الطب الإسلامي (نظرة على وضعه الحالي وعلى مستقبله)

كان الطب الإسلامي يعتبر حتى نهاية الخامس عاثر، طبا كاملا لا معادل له، وكان للأطباء المسلمين شهرة واسعة، كما كانت المستشفيات وكليات الطب مثلا يقتدي به كمستشفى العضدي في بغداد، ومستشفى النوري في دمشق والمنصوري في القاهرة (1). وكان الأوربيون ينظمون مستشفياتهم ومدارسهم على ذات النمط. وكانت المؤ لفات الإسلامية تحتل مكانة بارزة في برامجهم الدراسية، وذكر على سبيل المثال مدارس ساليرن ومونبليه وباريس (2). كما كان ابن سينا يدعى (أبو الأطباء) (3)، وكان لكتاب الحاوي للرازي قيمة كبيرة، كما أنه حين وقع ريتشارد قلب الأسد مريضا، طلب طبيبا مسلما لمداواته، فأرسل له صلاح الدين طبيبه الخاص.

لكنه فيما بعد، أخذ الطب الأ وروبي المكانة الأولى: فاكتشف (باستور) الجراثيم، واكتشف (فليمينغ) البنسلين، ومن اكتشاف إلى اكتشاف، تطور هذا الطب، ونسي العالم ابن سينا والرازي وغيرهما من العرب وأصبح كبار الأطباء حاليا يدعون بالبروفيسور بار ناد، وشار نلي وكاكا… أما كليات الطب الموجودة حاليا في الدول الإسلامية فهي نسخة عن المدارس الأوروبية، تعلم فيها نفس المواد، حين تمرض شخصية إسلامية، فلا تداوى بالقاهرة أو في دمشق أو بغداد، بل إنها تعالج في باريس أو في لندن ن أو في نيويورك أو بوسطن. 
وللحقيقة فإن مسئولية هذه الحالة لا تقع على أحد. إذ إن هناك شروطا تاريخية اجـتماعية، اقتصادية وسياسية لم تتح للمسلمين الاشتراك في النهضة الطبية. وقد حصلت منذ نهاية القرن التاسع عشر محاولات عدة للخروج مت هذا الطريق المسدود، ولكن للأسف أصيبت كلها بالفشل.

إن حل هذه المشكلة ليس بالمستحيل، فالغرب لا يملك العلم وحده، ولا له عليه احتكار. إذ إننا نجد علماء مسلمين يعملون في الغرب إلى جانب العلماء الغربيين، كما أننا نجد في الدولة الإسلامية مراكز صحية هامة وأطباء ذوى قيمة كبيرة. لكننا نستنتج أيضأ أن أهداف هذه المراكز ليست متكاملة مع بعضها البعض، بل إنها في أكثر الأوقات متضاربة. وإن طرح موضوع مستقبل الطب الإسلامي في حد ذاته خطوة هامة نحو الشعور بقوة هذا الطب وأهميته. وباستطاعة هذه الخطوة أن تتعدى الصعوبات وأن تمحو التناقضات وأن تحسن البناء حتى يصل الطب الإسلامي إلى هدفين:

أولأ: أن يصبح ذا جودة كبيرة لا خدمة الشعوب الإسلامية
ثانيا: أن يحتوي هذا الطب على علماء، أطباء وباحثين، ذوي علم واسع، كي يشكلوا بأعمالم وبحوثهم، مساهمة المسلمين بالتطور العلمي، وكي يصبح، للمسلمين مكانة ومركز في منصة الشعوب التي ساهمت بتقدم وتطوره ا لإنسا نية.

ليس من هدف هذا البحث تقديم برنامج أو مخطط للوصول إلى هذه الأهداف. إذ إن مستقبل الطب الإسلامي يدخل ضمن مخطط واسع: فالطب لا يمكن أن يتطور وحده دون غيره من العلوم لكننا سنحاول طرح بعض الأفكار التي إن تحققت، قد تساهم في تطور هذا الطب. تتعلق هذه الأفكار بنواح ثلاث:

– تنظيم المراكز الطبي. 
– الأطباء العاملون في هذه المراكز. 
– مركز الأبحاث والدعاية.

أ- تنظيم المراكز الطبية:

إن نظرتنا لمستقبل الطب الإسلامي نرى نوعين من المراكز. 
– المستشفيات العامة والمستوصفات ودوائر الممرضات حيث تداوي الأمراض العادية طبية كانت أم جراحية.

– مراكز للعلاج والبحوث الصحبة: يحتوي كل مركز من هذه المراكز على أقسام عدة، كل قسم منها له اختصاص معين، مزود بأحدث المعدات، ومجهز بآخر الاختراعات في مجاله، كي يبقى كل قسم في الطليعة، وفي جميع المجالات أكان ذلك في مجال تطعيم الأعضاء أو في مجال الجراحة القلبية.ويلعب كل قسم من هذه الأقسام دورا هاما في تشكيل جيل جديد من الأطباء والباحثين، ويقوم هؤلاء فيما بعد، ببناء مراكز جديدة وتشكيل أجيال أخرى.

ب- الأطباء العاملون:

يعمل في كل قسم فريق طبي يعين أعضاؤه من قبل مؤسسة خاصة (نشرح دورها في الفترة ج) لكل فريق رئيس يهتم بمتابعة أعمال الأطباء والباحثين وتنسيق جهودهم. أما الأعضاء الآخرون، فهم أطباء شباب، خريجو أحسن الجامعات وأشهرها، ولهم خبرة طبية كبيرة وصلات وثيقة مع باحثي الجامعات والأقسام التي عملوا بها. ويتجدد هؤلاء الأعضاء مرة كل أربع أو خمس سنوات هذا التجدد يعود بالفائدة الكبرى على القسم إذ إنه يحمل في طيه دما جديدا وخبرة جديدة مما يسمح للقسم معرفة آخر ا التطورات، وللعاملين فيه متابعة الجهود بالطريق الصحيح. 
وإلى جانب هذا الفريق الطبي على القسم أن يحوى فريقا من الباحثين. وللحقيقة فإن الفريقين يتكاملان:

فمشاكل كل فريق الأطباء تجد شرحا لها عند فريق الباحثين، كذلك فإن مكتشفات الباحثين، تلاقي مجالا للتطبيق عند فريق الأطباء. ومثل بسيط على ذلك: إن اكتشافات فريق علم الأنسجة تفيد حتما فرق تطعيم الأعضاء، كذلك فإن علم تحريك الدم له صلة مباشرة بجراحة القلب.

إلى جانب هذين الفريقين من الأطباء، نود أن نشدد على أهمية فرق الممرضات والعاملين حول فريق الأطباء.

إن قيمة عمل هذا الفريق تتعلق بدراستهم الأولية وتتعلق أيضأ بإكمال هذه لدراسة، بدراسات أخرى دائمة وإلا فإن عمل هذا الفريق يصبح ترديد. حركات لا معني، لها.

ولكي يكون عمل الأطباء والباحثين، والممرضات عملا فعالا فمن الواجب أن يكون هناك فريق تقني ذو مستوى عال. فالطب كغيره من العلوم أصبح يستعمل الإلكترنيك والكمبيوتر، لذلك فإنه من اللازم أن يكون هناك فريق تقني يعرف جيدا استعمال الآلات الموجودة، وكذلك تركيبها وتحضيرها مما يتيح له حل المشاكل التي قد تعترض فريق الأطباء أو فريق الباحثين. وباستطاعة هذا الفريق أن يكون صلة الوصل بين الفرقاء المعنيين كالأطباء وعلماء الفيزياء وعلماء الكيمياء وغيرهم.

ج- المركز الطبي للأبحاث والدعاية:

أهداف هذا المركز عديدة:-

ا- البحث عن الطلاب المسلمين البارعين والمتفوقين، في الجامعات المختلفة ومساعدتهم- هذه المساعدة قد تكون مساعدة شخصية، نفسية، وعلمية أو مالية.

2- عرض مراكز على من ينجح منهم، ومن يصل إلى مستوى علمي عال، وإعطاؤهم الاختيار لوجود مراكز عديدة، تحتوي على أقسام مختلفة. ويعترض هذأ الاختيار وجود مراكز عديدة، تحتوي على أقسام مختلفة في أكثر من بلد.

3- خلق أعمال وأبحاث مشتركة بين المركز الإسلامية ومؤسسات علمية أجنبية، إما بشكل اشتراك علماء مسلمين يختارهم المركز، في أعمال المؤسسات الأجنبية، أو طرح مشروع بحث يهم المركز، أو اشتراك علماء وأجاذب في أعمال الباحثين المسلمين، بواسطة منح دراسية من قبل المركز.

4- خلق ” جائزة علمية” لها قيمة مالية كبيرة، تعطى مرة كل عام إلى عالم أو باحث. ومن الأفضل إعطاؤها في البداية إلى علماء أجانب مشهورين. وتعطي لهذه الجائزة العلمية يوم توزيعها، دعاية كبيرة في جميع أنحاء العالم، وعلى جميع المستويات. وحين يصير، لهذه الجائزة شهرة عالمية، تعطى تدريجيا إلى علماء مسلمين، مما يعطيهم شهرة ومعرفة، ويفتح لهم أبواب المؤسسات الأجنبية ويشجع الجيل الطالع الفتي كي يتبع خطواتهم.

حين يتحقق هذا المخطط بأوجهه العديدة تكون من نتيجته خلق نواة من الباحثين والعلماء الذين سيخرجون بدورهم عناصر أخرى من العلماء والباحثين. وسيعطي تكاثر هذه العناصر تيارا علميا قويا. وقد أثبت التاريخ أنه في داخل هذا التيار، نجد عناصر أذكى من الأذكياء، وعلماء لا معادل لهم، ممن يعملون ويكتشفون وينشرون اكتشافاتهم، وستشارك هذه الاكتشافات الإسلامية بتقدم الطب وتطوره. هؤلاء العلماء، وهذه اكتشافات سيسمحون للطب الإسلامي باحتلال مراكز هامة في منصة الشعوب التي تساهم في تقدم الإنسانية وحضارتها.

المراجع

ا- دكتور أحمد عيسى بك: تاريخ المستشفيات (البيمارستان) في العصر 
الإسلامي. مؤتمر القاهرة الطبي لاحياء ذكرى مستشفى المنصوري. القاهرة 1928 م. 
2- دكتور عبد الرحيم حجازي: الطب الإسلامي: عامل أساس في خروج أوربا من عصر الظلام. مؤتمر الطب الإسلامي الأول. الكويت 1981 م- 
3- دكتور اندريه سوبيران: ابن سينا: أمير الأطباء أطروحة طبية.- جامعة طب باريس 1935. 
4- ج- ك- ساباتية: بحث تاريخي عن جامعة بارير للطب. منشورات باييار. باريس 1837.

لدكتور / عبد الرحيم حجازي – فرنسا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *