الطب النبوي والطب الحديث

الطب النبوي والطب الحديث

جزء من عملية الإحياء التي شهدها أو شهدتها العقود الأخيرة من القرن الماضي وبدايات هذا القرن شهدت إحياء العديد من جوانب التراث الإسلامي، جوانب الحياة الإسلامية: الفكرية، العملية، السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية.

أما موضوع الصحة وموضوع الطب الإسلامي إذا جاز التعبير، على اعتبار إنه يعني ليس ذو جدوى وذو معنى أن.. أن نسمى الطب إسلامياً أو غير ذلك، حصل فيه الكثير من التجديد والكثير من إعادة البعث وإعادة الإحياء لجوانب منه لاسيما ما تعلق فيه أو ورد ذكره في السنة النبوية.

المسألة لم تتوقف على الإحياء والتجديد، بل وصلت حالات شديدة جداً من المبالغة استغل الكثيرون الكثير من الأحاديث الضعيفة والأحاديث التي لا أصل لها أصلاً، كما استغلوا ضعف الناس، ضعف ذوي الحاجات من مرضى ومَنْ هم محتاجون إلى الكثير من الرعاية الطبية، كما استغلوا أيضاً المشاعر الدينية على اعتبار أننا منذ عقدين أو ثلاثة نشهد موجة عارمة من العاطفة الدينية تجتاح العالم من أقصاه إلى أقصاه ولاسيما العالم الإسلامي منه تحديداً، ولعل ليس خروجاً عن الموضوع أن نذكر بأن ما تشهده الأمة من تطورات سياسية ذو علاقة بهذه العاطفة الدينية، البعض يحاول كبتها بشتى الوسائل، والبعض -للأسف الشديد- يحاول استغلالها لتحقيق مآرب شخصية في بعض الأحيان رخيصة، لا نزعم أن كل الذين يتعاملون بالطب النبوي هم من.. من هذا الفصيل من الناس، بلا شك هناك الكثيرون ممن يتعاملون معه -إذا جاز التعبير- طبقاً لقواعد الكتاب والسنة مراعين حدًّا عالياً من الأخلاق وحدًّا عالياً من الالتزام بالهدي النبوي.

لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي الدكتور سمير إسماعيل الحلو، والدكتور سمير إسماعيل الحلو من اأردن، طبيب عام، خريج
الجامعة اأردنية في أواخر السبعينات، وهو أيضاً رئيس الجمعية اأردنية للنباتات الطبية التي تأسست عام 1998 ، شارك في العديد من المؤتمرات حول
ما يسمى بالطب البديل، وقد شهدنا في )الجزيرة( العديد من البرامج حول الطب البديل، قام بدراسة طب اأعشاب في اأكاديمية اأميركية لطب اأعشاب
وحصل على شهادة منها، كما أنه زار العديد من البوادي واأرياف في بعض المناطق والدول العربية بحثاً عن ما هو دارج من طب اأعشاب، له مجموعة
من المؤلفات ذات صلة بموضوعه، منها “المرشد الطبي لأسرة” ومنها “الطب اإسامي.. نحو تطبيق عملي” ومنها “النباتات الصحراوية وفوائدها
العاجية”، ومنها” الليل.. نومه وقيامه”، كما أن له مؤلف حول أو يُسمى “دليلك إلى الرشاقة بدون جوع” إذن نعرف مرة أخرى بالدكتور سمير الحلو
الطبيب خريج الجامعة اأردنية.
ماهر عبدالله: دكتور سمير، أنت يعني في المقدمة ابد من التعريف بمؤهاتك ذات الصلة بهذا الموضوع، أنت في اأساس طبيب قبل أن تتعامل مع الطب
النبوي.
د. سمير الحلو: نعم، نعم..

أسباب اللجوء للطب النبوي

ماهر عبدالله: لماذا اخترت هذا الموضوع؟ لماذا.. وأنا أعلم أنك أيضاً مهتم بطب اأعشاب والطب البديل، ما الذي جعلك تنتقل من المقاربة الطبية الصرفة
كما هي معتادة إلى -على اعتبار إنه الطب النبوي جزء من هذا الطب البديل- إلى الطب البديل؟

د. سمير الحلو: بسم ه، الحمد ه وحده، والصاة والسام على من ا نبي بعده، أواً: نشكر اأخ ماهر ونشكر قناة )الجزيرة( على إتاحة هذه الفرصة
الطيبة لتفهيم الجمهور بهذه اأمور المهمة والتي بدأت تعود تدريجياً إلى الساحة.
الحقيقة هذا سؤال تقليدي كثيراً ما سُئلنا عنه، وهي ببساطة وباختصار أن الذي دفعنا لهذا هم المرضى أنفسهم، كثير من المرضى بيكونوا ذهبوا إلى أطباء
وتداووا بأدوية كثير جداً خاصة بالعاجات الحديثة المعروفة ومضت عليهم السنون وهم يعانون من نفس المرض وخاصة اأمراض المزمنة، وأن عاقة
الطبيب يجب أن تكون مع المريض عاقة إنسانية بحتة وفيها مشاعر المحبة والرحمة، هذه العاقة تجعل المريض يفتح صدره للطبيب ويسأله: يا دكتور أا
يوجد وسيلة أخرى لعاج مرضي؟ لقد هلكت من اأدوية، ا توجد طريقة، وقد يكون بعضهم تعرض لعملية جراحية أو أكثر دون جدوى والمعاناة
مستمرة، مستمرة حتى أن هذه المعاناة يشكو منها أصحاب البيت، أقارب المريض أنفسهم، هذا اإلحاح في السؤال مرة بعد أخرى جعلتني أفكر فعاً أا
يوجد طرق أخرى للعاج غير هذه التي تأتينا من الغرب وننتظرها أن تأتينا ونجلس على قارعة أو رصيف المعرفة ننتظر ما يأتي من الغرب والشرق
حتى نصفه للناس؟ أليس لدينا تراث عظيم ونبي عظيم حمل إلينا علماً عظيماً لو تأملناه لعلمنا أننا نجلس على كنز عظيم ونستجدي الناس اآخرين.
ماهر عبدالله: يعني بالمناسبة كونك ذكرت الغرب، يعني حتى في هذا نحن إلى حدٍ ما مقلدون، أنه ظاهرة الطب البديل ابتدأت غربية أصاً ليس
بالضرورة في.. في التراث النبوي بهذا الشكل، ولكنها ظاهرة غربية بامتياز.
د. سمير الحلو: خلينا نقول إنه معاناة الشعوب تتماثل وتتشابه، فالتقنية والحضارة الحديثة التي بدأت في القرن الماضي وشملت كل مناحي الحياة ومنها
الطب بالطبع، وبدأت اأدوية التي كانت سابقاً طبيعية وتحولت إلى مُصَنّعة في المعامل والمخابر، هذه اأدوية التي ا توجد في الطبيعة على ما هي عليه
اآن أحدثت في اأجسام مشاكل، وهناك إحصائيات كثير في العالم تقول أن 51 % من اأدوية الكيماوية تظهر لها آثار بعد عشر سنوات من استخدامها غير
مكتوبة في النشرة الموجودة في هذه اأدوية، فاحظ الناس تعاني شرقاً وغرباً وعندنا أيضاً فالمعاناة الجماهيرية متشابهة، فبدأت الضغوط على اأطباء
وعلى غيرهم، وعلى من له اهتمام بهذا اأمر للعودة إلى هذه الطبيعة، طبعاً زي ما تفضلت في البداية، استغل قوم كثيرون هذه الناحية، استغلوها استغااً
بشعاً وبدءوا يقولون عن أنفسهم أنهم علماء و.. ودكاترة وغيرها وغيرها، ويبتزون الناس ابتزازاً عجيباً، مما جعل هذه اأمور حتى.. يعني يصبح هناك
شيء من التشوه في هذه الفكرة في بعض اأحيان.
ماهر عبدالله: طيب نرجع لموضوع التشوه، بس أسألك سؤال تقليدي آخر كونك سميت اأول سؤال تقليدي، سؤالنا كان الثاني ذو عاقة يعني كمقدمة لهذا
الموضوع، أن الطابع العام أن محمد صلى ه عليه وسلم..
د. سمير الحلو: صلى ه عليه وسلم.
ماهر عبدالله: في المقام اأول لم.. لم يُرسل طبيباً، في.. في بعض اأحيان عندما تستمع إلى بعض الذين يتحدثون عن هذه المواضيع يعني تعتقد أنه
الطبيب اأول في العالم، فإلى أي مدى يمكن القول أن السّنة عالجت هذا.. هذا الموضوع بتفصيل أو بتفصيل حتى ممل بمعنى أنه كثير و.. وشامل لكل
مناحي الحياة، هل كان محمد صلى ه عليه وسلم.
د. سمير الحلو: صلى ه عليه وسلم.
ماهر عبدالله: طبيباً في المقام اأول، أم رسواً هادياً مبشراً نذيراً؟
د. سمير الحلو: ا شك أنه -صلى ه عليه وسلم- بُعث هادياً ومبشراً ونذيراً ليدل اأمة على كل خير، اآن احظ أن الرسول -صلى ه عليه وسلم- هو أول
حاكم في اإسام وهو النبي أيضاً، وأن من المصلحة ومن مسؤولية الحاكم والنبي أن يحرص على صحة أفراد المجتمع وصحة شعبه لكي يكونوا أفراداً،
قادة، دعاة، أصحاء، سليمين في أجسامهم وفي عقولهم وفي أذهانهم وفي عقيدتهم فحرص -عليه الصاة والسام- أن يدل المسلمين على أمور كلية جامعة
في موضوع الصحة، ولكنها ليست تفصيلية، أنه -كما تفضلتم- ليس طبيباً وإنما دل على أمور كلية جامعة لو بحثنا فيها لوجدنا فيها خيراً كثيراً، ومع ذلك
النبي – عليه الصاة والسام- إذا قرأنا السيرة بتمعن كان يأتيه المريض فيشكو له أو يكتشف هو إنساناً مريضاً فإما أن يقول له: اعمل.. افعل كذا، أو قد يقرأ
عليه، أو قد يقول له: اذهب إلى الطبيب، اذهب فتطبب، وكان يدل على الحارث بن كلدة المشهور بالطب في ذاك الزمان، وأيضاً حادثة أخرى حينما مرض
-عليه الصاة والسام- كانت تأتيه الوفود فينعتون له اأنعات أي الوصفات المختلفة، فتقوم السيدة عائشة -رضي ه عنها- بتحضير هذه اأشياء وإعطائها
للرسول صلى ه عليه وسلم، هذا دليل على أنه كان يأخذ بالوصفات اأخرى التي لم يدل عليها أيضاً، ولو تأملنا الكون وسنة ه في كونه وخلقه لوجدنا أن
ه -سبحانه وتعالى- خلق أشياء كثيرة جداً ورائعة وعجيبة ولم ترد أيضاً في الطب النبوي، فهذا كله يجعلنا ا نحصر الطب في الطب النبوي فقط كما
يتعصب البعض عن ضيق أفق، وإنما نقول: أن ه -سبحانه وتعالى- جعل نبيه الكريم يدلنا على خيرٍ كثير في أمورٍ ثبتت فاعليتها، ولكن بنفس الوقت هذه
اأمور ليست هي الطب كله، بل هي مساندة ومساعدة وخاصة أننا نتميز كمسلمين بشيء واحد ا يعرفه كل البشر اآخرون وهو القرآن، القرآن قد يكون
شافياً، في اأمور -كما تعلمون- النفسية والروحانية و.. وغيرها، وحتى بعض العلل المادية مثل اللدغة وغيرها.

د. سمير الحلو

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *