانتها. وقد تمت بعض هذه الترجمات بصورة مباشرة من أصلها اليوناني، أما البعض الآخر فقد ترجم إلى العربية من ترجمات سريانية لنصوص يونانية، وليست هذه الترجمات غير المباشرة ذات مستوى رفيع. وإلى جانب ذلك فإن الترجمات التي تمت بعد بعدة قرون لنقل المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية ليست ممتازة، وعلى كل من يدرس الطب الإسلامي دراسة جادة أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار؟ ففي المخطوطات النادر ” فردوس الحكمة ” (24) للطبري نجد كلمة كتبت مرتين بشكلين مختلفين وكلتاهما تعني ” صداع ” وفي كلتا الحالتين كانت التهجية خاطئة؟ إذ نجدها مرة ” سنوريا ” ومرة أخرى ” سورتا ” والمقصود بهما الكلمة السريانية ” سانوارتا Sanawartaويرى البروفيسور براون أن أصل هذه الكلمة هي الكلمة الفارسية ” سربند ” أو ” سروند ” ويوضع حرف (ر) قبل حرف (ن) مع إضافة حرف المد “أ” في اللغة السريانية نجد أن النتيجة هي كلمة ” سا نوارتا ” السريا نية.

ويوضح هذا المثال نوع المشاكل التي يمكن أن يعاني منها من يتصدى لقراءة المؤلفات الطبية العربية القديمة أو لترجمتها، ويعاني من هذه المشاكل أكثر منهما من يتصدى لتحقيق هذه المؤلفات، وكما ذكرنا من قبل فلقد فقد الجزء الأعظم من المؤلفات الطبية الإسلامية، وهناك عدد ممن نعرفهم من الأطباء ومؤلفي الكتب الطبية لم يبق من مؤلفاتهم أي أثر، بينما يوجد عدد آخر وصل إلينا من مؤلفاتهم ما لا يكاد يصل إلى النصف ولا أكاد أذكر مؤلفا واحدا بقيت جميع مؤلفاته سليمة.

لذا يجب أن ينسق المهتمون بالطب الإسلامي جهودهم حتى يجد فريق ما ينقص لديه من مخطوطات عند الفريق الأخر ويستكملون بذلك الحلقات المفقودة، وهذه مهمة شاقة ولكنها لا بد أن تؤتى ثمارها إذا اتخذ البحث هذا الاتجاه.

ومما لا شك فيه أن بعض العلماء قد نجحوا في العثور على بعض المخطوطات النادرة، وقد تم تحقيق عدد منها مؤخرا كما تم نشرها، ومن أمثلة ذلك فردوس الحكمة ” الذي حققه المرحوم الأستاذ محمد زبيرصديقي في عام 1928 وهداية المتعلمين للأخويني الذي تم تحقيقه بالرجوع إلى محطوط قديم يرجع تاريخه إلى عام 478 هجرية، (وهو يأتي في المرتبة الثالثة بين أقدم المخطوطات المكتوبة باللغة الفارسية)، والمثال الثالث هو كتاب الأبنية (25) وقد تم عمل دراستين نقديتين عنه مع تحقيقه وعمل نسخة طبق الأصل منه بناء على مخطوط رائع نقله عنه وعام 447 هـ الشاعر والكاتب الفارسي الجليل أسدي توسى (مات في عام 465 هجرية).

ويوجد العديد من المخطوطات النادرة لنصوص طبية باللغتين العربية والفارسية في مكتبات مختلفة في أنحاء العالم، ويجب بذلك جهود لتحقيق هذه المخطوطات وإعداد دراسات نقدية عنها.

نأتي الآن إلى الاقتراحات الخاصة بإعادة تحقيق المخطوطات التي سبق تحقيقها وتحقيق النصوص المطبوعة؟ فالنصوص التي سبق تحقيقها على أساس مخطوط واحد أو بعض المخطوطات الناقصة يمكن زيادة تنقيحها عند الحصول على المزيد من المخطوطات ذات العلاقة. وعلى سبيل المثال، قام العالم التركي الفذ المرحوم الأستاذ زكي فاليدي طوغان بتحقيق جزء من كتاب البيروني ” كتاب الصيدنةSaydanah كتب عنه تقريرا بعنوان ” صفة المعمورة عند البيروني لما وجاء فيه بمعلومات جغرافية ونشره تحت رقم 53 في مجلة جمعية الآثار الهندية في دلهيMemoits of the Archao eliogical Survery of Indin No 53, Delhi, وقد تم تحقيقه لهذا الجزء من كتاب البيروني على أساس مخطوط تحتفظ به مكتبة كورشونلو جامي Kurshunlu Gamiفي بروسيا Brussa بتركيا قام بنسخه في عام 678 هجرية في قونيا الطبيب غضنفر التبريزي (26) وهو من معاصري مولانا جلال الدين الرومي، ويوجد بهذه النسخة ثغرات كبيرة في خمسة مواضع على الأقل ونتج عن ذلك اختفاء الفقرات الآتية، 
من بانتكان إلى بقلة الحرس 
من تين إلى جند بيد ستر 
من الدمرام إلى زيب 
من سويق إلى صبر 
من قطران إلى كرم

وعندما اكتشف فيما بعد مخطوطان آخران أحدهما في مصر والآخر في بغداد كانت النتيجة ملء هذه الثغرات (27) في النسخة المحققة من كتاب ” كتاب الصيدنة ” الذي طبع في كرا تشي بالباكستان عام 1973 م.

ويلاحظ أن هناك ظواهر معينة في حروف الكتابة العربية والفارسية كالنقط التي توضع فوق بعض الحروف أو تحتها، وهي تختلف من نقطة واحدة إلى ثلاث نقاط، وهناك حروف تتغير أشكالها عند اتصالها بحروف أخرى. ومن الحروف ما يتصل بغيره ومنها ما لا يتصل به. ومن هذه الحروف ما لا يتصل بغيره إلا إذا جاء بعده ولا يتصل به إذا سبقه، وهناك أيضأ الشك في نهاية بعض الكلمات. ولقد لعبت هذه الظواهر دورا كبيرا في إشاعة الفوضى في المخطوطات العربية، وكانت الفوضى أعم وأشمل في المخطوطات الفارسية، ونتج عن لك أنك لا تجد مخطوطين لنص واحد يتفقان في جميع الوجوه، ومن ثم فإنه كلما كان الكتاب واسع الانتشار كلما زاد اختلافه عن الأصل، وتبرر هذه الظاهرة إعادة تحقيق ونشر جميع النصوص الطبية بدون استثناء. وينبغي أن تستمر هذه العملية إلى أن يأتي الوقت الذي نطمئن فيه تماما لصحة النصوص بما لا يدع أي مجال للثمك. وباختصار شديد ما زالت النصوص الطبية المطبوعة سواء بالعربية أو الفارسية بعيدة كل البعد عن الشكل النهائي الذي يجب أن تكون عليه، ولنتصور خطورة الأخطاء في هذه النصوص خاصة إذا حدثت هذه الأخطاء في وصف علاج أو دواء. وأذكر أنني كنت أجمع النص المطبوع لكتاب فارسي شهير بعنوان ” اختيارات البديع Ikhtiatut – I – Badii من مخطوط بالغ القيمة. وفي أحد المواضع كان يوجد بالنص المطبوع الكلمات ” ينج درم ” وهي تحريف للكلمات ” بيخ دي. ويمكننا إدراك ما ينتج عن قراءة وصفة طبية مبنية على نص محرف، وفي النص العربي المطبوع عن ” القانون ” لابن سينا نجد اسما لمرض غامض ” قرانيطس Qaranitus ويتضح أنها قراءة محرفة لكلمة ” فرانيسطس 

وبعد عرضه لهذه الآراء يقص علينا أروزي حالة مريض تم له الشفاء بالدعوات والصلاة، ثم يقوله: ” كنت أعرف أن هذا (الشفاء) قد تم ببركات فاتحة الكتاب، وأن هذا الشراب قد أعد بتوجيه من الله، وكأنه أعد في المستشفى الرباني. ولقد اكتسبت خبرة عظيمة من هذه الحالة وصرت فيما بعد أصف هذا العلاج في كثير من الحالات وثبت نفعها وشفى به الكثير من المرضى. لذلك يجب أن يكون إيمان الطبيب بربه قويا راسخا وأن يراعى أوامر الله ونواهيه “.

ثم يعطينا المؤلف قائمة بأسماء الكتب التي يجب أن يدرسها كل من يتطلع إلى مهنة الطب: 
أ- ” فصول بقراط ” (35)، ” مسائل حنين بن إسحاق “، ” المرشد ” (36) لمحمد بن زكريا الرازي، ثم ” شرب النيلي ” (37). وبعد دراسة هذه الكتب على يد معلم كريم، ينبغي أن يتخير الطالب أستاذا متعاطفا معه لتدريسه كتبا متوسطة منها ” الذخيرة Thesaurus لثابت بن قرة (38)، أو المنصوري (39)، لمحمد بن زكريا الرازي، أو ” التوجيه ” The Direction لأبي بكر الأخواني، أو ” الكفاية ” (.40) Sufficiency لأحمد بن فرج، أو ” الأهداف ” (1″) لسيد إسماعيل الجراجاني.

وبعد ذلك، يجب على الطالب أن يحصل على أحد الكتب الشاملة الآتية ليقرأه بتوسع في أوقات فراغه

” الرسائل الستة عشر (42) لجالينوس، أو Continens وهي الترجمة اللاتينية لكتاب ” الحاوي ” لمحمد بن زكريا، أو كتاب الملكي Liber Regius لعلي بن العباس المجوسي، أو الفصول العشرة 3 Ten Chaptersلأبي سهل المسيحي (43)، أو القانون لأبي علي بن سينا. وينتهي الأروزي إلى القولي بأن ” للطالب أن يكتفي بقراءة القانون لابن سينا إذا أراد أن يبتعد عن المؤلفات الأخرى ” ويضع الأروزي ابن سينا في المرتبة التالية لأرسطو ويمتدحه بأرفع الصفات قائلا: ” إن ابن سينا هو المفكر الوحيد خلال هذه القرون الخمسة عشر الذي سبر غور الفلسفة الأرسطوطالية وامتلك ناصيتها.

ويستطيع الطلاب الذين يتم إعدادهم بهذا الشكل الجيد أن يتصدوا لمهام البحث العلمي في الطب الإسلامي خاصة فيما يتعلق منه بمؤلفاته.

ولا بد أن تظهر جهودهم قي هذا المجال أن أهمية الطب الإسلامي لا تكمن فقط في نقل الحضارة اليونانية القديمة بعلومها وفلسفتها إلى الأجيال التالية، ولكنها تكمن أيضأ في اصالته وإثرائة لهذه العلوم بما أضاف إليها من تفسيرات واكتشافات جديدة.

وأخيرا، يجدر بنا أن نلاحظ أن المجموعة التي تتألف منها مقررات بعض كليات الطب الإسلامي في الهند لا تخدم أهداف هذا الطب على الوجه الصحيح، بمعنى أن معظم الخريجين الذين يتم إعدادهم في هذه الكليات يلجئون إلى أسهل الطرق للتخلص من صعوبة هذه المقررات، وذلك باتباع وسائل الطب الحديث في حين أنهم لسوء الحظ لم يهيئوا له. وتكون النتيجة أنهم لا يستطيعون إثبات كفاءتهم في أي من المجالين.

ولقد حان الوقت لأن تطور المعاهد الحديثة للطب الإسلامي مقرراتها الدراسية، بحيث ينال الطب الإسلامي ثقة خريجي هذه المعاهد، ويصرون على الاستمساك به باعتباره الوحيد الذي تم إعدادهم إعداد قويا لممارسته وبهذا يمكننا الإعلاء من شأن الطب الإسلامي وخدمة أهدافه.

المراجع

ا- ألف ليلة وليلة Nights 449- 454. ونجد هذه القصة في كتاب ” الطب العربي ” Arabian Med. للبروفيسور إ .ج براون كامبريدج 1962 – ص 31- 
2- نظامي أر وزي سمرقندي تحقيق ونثر القزويني لايدن. 
3- كتاب الفهرس: من أشهر وأشمل المؤلفات التي تعطي معلومات وافية عن سائر المصادر التي تتناول الثقافة الإسلامية. وقد ألفه ابن النديم عام 377 هجرية وتوفي في عام 5 38 هجرية. 
4- علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي (توفي عام 646 هـ) كان من أشهر العلماء. ويمكن الحصول على كتابه! تاريخ الحكماء في نسخة مطبوعة- القاهرة- 1346 هـ. 
5- موفق الدين أبو العباسي أحمد بن قاسم بن خليفة الذي اشتهر بابن أصيبعة (توفي عام 668 هـ) ألف كتاب ” عيون الأنباء في طبقات الأطباء لا عن السيرة الذاتية لأربعمائة طبيب إسلامي إلى جانب أطباء من بلاد أخرى أهمها اليونان. يمكن الحصول عليه في نسخة مطبوعة. طبعة القاهرة في مجلدين، 1882م. 
6- يمكن تكوين فكرة عن المؤلفات الطبية باللغة التركية من مقال نشره جوليوس جرمانوس في مجلة ” الثقافة الإسلامية حيدر أبار، رقم 8، 1934، ص ا- 4 1. 
7- على الرغم من أن الأردية ليست من اللغات الموغلة في القدم إلا أن مئات الكتب في الطب الإسلامي كتبت بهذه اللغة وما زال هذا التقليد متبع حتى الآن، وتستعمل اللغة الأردية كلغة تدرس بها مواد الطب الإسلامي في معاهد الطب الإسلامي بالهند والباكستان، 
ولقد ترجمت بعض الآثار الطبية إلى اللغة الأردية منذ زمن بعيد ومنها القانون وكامل الصناعة والملكي، “ونشرت في عام 1889 بينما ترجم كتاب ذخيرة الخوارزمشاهي عام 1883. 
8- ترجمت الآثار الطبية اليونانية إلى اللغة السريانية في القرن السادس الميلادي، ولم يبق الكثير من هذه الترجمات التي نقل معظمها إلى اللغة العربية، ولكن يمكننا تكوين فكرة عن نوعيتها من الترجمة الفرنسية التي قام بهاM.H. Pognon للنسخة السريانية من فصول بقراط، وكذلك من الكتاب السرياني لأنواع الطب الذي ألفه دكتور بدج (الطب العربي، ص 21- 22). 
9- قبل ميلاد نبينا محمد صلى الله علية وسلم كانت تسود تقاليد المدرسة الساسانية القديمة لجند شابور، وفي زمن الرسول بلغت هذه المدرسة أوج مجدها، وكان تعليم الطب في هذه المدرسة يتم باللغة اليونانية، ولكن كانت الفارسية تستعمل أيضأ خاصة في مادة الأقرباذين (نفس المرجع).

أنظر أيضا كتاب تاريخ العرب Hist. Of Arabs فيليب ك. هيتي Hitti نيويورك، 68 9 1 صح9 0 3. 
10- نتبين ما كان للطب الهندي من تأثير عندما نقرأ المقالة الرابعة والمقالة الأخيرة من الجزء السابع من كتاب فردوس الحكمة لعلي بن ربن الطبري. والكتاب يوجز الطب الهندي في 36 فصلا (طبعة برلين 1928، ص 557- 0 0 6) ويذكر أبو منصور موفق بن عاب الحيراوي في كتاب الأبنية (المقدمة ص 4) أن الطب الهندي كان منفصلا عن الطب اليوناني. وتجدر ملاحظة أن الطب اليوناني اتصل بالطب الهندي اتصالا وثيقا في الهند ونتج عن ذلك أن العديد من علماء الطب الإسلامي ألفوا كتب عن الطب الهندي وبرزت في هذه المؤلفات أسماء ميان بهوفا وزير السلطان سيكاندر لودي (894- 923 هـ.)، ومحمد قاسم فيريشتا. 
11- كتاب الحاوي: الذي ألفه الرازي (توفي عام 323 هـ) تم جمعه بعد وفاته بوساطة تلاميذه، ولكن نظرا لضخامة حجمه لا يسهل العثور علي المجموعة الكاملة من مخطوطاته، ولم يعثر علي بن عباس المجوسي الذي كتب بعد وفاة” الرازي بما لا يزيد عن خمسين أو ستين عاما إلا على نسختين كاملتين (كامل الصناعة، طبعة القاهرة، المجلد الأول: صح5، 6) ولقد تم تحقيق كتاب الحاوي مؤخرا ونشرنه دائرة المعارك في حيدر آباد على أساس مخطوط إسكوريال النادر؟ إلا أنه يمكن الحصول على مخطوطات غير مستكملة من هذا الكتاب في المكتبات الهندية والأجنبية، ولكن الترجمة اللاتينية له نشرت في برشيا Brescia عام 1486م ثم في البندقية عام 1542م.

ا لدكتور/ نظير أحمد – الهند

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *