الطب الإسلامــي — غائـب أم مظلـوم ؟

الطب الإسلامــي — غائـب أم مظلـوم ؟

المرض حقيقة واقعة وينال من الإنسان بين حين وآخر ” لقد خلقنا الإنسان في كبد ” (1) وليس من البشر من هو معصوم عن الداء ، فحتى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه يمرضون ، أما الشفاء فإنه يتم بإذن الله ” وإذا مرضت فهو يشفين ” (2) وذلك عبر أسباب عديدة ، لقد كانت رحلة البشر مع المرض صراعاً موغلاً في القدم ، عنيفاً قدر شدة الآدواء التي يصادفها الإنسان ، مديداً ماامتدت الحياة على الأرض، ومن هذه العلاقة نجم مايدعى بالطب ، فكيف بدأ هذا الذي يقف للبلاء بالمرصاد ؟
لقد قيل عن بدء الطب فرضيات وأقوال تمثلت في تيارين يصعب الجزم بأيهما أتى أولاً ، الإتجاه الأول يقول إن الطب بدأ تجريبياً ، حيث أن الإنسان يجرب علاجاً ما على شكل عمل ما ، أو أنه يعتمد على نبات أومعدن أوغذاء إلى ماهنالك من موجودات تحيط به ، وعندما ينجح أحدها في برء مريض يتم تسجيله في الذاكرة وتتوارثه الأجيال التي تطوره أوتبقيه جامداً كما هو ، أما الإتجاه الثاني في تفسير بدء الطب فإنه يرتكز على مبدأ الروحانيات والغيبيات ، حيث يقول أنصار هذا التيار : إن المريض بما يحدثه من أمور غريبة ومريعة قد أخاف الإنسان وأرعبه فنسبه إلى قوى خفية ، واتجه إلى الغيبيات يستجدي عونها في تحقيق الشفاء ، فأي النظريتين ياترى تمثل الحقيقة ؟ أمر يصعب التكهن بـه ، وربما نكون أقرب للحقيقة إن وقفنا في منتصف الطريق بينهما ، وقلنا إن الأمرين تواجداً بنفس الوقت مع غلبة أحدهما على الآخر حسب الزمـان والمكان ، وهذا يجرنا للحديث عن مظاهر الطب في أزمان مختلفة وعند أقوام شتى : ففي بابل كانت التعاويـذ والصلوات وتقديم القرابين وطقوس السحر والشعوذة عماد الطب البابلي ، ولكن يجب أن نذكر أن طب بابل كان لايخلو من عقاقير علاجية نباتية وحيوانية ومعدنية 0

أما الطب المصري القديم فكان يتمتع بميزات علمية وعملية راقية وواقعية ، حتى إن بعضه كان يخلو تماماً من الشعوذة ، كما كانت بعض الوصوف المرضية عند قدامى المصريين دقيقة حقاً ، وكل هذا لم يمنع وجود الروحانيات في ذلك الطب الذي جعل من ضفاف النيل مزارع دوائية 0

أما في بلاد الإغريـق فلقـد ترعرع لديهم طب لايستهان بـه ، وكانت لديهم الأبحـاث التجريبية والأبحاث النظريـة ، ونبغ لديهم أطباء لايزال ذكرهم على الألسن ، فأبقراط اعتبر أباً للطب ، وجالينوس لايمكن نسيان فضله 0

ولو اتجهت أنظارنا صوب المشرق لوجدنا طباً له مكانه في سجل الحضارة البشرية ، فالهنود لهم طبهم ، والصينيون بطبهم فخورن 0

ويسير بنا القطار لنصل فترة غاية في النقاء والصفاء احتوت على طب فريد متميز أصيل ، إنه الطب النبوي الذي أبدع في وصفه الإمام ابن القيم في كتابة الطب النبوي حيث قال : ” ليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء ، فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي ، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل ، وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب ، ولاينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة ، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء له وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان ، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور – إن لم يتلق هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها ، بل لايزيد المنافقين إلا رجساً إلى رجسهم ومرضاً إلى مرضهم ، وأين يقع طب الأبدان منه فطب النبوة لايناسب إلا الأبدان الطيبة ، كما أن شفاء القرآن لايناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية ، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الإستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع ، وليس ذلك القصور في الدواء ولكن لخبث الطبيعة وفساد المحل ، وعدم قبوله ، والله الموفق ” (3) 0
إن ارتباط الطب بالدين أمثلته عديدة ، وربما كان شائعاً في كل الأديان ، ولكن هناك من الأديان ماهو وضعي من بدع البشر ، ومنها ماهو إلهي قويم أنزله رب العباد ، وتبعاً لذلك تكون مصداقية الطب ، إن عيسى عليه السلام كانت له معجزات أعطاه إياها الله سبحانه ، ومنها ماكان على شكل شفاء للأمراض (وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ) (4) ، والإسلام وهو الدين الذي أراده الله تعالى للبشر ديناً كاملاً على مر العصور والأزمان شفاء ، فالإيمان وحلاوته شفاء ، والقرآن الكريم شفاء ، والنبي صلوات الله وسلامه عليه أعطانا طباً شافياً إن شاء الله ، لقد كان في طب النبي صلى الله عليه وسلم يوجد الجانبان المادي والروحي ، فلقد أوصانا بالعسل والتمر والحبة السوداء والسواك إلى ماهنالك من أمثلة على الجانب الأول ، كما أن روح طبه كانت تتمثل في الجانب الثاني الأهم الذي يعتمد على القرآن الكريم والأدعية والرقية الشرعية ، هذا عدا عن أمور أمر بها الإسلام وهي من جوهر الصحة ، ألم تسمع قول خير الأنام (ص) ؟ ” الطهور شطر الإيمان “(5) وكذا الأمر بالنسبة للختان (6)الذي ثبتت فوائده الجمة بشكل لالبس فيه ، أما الصيام ففيه من الفوائد الكثير الكثير 0

ونعبر محطات التاريخ لنصل أوائل القرن الثالث الهجري ، حيث ازدهر الطب العربي والإسلامي ، فالعرب لايمكن نكران إسهامهم الطبي ، وقد شهد لهم بذلك حتى الأعداء ، لقد كان الطب لديهم علماً وممارسة أغنوه بالترجمة والتحصيل في البدء ، ومن ثم كانت فترة الأصالة والإبداع حيث نبغ أطباء ملأت شهرتهم الآفاق كالرازي وابن سينا والكندي والزهراوي وابن النفيس وغيرهم كثير لايتسع المجال لذكرهم ، وإنتاجهم العلمي كان غزيراً لدرجة أن وهجه وإشعاعه قد غطى العالم آنذاك وبهر العدو قبل الصديق ، والطب والصيدلة توآمان لايفترقان ولذلك لاعجب إن علمنا أن أول صيدلية عرفها العالم قد افتتحت في بغداد في تلك العهود 0

وبمرور الأيام يبقى في الموروث الشعبي طب ، ومثل الطب في ذلك مثل كل العلوم والآداب ، وهذا مادعي بالطب الشعبي ، ومصادره عديدة متنوعة منها الطب العربي القديم بموارده المختلفة ، ومنها طب الجوار حيث أن الحضارات تتأثر ببعضها على الدوام ، وكذلك يعتبر التراث الديني رافداً هاماً ، ويضاف لذلك بين الحين والآخر إضافات من الطب الحديث وخبرات وتجارب يضعها أصحابها ليورثونها أبناءهم ، إن هذا الطب فيه الصحيح النافع ، كما أن فيه الغث الرديء ، ويسمونه أحياناً الطب العربي ، ولكن إسمه الأول أقرب للحقيقة 0

لايتوقف القطار حتى يضعنا في خضم الحضارة المعاصرة ، والتي جعلت من الطب مادة كالفيزياء والرياضيات ، ورسخت في عقولنا مفاهيم الطب الغربي ، بحيث أصبح الطبيب ينفر من كل ماسواه وينبذه وراء ظهره ، وهذا ماأدى للبعد عن طبنا العربي والإسلامي أكثر فأكثر حيث جهله من يفترض أنهم حماته ، وبقي منه شذرات هنا وهناك التقطها بطريق أو بآخر أشخاص قد يكون بعضهم غير جديرين بحمل راية طبنا العظيمة ، لقد وصل الأمر ببعضهم أن ادعى لنفسه قدرات خارقة ، وبعضهم الآخر استخدم أساليب علاجية أقل مايقال فيها أنها خاطئة وربما آثمة ، وبعضهم أدخل الشعوذة والدجل لطبه ، وهذا ماأدى لزيادة النفور من الطب العربي الإسلامي اعتقاداً من بعض الناس أن هذا هو طبنا ، وشتان مابين هذا وذاك ، وتبقى بعض الينابيع الخيرة تفيض عطاء في بقاع شتى ، ، ولها علينا ليس التشجيع فحسب وإنما البحث والتحري وإثبات النفع والفائدة ، في الصين طب له جذور قديمة وفيـه أشياء غامضة لاتخضع للمقاييس العلمية المعتادة كالوخز بالإبر ، ورغم مادية الصينين المتأخرين فإنهم لم يغفلوا طبهم ولم ينبذوه ، بل أخذوا به وبفوائده ، وفتحوا له الجامعات وبحثوا به ودرسوه وأصبح مفخرة لهم نسمع به في شرق المعمورة وغربها ، وطبنا فيه ماهو أسمى وأعمق من ذلك ، ففيه العلاج الذي يصنف بالمادي ، وفيه العلاج الذي أنزله رب العالمين وماأعظمه من علاج ، ، انظر إلى ذلك الجمع الرائع بين الطبين البشري والإلهي على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث يقول ” عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن ” (7) لقد أمست عيادة الطبيب المعاصر جافة إلى حد ما ، طبعاً لاننسى أن الطبيب بحنكته وبراعته يضفي على ممارسته بعضاً من الحلاوة ويكسبها طلاوة ، فتصرفاته وأقواله هي إلى حد ما علاجات نفسية داعمة وقوية ، ولكن كم ستكون العيادة غنية زاخرة لوزودنا بخير الزاد ؟ أليس القرآن الكريم شفاء ؟ أليس الدعاء راحة ولذة للنفس الجزعة ؟ ماأروع الأذكار وهي تعيد الطمأنينة للنفس التي أقلقها المرض ، قد يخجل أحدهم وهو يقول لطبيبه : أنا أدعو الله كي يشفيني وأقرأ القرأن عسى أن يجعل الله به شفاء لي ، لماذا يخجل وهو يفعل عين الصواب ؟! إنه يخشى أن يصفه الطبيب بالتخلف !! إننا بشكل أوبأخر نوقع المريض بالحيرة ، وقد يستسلم لاحقاً فينشد كهوف أدعياء الطب ملتمساً طبهم وشعوذتهم ، كما أننا نتيح الفرصة لذلك المعالج الشعبي الذي يتجاوز حدوده ويحاول إقناع الناس بأنه ” خارق ” 0

لكل بيئة مميزاتها التي تجعلها تختلف عن غيرها ، وكل بقعة جغرافية تحمل أمراضاً قد لاتوجد في أماكن أخرى ، وهذا تابع لعوامل عديدة ، كما أن السير التاريخي للإنسان أوجد علوماً مختلفة ، ولذلك لاعجب أن تختلف الأدوية والعلاجات ، حتى العقاقير التي تقذفها مصانع يومنا هذا قد يختلف أثرها وفعلها من مكان لآخر ، والبيئة الحية هي التي تستثمر كل إمكانياتها ، وعلى هذا فإن مايقوم به قوم من تطوير لعلاجاتهم القديمة ووضعها ضمن أطر وقوانين سليمة لايعتبر نكوصاً عن مبادىء الطب الحديث ، وإنما تدعيماً لهذا الطب وفهماً أوسع له بحيث يصبح قادراً على استيعاب طبهم القديم جنباً إلى جنب مع مايردهم من الحضارات الأخرى وماتكتشفه الأجيال ، إن كثيراً من الطب هو إنتاج وإبداع للعقل الذي زودنا به الله سبحانه ، وهو لايختص بقوم أوحضارة دون أخرى ، بل هو مجموع متكامل يكتمل بهاؤه بتلون موارده ، وكلما اعتمد هذا البنيان على أركان أقوى كلما اشتد عوده ونضج أكثر ، إن اللغه الدراجة في عالمنا الآن هي الانكليزية ، ولكن هذا لايعني أنها اللغة الأوحد والأفضل ، لافهناك لغات عريقة ، لابل أقوى من الانكليزية نفسها ، فمابالك باللغة العربية التي حفظها الله سبحانه بحفظه لكتابه الكريم ؟ الإنكليزية هذا زمانها ، أما العربية فهي اللغة الخالدة على مر الأزمان والعصور ، وكذلك طبنا الإسلامي المعتمد على القرآن الكريم والسنة المطهرة بالإضافة لجوانبه المادية هو طب دائم وفعال على مر الأزمان ، ولايمكننا بأي شكل القول إن الطب المادي الحديث الذي ندرسه هو كل شيء ، صحيح أن العديد من المشاكل قد حلها ، وأن التقدم الذي وصله كبير جداً ، ولكن طبنا الرائع بخصوصيته التي تجمع بين طب يستعين برب العالمين وطب مثل ذلك الذي تعرفه الحضارة الغربية هو طب شامخ البنيان ، ونحن إذ نأخذ العلوم من كل منابعها ، لايضرنا ولايعيبنا أن نشرب من نبع هو أنقاها
ويبقى الأمل قائماً ومشروعاً ، فلقد قامت العديد من الجامعات والكليات وأماكن البحث في البلاد العربية والإسلامية ، إننا مقتنعون بتلك المزايا ، ولكن تطور العصر يتطلب الأدلة العلمية القاطعة ، أشياء كثيرة في طبنا تحتاج لأن نزيل عنها غبار الزمن الذي أتى بمرور الأيام أو ألقاه البعض عليها بقصد أودونما قصد فلربما وجدنا الكثير الكثير
إن لواء الطب العربي والإسلامي فخر لمن يحمله وليس عاراً أومذمة ، ورحم الله الذي قال ” لاتكن ممن إذ جهل شيئاً عاداه ” ، والله ولي التوفيـق

المراجع
1- سورة البلـد – الآيـة 4
2- سورة الشعراء – الآيـة 80
3- الطب النبوي لابن قيم الجوزية ص33 – 34
4- سورة آل عمران – الآيـة 49
5- رواه مسلم
6- راجع ص 890 -891 من كتاب Diseases Of The Neoborn . Schaffer And Avery’s 1991
7- أخرجه ابن ماجة والحاكم في صحيحه
وللإستزادة :
1- القرآن الكريــم
2- كتب الأحاديـث الشريفـة .
3- التفاسير .
4- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم – محمد فؤاد عبد الباقي
5- الطب النبوي لابن قيم الجوزية – تحقيق الشيخ محمد علي القطب
6- التداوي بالحبة السوداء – إعداد احمد شمس الدين
7- الختان – د محمد علي البار
8- عسل النحل في القرآن والسنة – د. السيد الجميلي
9- طريقك إلى الصحة النفسية والعضوية – عبدالله بن عبد العزيز عبدالله
10- السواك بين الطب والشريعة – إعداد أبو أسامة محي الدين
11- نخلة التمر – محمود جودة صوان
12 – تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم الجوزية
13- زواج الأقارب تحت المجهر – د.عبدالمطلب أحمد السح_ مجلس العالم الإسلامي للإعاقة وإهادة التأهيل.
د. عبدالمطلب أحمد السح

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *