الطب النبوي

الطب النبوي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

بنيت بحثي هذا على خمس عشرة مقدمة رأيت أنه من الضروري إبرازها من أول الأمر إذ عليها قام البحث ومنها استخلص ما تيسر لي من نتائج :

أ- إن الدين الإسلامي دين حرر الفرد وخلصه من كان ما حملته الشرائع السابقة من آثام البشرية فيما مضى كما فتح له سبيل التسامي بتطهير روحه من دنس المعصية بالعبادة والتوبة. فأغناه صح تعذيب نفسه أو تحميلها المشاق.

2- إنه كرم الإنسان بتحميله أمانة الخلافة في الأرض . وأعانه على ذلك بنعم الوحي والعقل والإرادة والقدرة.

3- إن الوحي له ميدانه وهو مالا يستطيع العقل أن يصل إليه أصلا ، ولا يقدر على بلوغه في اطمئنان على أنه على حق ، كالغيب وتفاصيل العبادة والتشريع . فإن العقل يبدو عاجزا عن الإدراك الكامل للذات الإلهية أو لشؤون الحياة الآخرة ، أو لما طواه الزمن وذهبت آثاره الدالة عليه ، أو لما سيحدث في المستقبل أو للطريقة التي يرتضيها رب العزة في التقرب لعلي ذاته ، أو التشريع الذي يحدد علاقات البشر والمجموعات الإنسانية تحديدا لا يحابي ولا يختلف ( وكذلك أوحينا روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) (الشورى : 52 ـ 53 ) . 

4- إن العقل له ميدانه فكل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان بعقله أوكله الله إليه ليحقق معنى الخلافة وينعم بثمرات كشوفه ويثاب على اجتهاده وحسن تصرفه. وهنا جاءت الآيات الداعية إلى النظر أمرا وحثا، أو تفريعا وتوبيخا على الكسل والتراخي.

5- إن كل ما بلغنا عن رسول الله r من وحي، قولا كان أو فعلا ، أو تقريرا قرآنا أو سنة هو حق وصدق ، ورفضه تكذيب وردة

6- إن الرسول r بعد أن أكرمه القه بوحي زاد ذكاؤه قوة ، وفطنته إشراقا وتألقا ، ولم يعدم صفته الإنسانية: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ) (فصلت 7/6).

7- إن الرسول r لم ينخلع عمل كل معارفه وتجاربه. بمجرد أن أكرمه الله بوحيه.. فقد ربي في قريش وبقى يحتفظ بكثير من العادات الطيبة التي لم يزدها الوحي إلا رسوخا وصلة أوضح بالله . روى البخاري ومسلم ومالك. واللفظ للبخاري عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله r بيت ميمونة فأتى بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله r بيده فقال بعض النسوة أخبروا رسول اللله r بما يريد أن يأكل فقالوا هو ضب يا رسول الله. فرفع يده فقلت أحرام هو يا رسول الله ؟ فقال لا. ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ، قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله r ينظر. 

8- إنه لا يعرف بشر في الدنيا اعتنى الناس بحفظ أقواله وأفعاله وتقريراته و طريقة صفاته كما تم ذلك لرسول الله r فقد نقل الصحابة كل ما شاهدوه أو سمعوه منه، كما كان شوق التابعين لمعرفة كل شيء عن حياة رسول الله شوقا قويا فسألوا الصحابة وحفظوا وبلغوا، جازاهم الله عن هذه الأمة خير جزاء وأوفاه. نقلوا حياته، في بيته في ليله ونهاره، ويقظته ونومه، في السوق وفي المسجد، في الحضر وفي السفر. في السلم وفي الحرب، في الصحة وفي المرض، مع أسرته ومع أصحابه ومع أعداء الإسلام، في مجلس القضاء والحكم، وفي مجلس الوعظ والإرشاد، ونبين أحكام الله . وقد يبلغ الوصف هذا من الدقة ينقل الدارس إلى المدينة المنورة فيرتوي بخياله من الصورة الوضيئة كأنه عاش عصر النبوة وسعد بالصحبة .

9- إن رسول الله r وهو يتصرف بالقضاء هو غيره وهو يرشد الناس أو يتصرف بالفتوى وبيان أحكام الله أو ينزل الحكم على الواقعة المعينة. وهو يخبر عن الله غيره وهو يخبر عن تجاربه وما أدركه من معرفة ذاتية غير متصلة بوحي الله وقد يشتبه الأمر على الصحابي فيسأله كما في أكل لحم الضب أحرام هو يا رسول الله ؟.

10- إن المتتبع للسنة لابد أن يعرف وجه تصرفه r . وقد أشار إلى هذا الإمام شهاب الدين القرافي في “الفروق ” في الفرق السادس والثلاثين قال (إن غالب تصرفه بالتبليغ لأن وصف الرسالة غالب عليه ثم تقع تصرفاته r منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا. ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة. ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى. ثم تصرفاته بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة فكل ما قاله r أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة، فإن كان مأمورا به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح. وإن كان منهيا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه. وكشف ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه السلام ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك. وما تصرف فيه جمع بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به r ولأن السبب الذي لأجله تصرف r يوصف القضاء يقتضي ذلك . 

فالعمل بالسنة الثابتة عن رسول الله متوقفة على التعرف على الجهة التي عنها صدر فإذا علمنا الجهة يقينا كان علمنا ذاك موجها لقيم النصر وللعمل به.

وقد ذكر الأصوليون أن فعله r إن كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب أنه مباح وما اقترن فيه أمر العبادة . كركوبة في الحج فالظاهر إلحاقه بالمباح. 

11- إن عدم التأثير في وجه تصرفه قد تسبب عنه مضايق كثيرة وتمحلات في الإجابة لا ترتاح لها النفس ولا يطمئن لها المتأمل. وقد فصل القول في ذلك الشيخ محمد الظاهر ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة يقول. إن لرسول الله r صفات وأحوالا تكون باعثا على أقوال وأفعال تصدر منه فبنا أن نفتح لهـا مشكاة تضيء في مشكلات كثيرة لم تزل تعنت الخلق وتشجي الخلق. وقد كان الصحابة يفرقون بين ما كان من أوامر الرسول r صادرا في مقام التشريع وما كان صادرا في غير مقام التشريع وإذا أشكل عليهم أمر سألوا عنه. ففي الحديث الصحيح أن بريرة لما أعتقها أهلها كانت زوجة لمغيث العبد فملكت أمر نفسها بالعتق فطلقت نفسها وكان مغيث شديد المحبة لما وكانت شديدة الكراهية له فكلم مغيث رسول الله r في ذلك فكلمها رسول الله في أن تراجعه فقالت : أتأمرني يا رسول الله ؟ قال: لا لكني أشفع. فأبت أن تراجعه ولم يثربها رسول الله r ولا المسلمون.

تم يقول وقد عرض لي الآن أن أعد من أحوال رسول الله r التي يصدر عنها قول منه أو فعل اثني عشر حالا. منها ما وقع في كلام القرافي ومنها ما لم يذكره. وهي: التشريع ، والفتوى ، والقضاء، والإمارة، والهدي ، والصلح ، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس ، وتعليم الحقائق العالية ، والتأديب والتجرد عن الإرشاد.

ثم أخذ يحلل التجرد عن الإرشاد . فقال إن التجرد عن الإرشاد يتعلق بغير ما فيه التشريع والتدين وتهذيب النفوس وانتظام أمر الجماعة. ولكنه أمر يرجع إلى العمل في الجبلة وفي دواعي الحياة المادية، وأمره لا ينتبه فإن رسول الله r يعمل في شؤونه البيتية ومعاشه الحيوي أعمالا لا يقصد منها إلى تشريع ولا إلى طلب متابعة. وهذه كصفات الطعام واللباس والاضطجاع والمشي والركوب ونحو ذلك، سواء كان خارجا عن الأعمال الشرعية كالمشي عن الطريق والركوب في السفر أم كان داخلا في الأمور الدينية كالركوب على الناقة في الحج والهوى باليدين قبل الرجلين في السجود عند من رأى أن رسول الله r أهوى بيديه قبل رجليه حين أسن وبدن وهو قول أبي حنيفة وكذلك ما يرويه أن النبي r نزل في حجة الوداع بالمحصب الذي هو خيف بني كنانة ويقال له الأبطح فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم هجع هجعة ثم انصرف بمن معه إلى مكة لطواف الوداع . فكان ابن عمر يلتزم النزول به في الحج فيراه من السنة كما فعل رسول الله r.

وفي البخاري عن عائشة أنها قالت إنما كان منزلاً ينزله رسول الله r ليكون أسمح لخروجه تعني بالأبطح. تم روى عن ابن عباس: ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله r ويقولها قال مالك.

12- إن إشارة الرسول r على بعض أصحابه بتناول نوع من أنواع الأدوية المادية بعد ثبوت صحة الحديث لا يخلو أمر تلك الإشارة من أن تكون تبليغا لوحي أوحاه الله إليه، أو اجتهادا منه r أو اقتناعا بما كان معروفا عند بعض أهل الطب من بني قومه وعلمه.

فإذا كان إخبارا بما علمه أن تجارب عصره فليس في هذا ما يدل على حكم شرعي ولا هو من قبيل ما يشرع فيه الاقتداء لا وجوبا ولا ندبا.

إن كان نتيجة اجتهاد فهو اجتهاد في أمر دنيوي فهو غير دال على العصمة فيه. وإذا انتفت العصمة من الخطأ التي ضمنها الله لرسوله في التشريع خاصة وفي تبليغ الوحي، إذا انتفت العصمة فالاتباع لم يشرع.

روى الإمام مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله r بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء فقالوا يلقحون يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله r ما أظن يغني ذلك شيئا. قال فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله بذلك فقال إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إن حدثتكم عن الله شيئا فخذوه فإني لن أكذب على الله .

يقول الإمام المازري وأما أمر الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان رسولا مفضلا من أجلها فغير بعيد أن يخيل إليه في شيء من أمرها مالا حقيقة له. 

وفي رواية عن رافع بن خديج أنه قال إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر وفي رواية أنس أن رسول الله r قال أنتم أعلم بأمور دنياكم.

إن تمام القصة حسب الروايات الثلاث التي رواها أصحابه طلحة ورافع بن خديج وأنس بن مالك تؤكد نفي العصمة فيما كان من أمور الدنيا لا يرجع إلى الوحي وإنما تصرف فيه لمجد بوصف البشرية.

وقد تكون إشارته بتناول نوع من الأدوية مع قيام قرينة على أنه إنما تصرف فيه بوحي أوحي إليه كما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال جاء رجل إلى النبي ولا فقال إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه قال إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال صدق الله وكذب بطن أخيك .

وعند مسلم ثم جاء الرابعة فقال اسقه عسلا فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله r : صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فبرأ. 

إن ما كان من طريق الوحي لا يفيد النص إلا أنه نوع من أنواع الأدوية لا يتجاوز الحالة التي وصفها رسول الله r إلى غيرها إلا إذا ثبت تساوي الحالتين. ذلك أن الأبدان يختلف تركيبها والأمزجة يختلف قبولها وتلاؤمها مع الأدوية وحتى مع الأطعمة. أذكر أن صديقا لي وكان طبيبا تزوج بأجنبية. فأخذت تظهر على جلدها قروح واستشار زملاءه من الاختصاصيين وغيرهم ولم ينفعها أي دواء وقاموا بمختلف أنواع التحاليل وأخذ المرض يؤثر على سلامتها النفسية فأخذها إلى أستاذ في باريس اختصاصي في الأمراض الجلدية وتعرف أولا على تاريخ حياتها فاستبان له أنها نشأت في الولايات المتحدة وشبت هناك. وكان وصفه لأسباب الداء وليد هذه المعلومة ذلك أن كثيرا من الأمريكيين إذا شربوا اللبن من البقر المختلفة، المرعى عن البيئة الأمريكية تسبب ذلك في ظهور قروح على الجلد وقاءاً بالتجربة فأثار مكانا في يدها بمبضعه ووضع عليه قطرة من اللبن فتورم. وهكذا فما يصلح لمريض قد يكون قاتلا لمريض آخر لمزاج أو لوجود داء أخر. كما أن كمية الدواء وطريقة إعداده وكونه مركبا أو بسيطا كان ذلك يفرضه عدم تناول الدواء إلا بوصف عارف. فإذا جاء الوحي عن رسول الله r أن هذا الدواء نافع لشخص فهو كما قال لا يجوز الشك في ذلك أبدا ، أما تجاوز الحالة المعينة إلى حالات مشابهة فهو من ظن المتجاوز لا من تقرير رسول الله r .

13- إن هذه القاعدة الضرورية من أن معرفة المرض والمريض والدواء هي من القواعد الضرورية في التطبيب يؤكدها ما رواه الحاكم بسنده إلى جابر أن رسول الله r قال لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل. كما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله r ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه شفاء علمه من علمه وجهله من جهله . 

14- إن رسول الله r كان يرجع إلى الأطباء للتداوي أخرج الحاكم عن هشام بن عروة عن أبيه قال قلت لعائشة رضي الله عنها قد أخذت السنن عن رسول الله r والشعر والعربية عن العرب فعمن أخذت الطب؟ قالت إن رسول الله r كان رجلا مسقاما وكان أطباء العرب يأتونه فتعلم منهم. وصححه الذهبي فرسول الله r لم يكن طبيبا. وكان يعتمد أهل الطب من العرب. فقد روى مالك في موطئه عن زيد بن أسلم أن رجلا في زمان رسول الله r جرح فاحتقن الدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنصار. فنظرا إليه فزعما أن رسول الله r قال لهما أيكما أطب فقالا أولا الطب خيريا رسول الله؟ فزعم زيد أن رسول الله r قال: أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء00

15– إن اعتبار ما نقله الصحابة رضوان الله عليهم من وصف رسول الله r للأدوية أو التنويه ببعضها لا يحمل على الأمر به أو أنه تشريع . إذ اعتبار ذلك مستندا إلى الوحي قد كان سببا للطعن في صحة السنة أو تجاوز ذلك إلى الطعن في رسول الله r في مهمته الأولى أعني الرسالة لأن الدواء والتمريض المادي لا يقفان عند حد، وما يكشف اليوم من أدوية هو خاضع لسنة التطور القائمة دوما على مراجعة التجربة لزيادة الضبط والتأكد وإصلاحا لأخطاء الماضية، ما أظن أن علم الطب وقف في شعبة من شعبه ليقول قد وصلت إلى النهاية ولا مطمح في الزيادة، لأن كل أجهزة الجسم متشابكة ومترابطة ولم يستطع العلم البشري أن يبلغ غاية المعرفة في جميعها. بينما التشريع والعقيدة قد بلغا الغاية. ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) فخلط الكامل بالناقص وإجراؤهما في سكة واحدة بمعايير واحدة ليسمع سليما بداية وغاية .

إن التأمل في هذه المقدمات لتؤكد الاقتناع بأن رسول الله r لم يبعث طبيبا يداوي أسقام الأبدان. فإن هذه الوظيفة قد أوكلها الله إلى الخلق ينظرون في قوانين الكون وسنن الله في الصحة والمرض . 

والرسول r بوصفه بشرا كأذكى وأنبه ما يكون إنسان على وجه هذه البسيطة قد باشر العلاج وأشار بصفته هذه- أعني البشرية لا الرسالة- أشار ببعض الأدوية حسب المستوى المعرفي الذي كانت عليه الإنسانية في ذلك العصر. ولم يبعث r على العثور ويعطيه الحلول الجاهزة وذلك لأن الله استخلف الإنسان في الكون وأعانه على تحمل المهمة بأمرين الوحي والعقل ” الوحي فيما لا يستطيع أن يصل إليه بذاته والعقل وآلاته فيما يمكن أن يصل إليه بذلك. ولذلك يكون طلب الكشف عن قوانين الحياة والكون من الوحي هو كالاعتماد على العقل وحده في التشريع أو إدراك المغيبات، كلاهما منهج معكوس عقيم لا يولد حقائق ثابتة يطمأن إليها. وهذا الذي دعاني إلى الاعتماد على الطب النبوي الروحي والنفسي زيادة على ما وجدته من الاختلاف بين شراح الحديث في تعيين المراد من الدواء الذي ذكره r . وذلك كما جاء في الحديث الذي أخرجه أصحاب الصحيح واللفظ لمسلم . عن أبي هريرة أن رسول الله r قال : ” في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام ” والسام الموت . والحبة السوداء الشونيز . يقول عياض : تفسيرها بالشونيز هو الأشهر . وقال الحسن هي الخردل وقيل هي الحبة الخضراء والعرب تسمى الأخضر أسود والأسود أخضر والحبة الخضراء ثمرة البطم المسمى بالضرو .

ففي تعيين المراد من الحبة السوداء مذهب ثلاثة ولعل هذه المذاهب ستتضاعف إذا أوكلنا أمر تعيين كل تسمية إلى اجتهاد المجتهدين لضبط المراد بالبطم . والشونيز.

أما الجانب الذي أعتقد أن النبي r أولاه عنايته وأصله الوحي لا شك في ذلك فهو الجانب النفسي والروحي للمصاب. وهذا النوع يتناول هديه للمريض وهديه للممرضين وهديه في بيان علاقة المريض بالأصحاء.

أولا: علاقة الأصحاء بالمرضى وينحل إلى شعبتين: عيادة المرضى، قضية العدوى . 
أ) عبادة المرضى إن اختلال الجسم يؤثر حتما على نفسية المصاب. ويلازمه الشعور بالضعف فهو في حاجة أكيدة إلى سند قريب وفي حاجة أيضا إلى المجتمع يؤكد له أنه عضو منه لم يقطع صلاته به. ذكرت جريدة (أفريقيا الفتاة) (جون افريك) في أحد أعدادها سنة 85 أن أحد الأطباء الفرنسيين ألف كتابا حول حق الطبيب في تعجيل موت الميؤوس منه. وكان مما ذكره أن امرأة أصيبت بمرض السرطان وظهرت آتاره على المصابة في الثدي في سن الثامنة والعشرين- ثم ظهرت الأورام الجلدية. وكانت تبدي من الصبر والجلد ما هو أثر من آثار قوة شخصيتها. وجاءت إلى هذا الطبيب تسأله في يوم من الأيام أن يساعدها على التخلص من عذابها الذي تجاوز طاقة تحملها. تقول. إنها تمر الأيام وتتلوها الأسابيع دون أن يطرق بابها أحد. لم يبق لها في الوجود ممن يتصل بها من أصدقائها وأقاربها إلا أختها وبعد مدة طويلة. إنها تنظر إلى الهاتف شبحا مزعجا في حياته إنه أخرس لا يرن جرسه أبدا. فقدت كل اتصال بالبشر فغدت في عزلتها معذبة أشد من العذاب الذي تسببه لها الأورام. يقول الطبيب إنها كانت تحدثه بكل شجاعة. وان اختيارها لم يكن وليد انهيار عصبي. وفعلا استجاب الطبيب لمساعدتها على إنهاء حياتها وضرب لها موعدا في بيتها بعد الساعة الثامنة وكان الفصل شتاء اختلطت الظلمة بالمطر فلم يستطع أن يبلغ منزل المرأة. فعاد أدراجه. وفي الغد دق جرس الهاتف فإذا هي أختها تعلمه أن المريضة انتحرت بقذف نفسها من الطابق السابع ليلا وتهشمت على الرصيف.

إن هذه الحالة ليست فريدة في دنيا العالم الذي فقد الإحساس بالترابط الإنساني وطغت فيه الأنانية إلى حدود جعلت الأصحاء والمرضى يشعرون بالانبتات رغم المدن الكبيرة والأعداد الضخمة من البشر التي تموج بها تلكم التجمعات الصورية والمساكن المندمجة في العمارات الشاهقة وتضاعف عدد الأطباء النفسانيين ومع ذلك كان العدد الضخم عاجزا عن رد التوازن المفقود. ولذا نجد الإسلام يولي عنايته هذه الناحية. ففي كل كتب الحديث تجد أحاديث عن رسول الله r تؤكد على زيارة المريض. والإمام البخاري يراها واجبة فقد عنون في صحيحه الباب الرابع كتاب المرضى باب وجوب عيادة المريض. مرجحا أن الأمر الوارد هو للوجوب في الحديث الذي رواه عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله r قال: (أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني) وحديث البراء بن عازب أن رسول الله r أمرنا أن نتبع الجنائز. ونعود المريض ونفشي السلام ثم أتبع هذا الباب بأبواب أخرى قصد التعميم. فعقد بابا لعيادة المغمى عليه وبابا لعيادة النساء الرجال. وبابا لعيادة الصبيان. وبابا لعيادة الأعراب. وبابا لعيادة المشرك وغير ذلك من الأبواب كما أخرج الأحاديث الدالة على عيادة المريض في كثير من كتب صحيحه لتلتئم مع ما أخرجه علماء الحديث في هذا المعنى ليكون منها ما يسمى بالتواتر المعنوي اليقيني.

بعض تفاصيل عن العيادة 
ا) متى يعود المؤمن المريض؟

روى ابن ماجه قال حدثنا هشام بن عمار. حدثنا مسلمة بن علي حدثنا ابن جريح عن حميد الطويل عن أنر بن مالك قال: كان النبي r لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث .

وأئمة الحديث على توهين هذا السند لأن مسلمة بن على منكر الحديث وإن رأى السندي أن أحاديثه رويت بروايات أخرى يتقوى بعضها ببعض . فالذي نطمئن إليه أن الزيارة المأمور بها مرتبطة بوضع المريض وحاجته للمواساة وما جرى من أعراف وعادات لا تصادم أصلا شرعيا.

2) ما يقوله الزائر للمريض روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r كان إذا دخل على مريض يعوده يقول له: لا بأس طهور إن شاء الله .

وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله r: (إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض) .

وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص أن أباها قال تشكيت بمكة شكوى شديدة فجاءني النبي r يعودني قال ثم وضع يده على جبهته ثم مسح يده على وجهي وبطني ثم قال اللهم اشف سعدا وأتمم له هجرته فما زلت أجد برده على كبدي، فيما يخال إلي حتى الساعة.

فالهدي النبوي واضح في هذا الأمر أن الزائر يلاطف المريض بجملة من أنواع الملاطفة تشمل فيما تحمل تشجيعه على تحمل المرض بتوهين أمره وعدم خطره وبتذكيره بالأجر والثواب للمبتلي . والتقرب منه حسب مكانة الزائر دينيا واجتماعيا فما يصح لكل فرد أن يمسح بيده على وجه المريض وجسده. وإن احتج محتج بفعله r فإن بركة يد رسول الله r قد ظهرت آثارها في النماء والشفاء وأنى لغيره أن يكون مثله وإنما يفعل هذا من ترجى بركته لصلاحه وتقواه أو لكونه أصلا من أصوله.

والدعاء هو جماع الأدب وأبرز مظهر للمواساة وأقوى باعث للأمل. فقد روى البخاري عن عائشة أن رسول الله r كان إذا أتى مريضا أو أتي به إليه قال عليه الصلاة والسلام- اذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك. شفاء لا يغادر سقما .

ب- ا لعدوى

روي فى العدوى أحاديث كثيرة . بعضها يفيد بظاهرة نفى تأثير العدوى وبعضها يفيد خلاف ذلك فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال. قال رسول الله r : لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها فقال فمن أعدى الأول؟ رواه الزهري عن أبي سلمة وسنان بن أبي سنان .

وعن أخنس أن النبي r قال : لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح .

وعن ا بن عمر أن رسول الله r قال: ( لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: المرأة والدار والدابة) كما روي عن ابن عباس أن رسول الله r قال لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة) فذكر سماك أن صفر دابة تكون في بطن الإنسان فقال رجل يا رسول الله تكون في الإبل الجربة في المائة فتجربها قال النبي r فمن أعدى الأول.

وعن عبد الله بن مسعود. قال قام فينا رسول الله r فقال لا يعدي شيء شيئا فقام أعرابي فقال يا رسول الله النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها فقال رسول الله r فما أجرب الأول؟ لا عدوى ولا هامة ولا صفر خلق الله كل نفس فكتب حياتها و مصيبتها ورزقها. فهذه الأحاديث المروية مسندة إلى النبي r بواسطة جملة الصحابة أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك كلها تدل على نفي العدوى كما روى مسلم ومن ناحية أخرى روى البخاري. أولا عن أبي هريرة أن رسول الله r قال لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد .

وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله r لا يوردن ممرض على مصح. وأنكر أبو هريرة الحديث الأول، وقلنا ألم يحدث أنه لا عدوى؟ فرطن بالحبشية، قال أبو سلمة فما رأيته نسي حديثا غيره. وهذا الحديث الذي رواه البخاري روى مسلم ما هو أوضح منه عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رسول الله r قال لا عدوى ويحدث أن رسول الله r قال لا يورد ممرض على مصح قال أبو سلمة كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول فالهدي النبوي واضح في هذا الأمر أن الزائر يلاطف المريض بجملة مدى أنواع الملاطفة تشمل فيما تشمل تشجيعه على تحمل المرض بتوهين أمره وعدم خطره وبتذكيره بالأجر الثواب للمبتلي . والتقرب منه حسب مكانة الزائر دينيا واجتماعيا فما يصح لكل فرد أن يمسح بيده على وجه المريض وجسده. وإن احتج محتج بفعله r فإن بركة يد رسول الله r قد ظهرت آثارها في النماء والشفاء وأنى لغيره أن يكون مثله وإنما يفعل هذا من ترجى بركته لصلاحه وتقواه أو لكونه أصلا من أصوله.

والدعاء هو جماع الأدب وأبرز مظهر للمواساة وأقوى باعث للأمل. فقد روى البخاري عن عائشة أن رسول الله r كان إذا أتى مريضا أو أتي به إليه قال عليه الصلاة والسلام- اذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك . شفاء لا يغادر سقما.

ب- العدوى 
روي في العدوى أحاديث كثرة . بعضها يفيد بظاهره نفي تأثير العدوى وبعضها يفيد خلاف ذلك فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال. قال رسول الله r لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها فقال فمن أعدى الأول؟ رواه الزهري عن أبي سلمة وسنان بن أبي سنان .

وعن أخنس أن النبي جمح قال. لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح . 
وعن ابن عمر أن رسول الله r قال: لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: المرأة والدار والدابة) كما روي عن ابن عباس أن رسول الله r قال (لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولاهامة) فذكر سماك أن صفر دابة تكون في بطن الإنسان فقال رجل يا رسول الله تكون في الإبل الجربة المائة فتجربها قال النبي r فمن أعدى الأول . 

وعن عبد الله بن مسعود. قال قام فينا رسول الله r فقال لا يعدي شيء شيئا فقام أعرابي فقال يا رسول الله النقبة من الجرب تكون بمشافر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها فقال رسول الله r فما أجرب الأول؟ لا عدوى ولا هامة ولا صفر خلق الله كل نفس فكتب حياتها و مصيبتها ورزقها. فهذه الأحاديث المرونة مسندة إلى النبي جمع بواسطة جملة الصحابة أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك كلها تدل على نفي العدوى كما روى مسلم ومن ناحية أخرى روى البخاري. أولا عن أبي هريرة أن رسول الله r قال لا عدوى ولا طيرة ولا طامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد .

وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله r لا يوردن ممرض على مصح. وأنكر ألو هريرة الحديث الأول، وقلنا ألم يحدث أنه لا عدوى؟ فرط بالحبشية،، قال أبو سلمة فما رأيته نسي حديثا غيره. وهذا الحديث الذي رواه البخاري روى مسلم ما هو أوضح منه عن ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثه أن رسول الله r قال لا عدوى ويحدث أن رسول الله r قال لا يورد ممرض على مصح قال أبو سلمة كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله r ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله لا عدوى وأقام على أن لا يورد ممرض على مصح قال فقال الحارث بن أبي ذياب وهو ابن عم أبي هريرة قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكت عنه كنت تقول قال رسول الله r لا عدوى فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال لا يورد مرض على مصح فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية ققال للحارث أتدري ماذا قلت؟ قال لا. قال أبو هريرة قلت. أبيت. قال أبو سلمة ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله r قال لا عدوى فلا أدري أنسي أبو هريرة أم أحد المقولين الآخر . 

كما روى النسائي وأحمد عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال قدم وفد من ثقيف ليبايع وكان فيهم رجل مجذوم قال فأتيت النبي r ذلك له فقال ائته فأخبره أني قد بايعته فليرجع. 

كما روى مالك بسنده إلى إبن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت فقال يا أمة الله لا تؤذي الناس لو جلست في بيتك. فجلست فمر بها رجل بعد ذلك فقال لها إن الذي قد نهاك قد مات فاخرجي فقالت: ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا.

إن ظاهر هذه الأحاديث أن بينها تعارضا إذ القسم الأول ينفي العدوى والأحاديث الثانية تثبت العدوى: ولنتتبع موقف العلماء من هذا الظاهر.

قبل كل شيء لابد من معرفة ما تسلط عليه النفي في قوله r لا عدوى. فإن حملنا النفي على نفي ذات العدوى كانت الأحاديث متناقضة ولا يمكن أن يكون الثاني ناسخا فعمدوا إلى التأويل: إن العدوى معدومة وإن النهي عن إيراد الممرض عن المصح والفرار من المجذوم خوف أن يمرض الصحيح فيسوء اعتقاده بتأثير العدوى وهذا مذهب جمهور المحدثين.

وذهب المحققون إلى أن النفس ليس للذات وإنما هو نفي مسلط على مقدر. (من باب دلالة الاقتضاء) تأثير أي نفي ما يعتقدونه من أن بعض العلل مؤثرة بنفسها في نقل المرض. فبدت لهم أن المرض إنما هو بقدر الله وقدرته وهذا ما يشير إليه قوله r فمن أعدى الأول؟

ونكمل هذا المفهوم من ناحية أخرى هو أن الله تعالى أجرى أمور الكون على أسباب ربط بحكمته بينها وبين مسبباتها على أن معنى القربان أن المجذوم ونحوه هو سبب ظاهر في ناقل المرض وليس سببا موجبا إذ الفاعل الحقيقي هو الله تعالى. ومن حكمة المؤمن أن يتقي الشبهات والريبة سواء في الأمور المادية أو في الأفعال.

قال الطيبي : العدوى تجاوز العلة، والأطباء يجعلون ذلك في سبع علل : الجذام والجرب والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية.

قالت الأبي: ورجح القول الأخير لأنه يجمع بين الأحاديث وأيضا فإن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية ولم يرد الشرع بإبطالها بل ورد باعتبارها على وجه لا يناقض التوحيد ولا مناقضة على الوجه المذكور.. وأيضا فإن حديث ابن عباس يؤكد هذا الفهم فالزيادة التي في آخره: (خلق الله كل نفس فكتب حياتها ومصيبتها ورزقها. تدل هذه الزيادة على أن سور النفي المسلط على العدوى وما عطف عليه ليس ننمي الذات وإنما هو نفي التأثير الذاتي لإثبات أن الأسباب تتحرك لتولد ما تولده حسب القدر السابق.

مما روى الترمذي بسنده إلى جابر بن عبد الله أن رسول الله r أخذ بيد مجذوم فأدخله معه القصعة. ثم قال قل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه، وعلق عليه ابن العربي: إن النفوس تعاف مخالطة أهل الأدواء. وإن كان لا يعدي داء على صحة. وإن كان الله قد أجرى العادة بتضرر الصحيح بالسقيم ولكنه يضر الخلق عادة لا وجوبا. وأمرهم بعد ذلك بالتحرز.

إن علاقة المريض- بالأصحاء من خلال النصوص التي عرضناها تبدو متجهة إلى القضاء على عقدة الخوف من الإنسان. خوفه من الموت إذا كان مريضا وخوفه من إصابته بالمرض إذا كان صحيحا. وهذه ناحية هامة في توازن شخصية المسلم في حالتي السقم والصحة إذ يساعده العطف والكلام الطيب المتمثل في التخفيف عليه من حدة المرض (التنفيس في الأجل) والاعتقاد بأن الضر والنفع بيد الله وليس للعدوى أثر لابد منه، يساعده على التحصن بالشجاعة في مقاومة المرض. وعدم الهلع عند انتظار الأوبئة والأمراض المعدية وكم كشف الأطباء عن مرضى يحسون بآلام مختلفة وقد تكون مبرحة وما هي إلا من خداع النفس عندما تنهار ويحيط بها الخوف.

ثانيا الممرضون: 
نني بالممرضين طائفة خاصة رزقوا قدرة على التأثير في غيرهم. إما تخريبا لصحتهم وإما إصلاحا لما اختل من استقامة البدن والروح.

ا) الطائفة المخربة تشمل العائنين والسحرة

أثبتت السنة أن العين تؤثر في الإنسان فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله r قال العين حق .

وروى مالك في موطئه عن محمد بن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول اغتسل أبي بالخرار (موضع قرب رابغ) فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر قال: وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه. فأتي رسول الله r فأخبر أن سهلا وعك. وأنه غير رائح معك يا رسول الله فأتاه رسول الله له فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر بن ربيعة فقال رسول الله r علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت إن العين حق توضأ له. فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله r . ليس به بأس.

إن هذه الأحاديث تثبت تأثير العنت بقدر الله قطعا. وأن التبريك يدفع الضرر. يقول أبو عمر بن عبد البر. والتبريك أن يقول. تبارك الله أحسن الخالقين اللهم بارك فيه .

يقول المازري . أنكر العين طوائف من المبتدعة ويرد عليهم أن ما ليس بحال في نسه. ولا يصدق إلى مخالفة دليا هو جائز وإذا أخبر الشارع بوقوعه وجب اعتقاده ولا فرق بين التكذيب به والتكذيب بشيء من أحوال الآخرة وزعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين أن العائن تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعيون فيهلك أو يفسد قالوا ولا يستند هذا كما لا يستنكر انبعاث ذلك من الأفعى والعقرب ثم أنكر عليهم التعبير بكلمة قوة ثم قال وأقرب طريق اقتحمها من ينتمي للإسلام أن قالوا غير بعيد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية تتصل بالمعيون وتتخلل مسام جسمه فيخلق الله سبحانه الضرر عندها. وعقب على ذلك بأن هذا ممكن لا دليل عليه .

وقد نقل العلماء ما يؤكدها وقع لسهل بن حنيف فقد ذكر ابن عبد البر أن سعد بن أبي وقاص خرج يوما وهو الكوفة فنظرت إليه امرأة فقالت إن أميركم هذا لأهضم الكشحين فعانته فرجع إلى منزله فوعك ثم إنه بلغه ما قالت فأرسل إليها فغسلت أطرافها ثم اغتسل به فذهب ذلك عنه وقال عن المدائني عن الأصمعي قال حج هشام بن عبد الملك فأتى المدينة فدخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر فلما خرج من عنده قال هشام لا رأيت ابن سبعين أحسن كدنة منه (غلظ الجسم وكثرة اللحم) فلما صار سالم في منزله حم فقال أترون الأحول لقعني بعينيه، فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه.

وروى الأبي عن شيخه ابن عرفة، أنه كان ببجاية رجل مشهور بإصابة العين فلما رجع الأمير أبو الحسن سلطان المغرب قافلا عن أفريقية إلى المغرب في الأسطول المعروف. وكان ببجاية حينئذ أمير من قبل الموحدين فأمره هذا الأمير أن ينظر إلى ذلك الأسطول ويعينه فكان من أمر الأسطول وإتلاف أكثره ما كان .

وحاول ابن قيم الجوزية إثبات تأثير العين في المعين بأن التأثير الروحي يقيني لمن تأمل، فروح الحاسد مؤذية للمحسود. إذ تتكيف بكيفيات خاصة وتقابل السود فتؤثر بتلك الخاصية.

وإذا كان الناظرون مختلفين في القدرة على التأثير مع عدم الاتصال المباشر إثباتا ونفيا يحتج النافي بالاستحالة العادية ويحتج المثبت بالإمكان العقاب وبالخبر الصادق فإن التقنية المعاصرة قد تجاوزت ذلك إذ أخرجته من حد الفرض إلى الواقع المادي في الكون. فالاليكترون وما بلغه من مستوى في التأثير يؤيد تأييدا يرفع كل شك في التأثير مع الانفصال. فالأقمار الصناعية والكواكب الفضائية يتحكم في سيرها المراقبون في الأرض والواحد منا يتحكم في جهاز التلفاز تغييرا وإشغالا وتعطيلا بواسطة جهاز الكتروني لا يتصل الاتصال المادي. أنه كلما تقدم العلم زاد تحكم الإنسان في الكائنات الكونية دون ، احتياج إلا مباشرة فعلية.

وكما خلق الله في النفس الإعجاب بكل فائق في كماله ورتب على ذلك أن بعض المعجبين قد يؤذون ما تسلطت عليه عيونهم لخواص في تركيبهم النفسي، فإنه سبحانه حسب سننه الكونية بين للناس طرق الوقاية والعلاج.

أما الوقاية فقد علم رسول الله اسم كل من أعجب بشيء أن يذكر اسم الله ويبرك عليه ولو كان متعلق الإعجاب ذاته أو أحد أحبائه فإن ضرر العين غير مرتبط بالكراهة والبغض كما تكون الوقاية بالرقية. يدل لذلك مارواه مالك في موطئه عن حميد بن قيس المكي أنه قال دخل على رسول الله كله بابني جعفر بن أبي طالب فقل لحاضنتهما مالي أراهما ضارعين؟ فقالت يا رسول الله إنه تسرع العين إليهما، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أننا لا ندري ما يوافقك من ذلك فقال 
رسول الله r استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين.

وأخرج أبو عمر بن عبد البر بسنده إلى ابن عباس قال كان رسول الله r يعوذ حسنا وحسيا. (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) ثم يقول هكذا كان أبي إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق .

وأما العلاج فيكون بالوضوء وفي وصف الوضوء من أجل العين صور كثيرة أقربها إلى الصحة هي الطريقة التي رواها الرواة عن الزهري راوي حديث الوضوء من العنت. قال: يغتسل العائن في قدح من ماء يدخل يده فيه فيمضمض ويمجه في القدح ويغسل وجهه فيه ثم يصب بيده اليسرى على كفه اليمنى ثم يصب باليمنى على كفه اليسرى ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على مرفق يده اليمنى ثم بيده اليمنى على مرفق يده اليسرى ثم يغسل قدمه اليمنى تم يدخل اليمنى فيغسل قدمه اليسرى ثم يدخل يده اليمنى فيغسل الركبتين ثم يأخذ داخلة إزاره فيصب على رأسه صبة 
واحدة وإلا يضع القدح حتى يفرغ .

2) الطائفة المصلحة وهي تشمل من يقوم على تمريض المصاب. فيعنى به في مأكله ودوائه وكل ما يحتاج إليه ومن يقوم على الرقيا. يجد المتتبع للسنة صورا من هدي النبوة في معاملته للمريض.

إن أول ما يلفت النظر هو التأكيد على احترام المريض وعدم الضغط عليه لأن المريض وإن كان مختل المزاج البدني إلا أن قدرته على الاختيار باقية سليمة وهو أحرص الناس على صلاح نفسه لأن حب الحياة غريزة مركوزة في باطن كل إنسان يشعر بها ويتفاعل معها بمقدار يفوق ما يشعر به غيره نحوه.

يدل لهذا ما أخرجه البخاري في مسنده إلى عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لددنا رسول الله r في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فقال r لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم . 

واللدود هو دواء يصب في جانب الفم.

هذا الحديث يصور لنا تأديبا عمليا أذن فيه رسول لله r ليقتلع عادات وتصورات ألفوها. فعندما يلد كل فرد كما لد هو في ، الوقت الذي لا حاجة به إلى ذلك يشعر بالأمر الذي يؤلم النفس في الوقت الذي يكون المريض أحوج ما يكون إلى من يساعده على الثقة في نفسه. ولا يقتصر الهدي النبوي على الدواء بل كذلك الطعام لا يجبر عليه.

روى الترمذي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال قالت رسول الله r ليقتلع عادات وتصورات ألفوها فعندما يلد كل فرد كما له هو في الوقت الذي لا حاجة به إلى ذلك يشعر بالأمر الذي يؤلم في الوقت الذي يكون المريض أحوج ما يكون إلى من يساعده على الثقة في نفسه . ولا يقتصر الهدى النبوي على الدواء بل كذلك الطعام لا يجبر عليه . 

روى الترمذي أن الله يخلق لهم القوة الكافية عن تناول الطعام والشراب فعبر عن القوة بسببها فهو أحد قسمي المجاز.

يعلق عليه ابن القيم قائلا: وفي قوله r فإن الله يطعمهم ويسقيهم معنى لطيف زائد على ما ذكره الأطباء لا يعرفه إلا من له عناية بأحكام القلوب والأرواح وتأثيرها في طبيعة البدن وانفعال الطبيعة عندها كما تنفعل هي عن الطبيعة ونحن نشير إليه إشارة فنقول إذا حصل لها ما يشغلها من محبوب أو مكروه أو مخوف اشتغلت به عن طلب الغذاء والشراب فلا تحس بجوع ولا عطش ولا حر ولا برد بل تشتغل به عن الإحساس بالمؤلم الشديد الألم فلا تحس به. وما من أحد إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئا منه والنفس إذا اشتغلت بما داهمها وورد عليها لم تحس بألم الجوع فإن كان الوارد مفرحا قوي التفريح قام لها مقام الغذاء وإن كان الوارد محزنا أو مخوفا اشتغلت بمحاربته فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام والشراب إن ظفرت في هذه الحرب انتعشت وأخلفت عليها نظير ما فاتها من قوة الطعام والشراب وإن كانت مغلوبة مقهورة انحطت قواها بحسب ما حصل لها من ذلك.

فالمريض له مدد من الله تعالى يغذيه به زائدا على ما ذكره الأطباء وذلك بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه. عز وجل فيحصل له من ذلك ما يوجب قربا من ربه فإن العبد أقرب ما يكون من ربه إذا انكسر قلبه ، ورحمة ربه قريبا منه. فإن كان وليا له حصلت له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته وتنتعش به قواه أعظم من قوتها وانتعاشها بالأغذية البدنية وكلما قوي إيمانه وحبه لربه وأنسه به وفرحه به وقوي بيقينه بربه واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه، وجد في نفسه من هذه القوة مالا يعبر عنه ولا يدركه وصف طبيب ولا يناله علمه . 

فابن القيم عمل على تقريب الحكمة التي من أجلها أرشد r إلى ترك إكراه المريض على تناول الطعام وليس معنى ذلك، أنها يقينا الحكمة التي قصدها رسول الله r كما أنها ليست الحكمة الوحيدة وعلى كل فإن في كسر نفس المريض والتقوي عليه وإلزامه مالا يرغب ولا يستطيع دفعه لوهن قواه البدنية في ذلك ضرر محقق بقدرته الباطنية وتحطيم لقواه المعنوية التي لا تعود على المريض إلا بالضر.

إن عدم الإكراه يصحبه ما قدمنا من توهين أمر المرض ، والدعاء للمريض، وتقوية طاقة تحمله بالتنفيس في أجله. وبهذا يكون الجو العام الذي يحيط بالمريض هو جو رفيق مؤنس يرتاح له المصاب يقضي على الخوف ويحقق الطمأنينة. ذلك أن الخوف يؤثر على نبضات القلب ويصحبه من الإفرازات ما يجعل الاضطراب في سير بعض الأجهزة الإنسانية يتبعه حتما اختلال في توزيع الدم على الأعضاء .

ومن ناحية أخرى فإنه مما استقر في نفس المؤمن من حسن التوكل على الله والالتجاء إليه ينفتح باب الرجاء ويقضي عن، اليأس والظلام الباطني المحبط للنشاط والمعوق للإرادة عن الفعل الباطني، يبدو ذلك في صرف الإنسان عن التفكير في أساه والسمو إلى الله مع إشراقة الرجاء. قال تعالى (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) (سورة النمل آية 62). ( وإذا مرضت فهو يشفين (الشعراء آية 80).

إنه بواسطة التحويل من الاستغراق في الإحساس بالألم إلى التوجه إلى الله لعبادته ولدعائه ثم تقبل النهاية الحتمية بأن قضاء الله يجب الرضا به يكون التعليم النبوي قد انتشل المريض من العذاب النفسي. إن آخر كلمة نطق بها رسول الله r تعلم المؤمن كيف تكون صلته بقضاء الله إنها صلة الرضا الكامل إنها الابتسامة التي تنفرج بها شفتا المؤمن عندما يودع هذه الحياة إلى الحياة الآخرة. فقد روى مسلم عن عائشة قالت لما مرض رسول الله كثر وثقل أخذت بيده لأصنع به نحوها ما كان يصنع فانتزع يده من يدي ثم قال. اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى قالت فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى .

الرقية: هي مجموعة من التوجهات قد تصحبها إشارات وحركات يقوم بها المريض أو غيره قصد تحصيل الشفاء أو التخفيف .

والرقية قديمة عرفها العرب قبل البعثة المحمدية ولعلها من بقايا الديانة الإبراهيمية فيما بقي منها متوارثا عندهم صحفت حسب انحراف العقيدة وما لا بسها من وثنية، ونجد في السنة النبوية الصحيحة أحاديث تأذن بالرقية وأحاديث يفهم منها النبي عن الرقية.

فمن الأحاديث الدالة بظاهرها على عدم الإذن ، الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي r (عرضت علي الأمم فأجد النبي يمر معه الأمة والنبي يمر معه النفر والنبي يمر معه العشر والنبي يمر معه الخمسة والنبي يمر وحده فنظرت فإذا سواد كثير قلت يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال لا ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير قال هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب قلت: ولم؟، قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم قال (اللهم اجعله منهم) ثم قام إليه رجل) آخر قال ادع الله أن يجعلني منهم قال (سبقك بها عكاشة) .

الحديث يدل بظاهره على أن الذين لا يسترقون لهم ميزة يوم القيامة تتمثل في السبق إلى الجنة بدون حساب فمعنى هذا أن الذين يسترقون أحط رتبة منهم والنزول عن مراتب الكرامة لا يكون أثرا للحلال والمندوب والواجب وإنما هو للمكروه والحرام وهذا الظاهر يعارضه أحاديث أخرى جاءت في تفصيل الرقية وأنه r فعلها وأقر عليها وأذن بها. فقد اجتمعت في الرقية ضروب الهداية بالسنة من جميع وجوهها القول والفعل والإقرار ويستحيل أن يكون الأمر الواحد مأمورا به منهيا عنه فلابد من تعميق النظر للجمع بين النصوص.

نقل عياض عن الداودي أن النهي عن الرقية هو منصب على من يفعل ذلك في الصحة معناه اتخاذ الرقية وسيلة وقاية.، وهذا تأويل لا يدل عليه الحديث وزيادة غير مستندة لأصل وثانيا فقد وردت أحاديث صحيحة تدل على أن الرقية قد أذن فيها في الصحة كما سيأتي.

تم ذكر أن الحديث لا يحوج إلا التأويل لأن النبي r لم يذم من قال بالكي والرقى وإنما أخبر عن كرامة السبعين ألفا من أمته قاله على وجه التفسير لهـم. هم كذا وليس السبب من كرامتهم تجنبهم اعتقاد نفع الأدوية.

وتعقب الأبي هذا التوجيه أن الحديث عند من أخذ منه الكراهة خرج مخرج المدحة على الترك وهو خاصية المكروه لا مخرج التفسير والرد عليه بأنه لم يذم لا يتم لأن الذم على الفعل خاصية المحرم ، والذي يظهر لي أن المزية لا توجب الأفضلية فليس معنى الحديث أنهم أفضل من غيرهم بل قد يكون أن هؤلاء الذين جمعوا بين الصفات الواردة في الحديث (1) لا يكتوون (2) لا يتطيرون (3) لا يسترقون (4) يتوكلون على الله حق التوكل قد وعدهم الله مما وعدهم الله مع أنه يمكن أن يكون غيرهم أفضل منهم وهو لا يدل على الكراهية كما روى أبو داود عن رسول الله r لا رقية إلا من عين أو حمة وقد أجاب عن هذا الحديث ابن القيم في زاد المعاد وفي الطب النبوي بأن محمله على الأولوية أي لا رقية أنفع من رقية العين والحمة.

وأما الأحاديث الدالة على الرقية فكثيرة جدا مروية صت عائشة وعن أسماء بنت عميس وعن جابر وعوف بن مالك الأشجعي وعثمان بن أبي العاص الثقفي وعن أم سلمة وعن أنس بن مالك وعن الشفاء بنت عبد الله وصف سهل بن حنيف، وعن أبي هريرة وعن ابن عباس وعن ميمونة بنت أبي عسيب وعن كعب بن مالك وعن أبي سعيد الخدري وعن عبادة بن الصامت وعن أبي الدرداء وعن رافع بن خديج وعن ابن عمر وعن جبلة بن الأزرق وعن عمار بن ياسر وعن علي بن أبي طالب وعن الحارث بن عمرو البرجمي وعن بديل بن عمرو الخطمي وعن محمد بن حاطب.

هؤلاء الصحابة وغيرهم رووا أحاديث عن رسول الله r كلها تثبت صيغا من الرقى أو تنقل إذنا منه في الرقية كما وقع ولآل حزم وخال جابر وعوف بن مالك الأشجعي كما رواه مسلم في صحيحه .

وكما ثبت عن رسول الله r الرقية بعد الإصابة روي عنه الرقية المحصنة من الإصابة فقد روت عائشة عن النبي r أنه كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقُل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده قالت عائشة فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل به ذلك.

وناحية أخرى أرشد إليها رسول الله r هي الاستقرار النفسي بالرقية مع عدم المرض ولكن من أجل التشويش الذي يحصل في العقل فقد روى مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي r فقال يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي فقال رسول الله r ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا ففعلت ذلك فأذهبه الله عني .

كما روى البيهقي عن أبي العالية أن خالد بن الوليد قال يا رسول الله إن كائدا من الجن يكيدني قال. (قل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر ما يعرج في السماء وما ينزل منها ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان (قال ففعلت ذلك فأذهب الله عني . 

إن كل الرقى التي رويت عن رسول الله جميع ، تؤكد صلة المسلم بربه وتزيده وثوقا بأنه غير مهمل وأن حفظ الله يرعاه وأن عونه يسعده وأن قدرته لا يعجزها أمره وأن رحمته تسع كل داء فتشفيه إذا ما تعلقت الإرادة وسبق القضاء وهي بهذا تفارق كل ما عرف من الرقى الجاهلية التي كانت تعتمد الكهانة والكلام غير الواضح والطلاسم أو التقرب للأرواح الشريرة واستعطافها لتزيح غضبها كما أنه من ناحية أخرى أزال الاختصاص الذي كان يدعيه بعض البشر من اقتدارهم على طرد الأرواح الشريرة إذا وصل بين المؤمن وبين ربه يدعوه بكلام واضح ويلجأ إليه بقلب واتق في الرحمة الربانية. 

وأعظم من كل ذلك ما أكد عليه الإسلام فجعله الركن الثاني من أركان هذا الدين أعني الصلاة.

إن الصلاة كما يتقدمها من طهارة وإقامة تساعدان على التركيز والتحول والسمو وما تألفت ومنه من نية وأقوال واضحة وأفعال أن تصحبها أقوال لتعتبر أفضل ما يعيد للإنسان طمأنينته ويرخي توتره الباطني ويعطيه مناسبة للاعتدال النفسي بل حتى المادي.

كتب الصحفي كينيث بريغر، بصحيفة النيورك تايمز فصلا عن الصلاة كان ما جاء فيه أن الدكتور هوبرت بنسون أخصائي القلب وضغط الدم بهيئة التدريس بكلية الطب بجامعة هارفارد قال : إن ممارسة الصلاة يمكن أن تخفض ضربات القلب وضغط الدم والأيض ومن ثم تخفض من مستويات التوتر وأوصى لمرضاه بتكرار كلمة أحد في حالة من سلبية كاملة للعقل مدة 20 دقيقة كل صباح وكل مساء ثم يقول كيف يحدث هذا؟ نحن لا نعرف لكن هناك صفاء العقل وتخفيض ملموس في التوتر وتوسيع القدرة على الإبداع لدى كثير من الناس.

وإن تربية المؤمن التي كون عليها رسول الله r المؤمنين لتمثل في الاتصال الدائم بالله ذكرا له ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) (الرعد 28). واستسلاما رضيا إلى عزته ورعايته ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) (الأنعام آية 162- 163). وإن هذا الإسلام إلى الله هو سنة المرسلين. كما جاء على لسان إبراهيم ( الذي خلقني فهو يهدينِ والذي هو يطعمني ويسقينِ وإذا مرضت فهو يشفين ) (الشعراء: 78، 79، 0 8).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب.

لفضيلة الشيخ محمد المختار السلامي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *