المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة

إن المعطيات العلمية في القرآن والسنة في مختلف فروع العلم متعددة ومتنوعة وتتجه كلها لإقرار حقيقة واحدة كبرى، هي سنة الله تعالى في خلقه وتقديره في ملكوته. وليس في حقائق العلوم شيء إلا وله في القرآن العظيم أصل، وله في السنة المشرفة أساس. والعلم الباحث في هذا النطاق يسمى بعلم الإعجاز العلمي. والمقولة الأساسية لهذا العلم أن كل حقيقة علمية هي في الأصل حقيقة قرآنية، وأن الوحي الإلهي في القرآن والسنة قد يسرا تفسير هذه الظواهر الكونية والعلمية لاجتهاد المتخصصين من العلماء على مر العصور. وبقدر ما يتضمن هذا العلم من فوائد جمة بقدر ما يتضمن المخاطر العظيمة أيضاً. كيف هذا؟

مقـــدمة:

إن المعطيات العلمية في القرآن والسنة في مختلف فروع العلم متعددة ومتنوعة وتتجه كلها لإقرار حقيقة واحدة كبرى، هي سنة الله تعالى في خلقه وتقديره في ملكوته. وليس في حقائق العلوم شيء إلا وله في القرآن العظيم أصل، وله في السنة المشرفة أساس؛ كما قال تعالى: “ما فرطنا في الكتاب من شيء” (الأنعام: 38).

وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: “جميع ما يقوله البشر من حق، تفسيراً للسنة النبوية المشرفة، وجميع ما تقوله السنة المشرفة تفسيراً لما هو موجود في القرآن الكريم”. من هذا تفهم أن كل حقيقة علمية هي في الأصل حقيقة قرآنية، ويسر الوحي الإلهي في القرآن والسنة تفسير هذه الظواهر الكونية والعلمية لاجتهاد المتخصصين من العلماء على مر العصور. ففي كل عصر يجد الناس علماً جديداً لم يكن فهمه متاحاً لمن سبقهم من الناس في عصور مضت. وسيظل القرآن والسنة رسالتين متجددتين للناس جميعاً منذ لحظة التنزيل وإلى يوم القيامة.

ومن البديهي في مجال الإعجاز العلمي أن يتركز البحث في الإشارات العلمية التي ذكرت في أكثر من ألفي آية قرآنية وفي الأحاديث النبوية ذات الطابع العددي، فضلاً عن الإعجاز اللغوي والبياني والتاريخي. وهنا يجب الالتفات إلى أصل بالغ الأهمية: فما جاء في الشرعيات قد وضح الحق فيه تماماً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل التحاقه بالرفيق الأعلى. لذلك فهي خارج مجال البحث العلمي، إلا فيما يخص الإعجاز في: أسلوب التشريع، وتطبيقه، والإبداع العلمي في العبارات والمعاملات. وقد قال ابن عطية في المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: “إن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحاط بالكلام كله علماً، فإذا ترقبت اللفظة في القرآن الكريم تجد أن الله علم أي لفظة تصلح أن تلي سابقتها، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره”.

والذي يتدبر القرآن الكريم يجد كل سورة مرتبطة بالسورة التي بعدها وبالسورة التي سبقتها. كما أن آخر سورة مرتبطة بالسورة التي قبلها وبأول سورة في القرآن الكريم. والآيات الكريمة في أي سورة من السور مرتبطة ببعضها البعض في المعنى ارتباطاً كاملاً. ونفهم من كل ذلك أن القرآن الكريم متصل ببعضه اتصالاً وثيقاً.

أما الأسلوب البلاغي في الوحي الإلهي فهو أسلوب بلاغي معجز، يعجز أن يأتي بمثله البشر، ويجد علماء اللغة فيه أوجهاً لا حصر لها من وجوه الإعجاز العلمي، وهذا باب آخر من أبواب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. ومن إعجاز القرآن والسنة أنه جاء بكليات العلوم مجتمعة في كلماته، وترك تفصيلاتها لفكر الإنسان في كل عصر من العصور بقدر ما آتاه الله من علم. ومن أهم الأمور في منهج دراسة الإعجاز العلمي عدم فصل الحقائق العلمية المذكورة في الآية الكريمة عن مقصد الهداية الدينية فيها، والتي هي لخير الإنسان في الدنيا والآخرة.

والدارس للوحي الإلهي يجد أن الحقائق العلمية قد صيغت في أسلوب بلاغي معجز، فهم الناس منه في كل عصر من العصور السابقة على قدر علمهم، فلم ينكروا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية شيئاً. إلا أن الوحي الإلهي لم يوافق الناس على خطأ معتقداتهم العلمية قديمًا، حيث كان كل من القرآن والسنة يذكران الحقائق العلمية الصحيحة، ولم يغادرا منها شيئاً، حتى إذا جاءت عصور العلم وجد الناس أن ما اكتشفوه من الحقائق العلمية مذكوراً في القرآن والسنة، فلم ينكروا من القرآن والسنة شيئاً. وهذا الأسلوب البلاغي في صياغة الحقائق العلمية في القرآن والحديث النبوي من أعجب أوجه الإعجاز العلمي والبلاغي.

ومن أمثلة ذلك اللون الفضفاض زمنياً من الإعجاز أنه عندما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجم في السماء، وقال: “أتدرون ما بينكم وبين هذا النجم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينه خمسمائة عام”. فهم الناس قديماً من الحديث الشريف أن المسافة بين الأرض وذلك النجم قدر ما يسير راكب الدابة خمسمائة عام، حتى إذا جاءت عصور العلم الفضائي المتقدم علم الناس أنها خمسمائة سنة ضوئية، ولقد أشار الحديث الشريف إلى ذلك تلميحاً، إذ يستحيل الوصول إلى نجم في السماء على ظهر دابة.
ومن أمثلة ذلك أيضا قول الله عز وجل: “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم” (يس: 38)، فهم الناس من الآية الكريمة الحركة الظاهرية للشمس فهي تجري أمامهم في السماء من المشرق إلى المغرب كل يوم، فلم ينكروا من الآية الكريمة شيئًا، حتى إذا جاءت عصور العلم واكتشف العلماء حقيقة جري الشمس في السموات وجدوا أن الآية الكريمة تذكره صحيحاً، فلم ينكروا من الآية الكريمة شيئاً.

وما ذكرت الحقائق العلمية في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لمجرد السرد العلمي، وإنما ليستدل بها قارئ الآية أو الحديث على حقيقة أخرى تدل على قدرة الله تعالى في خلقه أو على رحمته بعباده، أو تدل على حقيقة وجود الله تعالى ووحدانيته، أو ليتخذ الإنسان منها بطريق القياس والاستنباط، الدليل على حقيقة غيبية مثل حقيقة البعث بعد الموت، مثل قول الله عز وجل: “يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْميِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُون” (الروم: 19). فالآية الكريمة تلفت نظرنا إلى حقيقة دورة الحياة والموت التي تتدفق أمامنا في الدنيا في صورة العمليات المتعددة لإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في عالم النبات وعالم الأحياء جميعاً، وفي إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر عليها، فيسهل علينا بطريق الاستدلال العلمي التعرف على حقيقة الحياة بعد الموت يوم القيامة. واستقرار الإيمان بها في القلب عن طريق العقل، وهذا أفضل الإيمان، فالذي صدق معنا فيما نرى ونعلم في الدنيا صادق معنا فيما لا نرى ولا نعلم في الآخرة. ومن ذلك نفهم – يقيناً – أن بيان الإعجاز العلمي في أية آية قرآنية أو حديث نبوي من دون ربطه بالهداية الدينية التي تعقب بها الآية والحديث يعد بياناً ناقصاً منا أو بحثاً غير مكتمل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *