الصحة البدنية النفسية في الإسلام الجزء الأول

الصحة البدنية النفسية في الإسلام الجزء الأول

الجزء الأول

تمهيد
الإنسان في هذه الدنيا مركب بدني- نفسي، بدن أنشىء من الأرض ونفس من طور أعلى، ولكل من الطرفين صحته ومرضه واختلاله، ولهما معا صحة هي التوازن بين حياة البدن وحياة النفس.
ويجب على الإنسان أن يتعلم كيفا يعيش ، معتنيا بسلامة بدنه مع التعهد لنفسه التي هي حقيقته ، وما البدن إلا أداته .
والصحة البدنية، بمعناها الخاص، موضوع عناية طائفة معينة من الأطباء كما أن العناية بالنفس موضوع اهتمام فريق آخر من أطباء البدن ومن المفكرين الحكماء ومن علماء الدين، وإذا كان هذا الفريق قد ظهر منذ قديم فإنه برز خصوصا في عصرنا، بسبب تطور الحضارة الحديثة وما فيها من مشكلات وأنواع من المعاناة يتعرض لها الإنسان المعاصر .

وقد تقدمت المعرفة ووسائل العلاج البدني تقدما كبيرا، وأمكن التغلب على كثير من أنواع الأذى والألم، ولكن بقي كثير مما لا يزال يعرض باستمرار ، ومع ذلك فإن الاجتهاد في مداواة الإنسان لا يتوقف، لأن الإنسان هو المريض، وهو حاول أن يكون لنفسه الطبيب.

على أنه يمكن القول إن علاج البدن أحيانا أسهل، لأن الطبيب هنا يتعامل مع مركب طبيعي، بناؤه من عناصر الطبيعة، ويمكن مداواته بحسب المعرفة بخواص تلك العناصر التي أصبح الطب يعرف منها الكثير ، بفضل الدأب والمثابرة في إجراء التجارب والاختبارات.

أما صحة النفس! ومعالجة أمراضها فهي مشكلة أكبر وأعقد، لأنها تحتاج إلى معرفة قوى النفس وملكاتها ونوإزعها ، وهذه متعددة ومختلفة إلى حد التضارب في هذا الإنسان العجيب الذي تكاملت في طبيعته كل ” التراكيب” ، كما يقولون، وكل ذلك فضلا عن أن ما يساور الإنسان من آلام النفس أكثر حدوثا مما يصيب البدن، كما لاحظ أحد أطباء النفوس الذين سنتكلم عنهم فيما بعد، وهو أبو زيد أحمد بن سهل البلخي.
وقد اجتهد الحكماء قديما من مختلف الأمم، كما اجتهد أهل الفلسفة العملية، على المستوى الفردي والاجتماعي، وكذلك اجتهد علماء النفس المحدثون في إرشاد الإنسان إلى الراحة من آلامه النفسية، وتنوعت آراؤهم بحسب ظروف حياة الأمم ونوع حضارتها، فمنهم من حاول معالجته من داخل ذاته ومنهم من التمس العلاج من خارجها، وكلهم يحاول تجنب المعاناة والشقاء، رغم اختلافهم في السبل والوسائل.

فكان هناك من نظروا إلى جانب الألم، خصوصا آلام الاشتهاء والحاجة والسعي في إشباع الرغبات ثم العودة إلى ذلك، فرأوا أن وجود الإنسان شر، واتجهوا إلى اقتلاع الاشتهاء من جذوره، كما في بعض الفلسفات الهندية القديمة، وهذا ليس علاجا بل قتلا لاستعدادات الإنسان وملكاته العظيمة.

وهناك من حارب الحواس والشهوات لمصلحة حياة الفكر والمعرفة، كأنه يمارس نوعا من الموت الإرادي، بغية الوصول إلى كمال الفضيلة (أفلاطون على أثر أستاذه سقراط) أو حاول رسم الطريق لسلوك متوازن بين رغبات البدن ومطالب الفكر، لكن مع التمسك بأهمية ” الحكمة ” التي هي أعظم ما يسعد الإنسان، وهذا هو مجال الأخلاق، كما نجدها مثلا عند أرسطو ومن سار على أثره في الشرق والغرب.

لكن هناك قديما من اهتم باللذة الحسية، ورأى فيها الراحة والسعادة، فأراد بشيء من الحكمة “والحساب “، التوصل إلى لذا ة بريئة من الألم، فانتهى إلى الزهد في كثير من اللذات الهائجة والى نوع من السكينة والرضا، إلى حد قول بعضهم بحسب طريقة تفكير عصره: إن الإنسان إذا توفر لديه الماء والخبز فإنه يستطيع ” أن ينافس زيوس في السعادة ” لأنه يكون قد وصل إلى حالة السكينة ( Ataraxia ) النفسية التامة (أبيقور).

وهناك من تماسك بأهداب “الحكمة “، بمعنى معرفة الوجود الحق وإدراك طبيعة الأشياء والقوانين القاسية التي تحكم الحياة، ثم تشكيل السلوك بحسبها، مع العناية بتربية شخصية قوية لا تهزها الأحداث، بل تقف ثابتة متوازنة ” كتوازن الأفلاك في مداراتها “، وذلك يكون بتحرير النفس من الشهوات ” وبالاستغناء الذاتي “، بحيث يكون الإنسان ” عالما صغيرا “Microcosm حقيقيا يقف أمام ” العالم الكبير “Macrocosm سيد ا في نفسه، في حالة من ” عدم التأثر ” Apathia وقلة الاكتراث بالمصائب، حتى بالموت، يقول أحدهم: ” أنا لا أبالي بالموت “، وهذا هو موقف الفلاسفة الرواقيين (Stoics) من اليونان، وخصوصا الرومان منهم أمثال سينيكا (Seneca).

غير أنه، في عصور انحلال الحضارة وسيطرة الترف، مع أزمات في الفكر والحياة، يظهر من يدعو إلى لذات الجسد ولا يرى غيرها، ومنهم كما حكى ابن مسكويه في كتابه ” تهذيب الأخلاق “، من دعا إلى استعمال الفكر في تنظيم اللذات، فبجعل أشرف ما في الإنسان خادما لأحط ما فيه.

كل هذه الآراء وغيرها تهدف إلى توفير الراحة النفسية، ومنها ما لا ضرورة له، ومنها ما قد يكون مقبولا من الناحية العملية بقدر ما تسمح طبيعة الحياة، لكنها جميعا دعوات ليس معها إلزام ولا جزاء من جهة، وهي لا تحل مشكلة الإنسان من جهة أخرى.

هي لا تجيب عن سؤال لا مفر منه للمفكر الجاد في أثناء معاناته للحياة، وهو: ما معنى حياة الإنسان ووجوده في الأرض بكل ملكاته الرفيعة واستعداداته للهبوط إلى مستوى الحيوان، وما هو قانون حياته وما هو مصيره بعدها؟

هذه أسئلة لا تكفي في الإجابة عنها، عند المفكر المتعمق، كل الفلسفات والاجتهادات الإنسانية، التي لا يزيد بعضها عن، كونه نوعا من ” المسكنات ” لآلام المعاناة الإنسانية أو ” التقوية ” للإنسان أو ” الإسعافات النفسية “. فأين، أين يمكن التماس الإجابة؟

لابد أن نصرف هنا النظر عن فلسفة ” الشك المطلق ” و ” اللا أدرية ” و ” اللامعقول ” و ” الوجودية الإلحادية “، لأنها كلها إما فلسفات غير منتجة أو سطحية أو غير جادة، بحيث تبقى نظرات هامة وجادة أخرى:

هناك نظرة العلم الطبيعي، وما يسمى الآن ” النظرة الأنثروبولوجية ” للإنسان في عالم الكائنات الحية، وهي نظرة وصفية موضوعية، تدرس الإنسان ” كأحد الأحياء ” أو أحيانا ” كشيء “، وقد يتعجب بعض العلماء، ويعجب أشد الإعجاب بالتركيب المعجز في الآدمي، سواء في جملة تكوينه البدني أو في أبسط خلية فيه لكن يندر من العلماء من يتجاوز ذلك إلى الاهتمام بمعنى الوجود الإنساني أو ينظر إلى الإنسان في جملة الكون ثم يتساءل ويبحث عما لذلك كله من دلالة، وهو يترك السؤال للفلسفة مثلا.

فتأتي الفلسفة، خصوصا العقلية، فتريد قيادة الحياة الإنسانية وترسم أسلوبا لها، لكنها في الغالب لا تقدم توضيحا لمشكلة الإنسان.

وتبقى النظرة الدينية، ونقصد هنا الأديان المنزلة، فالحق أنها هي وحدها التي تشمل الوجود بمعناه المطلق، وهذا العالم، وخصوصا الإنسان والقيم وتقدم تصورا متكاملا للأشياء. ومهما حاول البعض أن يعرض عن الأديان المنزلة أو يتجاهلهـا، ويعيش بتصورات أخرى فإنها تبقى، دائما جديرة باحترام العاقل المتعمق، وستظل على الدوام المرشد الحقيقي للإنسان في هذه الحياة.

وكلامنا هنا عن الإسلام الذي يشترك مع الديانتين السابقتين في أمور كلية، لكنه، والحق يقال، انفرد بخصوصيات كثيرة لا يستطيع باحث حق أن يتجاهلها.

و الإيمان في هذه الأديان يقوم على المعرفة والتصديق الجازم العقلي والنفسي بوجود صانع لهذا العالم، تام القدرة والحكمة والعناية والرحمة، وعلى الإيمان بمعنى لحياة الإنسان في الأرض وقانون لها ومسئولية عنها ومصير بعدها، هذا مع أن التصور لبعض هذه الأمور ليس واحدا في هذه الأديان.

والإيمان في الإسلام بالذات ليس نوعا من الإعلام الخبري بوجود الله وسائر أصول العقيدة، ولا هو مأخوذ من تراث الآباء، بل هو مبني على التفكير في تلك الأصول وجعلها مسائل للبحث والدليل والبرهان، باستعمال العقل، وخصوصا التفكر في هذا العالم وفي الإنسان ومكانه فيه واتخاذ ذلك نقطة البداية للاستدلال:

(قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) (س10/101 )

( وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون (س 51/ 20- 21)

(إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون ) (س 45/ 3 ــ 4 )

(أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) (س 7/ 185).

تصورات أساسية يحسن بيانها

التوازن الشامل في الكون وفي حياة الإنسان

موضوع كلامنا هو ” الصحة البدنية والنفسية في الإسلام “، فنحن إذن، أمام علاقة بين شيئين لا يمكن أن تتحقق الصحة فيهما مجتمعين إلا بتوازن في كل منهما وتوازن فيما بينهما.

والإنسان كائن جزئي في هذا العالم، والمسلم يؤمن بنظام محكم يسود الكون، وكل فرد يحتل مكانا فيه، والتوازن الجزئي لا يتم إلا في نطاق توازن كلي شامل.

جاء في القرآن الكريم ذكر “الميزان ” و ” الوزن ” في أمور هذه الحياة وأمور ما بعدها، كما جاء بمناسبة الكلام عن النظام السماوي الذي يشمل، فيما يشمل، أرضنا التي نعيش عليها، وهذا مع الحث على تطبيق ” الميزان الكوني على الأشياء في الأرض:

(والسماء رفعها ووضع الميزان أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (س 55 / 7-9).

والأرض، وهي تسبح في حركتها، تسير متوازنة، بفضل ما عليها من رواسي الجبال (س 15/16)، وكذلك فإن الله أنبت، فيها (من كل شيء موزون) (س ه 1/ 19)، أي أنه مقدر بمقدار معين، أو متناسب التكوين والثمرات.
وإذا كان قد يفهم من لفظ ” الميزان ” في قوله تعالى إنه أرسل رسله ” بالكتاب “، أي الوحي الذي يكتب، وأنزل معهم ” الميزان ” (س 42/ 17، 57/ 25) أن المقصود بالميزان هو الشرع الذي ” تسوى به الحقوق ويقام به العدل ” (تفسير البيضاوي) فإن ذلك لا يناقض مفهوم (الميزان ” و ” التوازن ” ومفهوم العدل الذي يشمل هذه الحياة وما بعدها، وبه قام نظام السموات والأرض.

فمن ا الطبيعي أن يشعر الإنسان، وهو في عالم يسوده التوازن أن عليه أن يراعي في حياته التوازن والاعتدال، وأن ينظمها و، ظل هذا المفهوم، وخصوصا أن له في نظام المخلوقات وجودا متميزا، بحكم رسالته الخاصة الفريدة وهي ” الخلافة ” اجممران الدنيا.

والأساس لإمكان ذلك، كما يتمثل في الصحة البدنية النفسية أو التوازن البدني الروحي هو أن الله قد منح الإنسان مع العقل الذي يميز بين الخير والشر قدرة صالحة لأفعال مختلفة ولأنواع من الرغبات والميول وملكة اختيار ترجح فعلا على فع، بحسب ما يقضي به العقل.

والقرآن الكريم، فيما لا حصر له من آياته، يخاطب الإنسان باعتبار أن له هذه المميزات ؛ ويلقي إليه التكاليف على هذا الأساس الذي يقوم عليه من جهة نظام الأخلاق ويقوم عليه من جهة أخرى التوازن البدني- النفسي، وهو يطلب من الإنسان أن يتوصل بفكره إلى الإيمان الخالص من الأوهام وأن يسير في سلوكه على ” الصراط المستقيم “، بلا انحراف ولا إفراط أو تفريط.

النفس الإنسانية
اختلفت الآراء في النفس الإنسانية قديما وحديثا، فكان هناك من يقول إنها جوهر روحاني متميز في حقيقته عن عالم المادة، وهذا نجده عند الفلاسفة العقليين منذ أيام اليونان (أفلاطون وأرسطو) .

ومن مفكري الإسلام الذين جاءوا بعد اليونان، وهم المعتزلة الذين تعرضوا للبحث في النفس والروح، إبراهيم النظام (ت بين 221 و 231 هـ) الذي سئل: أي أمور الدنيا أعجب؟ فأجاب: الروح، وكان لا يفرق بين ما يسمى ” الروح ” و ” النفس “، ويقول إن الإنسان على الحقيقة هو الروح وإنها جوهر ” لطيف ” سار في البدن كله، ” مشابك له! أو “مداخل “، كما يسرى الماء في الورد، والنفس هي التي تدبر البدن، وهي التي تحس وتدرك وتفعل، والبدن ” آلة ” لها، وهو ” قيد “، إن كان مصدر مواقف الأفعال الاختيارية عند الإنسان.

ومن أولئك المعتزلة من ذهب إلى أن ” النفس ” جزء لا يتجزأ أي ” جوهر فرد ” يحرك البدن ويديره ولا يماسه ، أو رأى أن الإنسان جسد وروح معا وأن أفعال الإنسان لهما معا. لكن كان هناك من تصور أن النفس ” عرض ” كسائر أعراض الجسم وأن الإنسان هو هذا المركب العضوي الذي نشاهده، أو أنكر الوجود المستقل للنفس أو الروح وقال أنههما هما البد ن (راجع هذه الآراء وغيرها في كتابنا عن إبراهيم النظام، القاهرة، 1946)- وهذه الآراء طريفة، وتبدو حديثة جد ا.

فإذا انتقلنا إلى المصور الحديثة وجدنا ديكار Rene Descartes (ت 0 5 6 1 هـ) يقول إن النفس جوهر مفكر غير مادي، وهو يدرك وجود ذاته في فعل التفكير وعبارته المأثورة هي: ” أنا أفكر، إذن أنا موجود “Cogito ergo sum ومثل ديكارت الفيلسوف الفرنسي أيضا برجسونHenri Bergson (ت 1940)، الذي يرى أن الإنسان يدرك ذاته في وجودها الر وحاني مباشرة، وغيره من الفلاسفة الروحانيين.

وهناك من يقول بوجود النفس، لكنه يرى أن الإنسان لا يدرك ذاته الداخلية مباشرة، وإنما يدرك أحوالها، وهو قول الفيلسوف الألماني كنت Kant (1804)، ومن يتشكك في المعرفة بوجود مستقل للنفس ويرى أن الإنسان إنما يدرك في ذاته جملة من التصورات أو الأحوال النفسية أو العواطف، ثم يفسر فكرة النفسي بأنها تنشأ عن إدراك الارتباط بين هذه الأشياء، وهذا هو تصور الفيلسوف الإنجليزي هيوم David Hume (1 ت 776 1).

أما الماديون القائلون بأن النفسي مادة أو أنها الجهاز العصبي، وخصوصا الدماغ (المخ) فهم كثيرون، وأساس تفكيرهم أنه لا موجود إلا ما هو محسوس، وهذا ادعاء وباطل، لأن القوى الفعالة التي تظهر آثارها في الطبيعة وفي الكائنات الحية، كلها غير محسوسة، وإنما تعرف بالاستدلال من أفعالها المحسوسة.

ونن إنما ذكرنا مثل هذه الآراء لكي يتبين أنها أمور نظرية لا تخدم ما نحن بصدده من صحة البدن والنفس وأيضا لتكون، تمهيدا لآراء كبار مفكري الإسلام من فلاسفة وأطباء سنتكلم عنهم، ومن علماء دين متفلسفين، مثل الغزالي (ت 505 هـ) وفخر الدين الرازي ( ت 606 هـ) وغيرهما من علماء ” أصول العقائد ” المتأخرين مثل البيضاوي (ت 785 هـ) ومن جاء بعده.

هم جميعا يؤمنون بأن النفسي جوهر روحاني متميز في ذاته عن البدن، وكل نفس تختص ببدنها، وهي متعلقة به تعلق تدبير له، بواسطته وباستعماله تتحقق لها ” كمالات ولذات حسية وعقلية ” ولذلك فهي تحبه ” وتعشقه “، كما يعبر البعض من متفلسفي ” علم أصول العقائد “، وهو شمس الدين الأصفهاني (ت 749 هـ) في شرحه على كتاب” طوالع الأنوار “للبيضاوي، والمقام لا يتسع لذكر آراء هؤلاء المفكرين، فلنكتف بالإشارة إلى تصور ابن سينا (ت 428 هـ ) للنفس.

كتب الشيخ الرئيس كثيرا في أمور النفس، وهو في كتاب ” القانون ” يفصل الكلام في قوى النفس المختلفة، ثم إنه في كتاب ” الإشارات والتنبيهات ” (النمط الثالث) يثبت، في فصل رائع من هذا الكتاب، أن النفس تدرك ذاتها إدراك مباشرا ، وهو يسبق إدراكها لأي فعل من أفعالها، وهو هنا، ومعه الفخر الرازي، يخالف ديكارت الذي أدرك حقيقة ذاته في فعل التفكير، كما تقدم ثم إن ابن سينا يثبت أن النفس جوهر روحاني واحد هيأ الله له بدنا مناسبا لوظائفه، كما سنر ى، وهو جوهر من طور أعلى من عالم المادة جاء إلى هذه الدنيا بحسب الحكمة الإلهية (قصيدته الرمزية المسماة،العينية).

ولا شك أن خلفية هذا التصور للنفس ترجع إلى ما أشار إليه القرآن من ” سر ” الروح وأنها من ” أمر ” الله (س 17 / 85)، أي أن الله هو الذي يعلم حقيقة هذا الجوهر، كما ترجع إلى أن في الإنسان ” نفحة ” من طور أعلى (مثلا س 15 / 29) هي التي تميز الإنسان وترفعه فوق العالم الأرضي، كما أنها الأساس لرسالته الخاصة في الأرض (س 2 / 28) وتأكيد القول بوجود النفس ذاتا حقيقية هو الأساس للكلام عن الصحة البدنية والنفسية، وإلا فإذا كان ليس في الإنسان إلا البدن فإن المشكلة كلها ستكون علاجا للبدن فقط.

العلاقة بين النفس والبدن:

كما أن ا لفلاسفة والعلماء اختلفوا في أمر النفس، فإنهم تحيروا في أمر العلاقة بينها وبين البد ن، على أساس أن كلا منهما جوهر متميز بذاته عن الآخر، وهما مع ذلك مرتبطان ولم تختلف الآراء وتتباعد إلا في العصور الحديثة.

فالفيلسوف الفرنسي ديكارت (ت 1650) مع تشديده في تأكيد التمايز في الجوهر بين النفس والبدن: أحدهما جوهر مفكر غير مادي، والآخر جوهر جسماني ممتد في المكان، يرى، في شيء من التناقض، أنهما يلتقيان في ” الغدة الصنوبرية “، في أسفل الدماغ (المخ).

والفيلسوف الألماني ليبنتزG.W. Leibniz (ت 6 1 7 1 م) وبحسب مذهبه المشهور Monadology
القول بأن الموجودات وحدات منفردة مقفلة، لا تأثير لبعضها في بعض، يرى أنه ليس بين النفس وبدنها تأثير متبادل، وإنما سلسلة من ظاهرات نفسية توازيها سلسلة من ظاهرات بدنية بحسب تناسق سابق Preestabished Harmony من وضع الخالق تعالى.

ونحن نذكر مثل هذه الآراء أيضا ليتبين منها أنها لا تصلح أساسا لما نحن فيه من واجب الإنسان أن يجتهد في تحصيل الصحة البدنية- النفسية. فإذا نحن اتجهنا إلى فلاسفة الإسلام وأطبائه وجدنا شيئا آ خر.

ولنبدأ بإشارة موجزة هنا إلى تصور مفكر مسلم تميز بثقافة علمية فلسفية طبية، هو أبو زيد أحمد بن سهل البلخي (ت 322هـ) الذي ذكرناه من قبل، وهو، بحسب ما نعلم حتى اليوم، أول من عالج موضوع الصحة البدنية- النفسية، وذلك في كتابه ” مصالح الأبدان والأنفس ” الذي كان مخطوطا (رقم 3741، أيا صوفيا، باستانبول) فقام ” معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية “، في إطار جامعة فرانكفورت بألمانيا الاتحادية، بعناية مديره الأستاذ الكبير فؤاد سيزكين، بوضع هذا الكتاب النفيس مصورا في متناول القراء والمحققين لنصوص التراث العلمي العربي، إلى جانب الكثير من نفائس المخطوطات.

ونحن نكتفي هنا بالإشارة إلى أن المؤلف يضع في كتابه الأصول لعناية الإنسان بصحته البدنية والنفسية على أساس مفهوم ” اشتباك أسباب الأبدان بأسباب الأنفس ” وأن النفس والبدن في الإنسان هما ” قسما كنونه ووجوده في هذا العالم ” (ص 2، 273 فما بعدها من المخطوط). أما تفصيل كلام البلخي في الصحة البدنية والنفسية فإنه سيأتي في موضعه مما يأتي:

فأما الآن فلنذكر رأي ابن سينا في العلاقة بين النفس والبدن. هو، في كتابه “الإرشادات” الذي تقدم ذكره وعلى أثر الفارابي (ت 339 هـ- 950 م) في كتابه ” عيون المسائل “، يذكر ” الأصول “- أي ” العناصر ” التي أبدعها الله وصنع منها أجسام هذا العالم وما فيه من أنواع المركبات، يقول: ” انظر إلى حكمة الصانع: بدأ فخلق أصولا، ثم خلق منها أمزجة شتى، وأعد كل مزاج لنوع، وجعل أخرج (أبعد) الأمزجة عن الأنواع عن الكمال، وجعل أقربها من الاعتدال الممكن مزاج الإنسان لتستوكره نفسه الناطقة “.

يجب أن نتأمل هذا الكلام وما فيه من تصور يمهد السبيل لا مكان وجود علاقة حقيقية يمكن إدراكها علمياً لشرح التأثير المتبادل بين النفس والبدن، ولا عجب في ذلك، لأن الشيخ الرئيس كان، إلى جانب، أنه فيلسوف ميتافيزيقي، فسيولوجيا،- طبيبا يعتمد على المنهج العلمي التجريبي لا على التفكير النظري الذي جرى عليه بعض من ذكرنا من فلاسفة اليونان.

ومع أن فيلسوفنا الطبيب يثبت وجود النفس جوهراً روحانياً مفكراً، كما ذكرنا من قبل، وهو” الذات ” الإنسانية على الحقيقة والمدبر للبدن، إلا أن وصفه للمزاج البدني المتميز والمناسب للوظائف النفسية قد مكنه من أن يتصور علاقة تأثير وفعل وانفعال بين النفس وبدنها. وهو يحدد رأيه بقوله عن ذلك الجوهر الموحد إن له فروعاً هي ” قوى منبثة في الأعضاء، والفعل والانفعال بين الطرفين يحصل من وجهين.

ا- إذا أحس الإنسان بشيء من أعضائه شيئاً، أو تحيل، أو اشتهى أمراً ما، أو غضب، نشأت في النفس بواسطة فروعها المنتشرة في البدن ” هيئة ” نفسية- يعني حالة أو صفة، فإذا تكرر ذلك صار سبباً في ” إذعان ” النفس، أي خضوعها للمؤثر خضوعا تاما، بل يصبح ” عادة وخلقا يتمكنان من هذا الجوهر المدبر تمكن الملكات “.

2- وهناك، العكس، ” وهو أنه كثيرا ما تعرض في النفس ابتداء هيئة ما عقلية، فتنقل العلاقة (بين النفسي والبدن) من تلك الهيئة أثراً إلى الفروع ثم إلى الأعضاء “، بعد هذا يخاطب الشيخ الرئيس قارئه قائلاً: ” انظر أنك إذا استشعرت جانب الله عز وجل وفكرت في جبروته كيف يقشعر جلدك ويقف شعرك؟ “.

ولا شك أن هذه العبارات على لسان ابن سينا ترجع إلى ما جاء في القرآن الكريم من إشارات إلى ما يبعثه سماع المؤمنين ذكر الله أو آيات القرآن من أحوال نفسية وكيف ينشأ الشعور في القلوب أو تنشأ عنه ظاهرات بدنية.
(إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) (س8 / 6 )
(وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) (س5 / 83).

لكن الشيخ الرئيس يقصد على التحديد قوله تعالى:

(الله نزل أحسسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاتي تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله (س 39 / 23).

ولا ينسى فيلسوفنا أن تلك الانفعالات والملكات وما ينشأ عنها من أخلاق تتفاوت في القوة والضعف بحسب الأمزجة وما تعود عليه الإنسان.

على هذه الأسس كلها تستطيع النفس أن تتخذ موقفها من تأثيرات البدن وأن توجه وتجعله خادما لها بحسب أهدافها العقلية والأخلاقية والسلوكية الإيمانية، دون أن تفرط في حقوق أو مطالب البدن الزي هو أداتها.

وبحسب ” الميزان ” السائد الملاحظ في الكون يستطيع الإنسان المسلم الذي يعلم أنه سيد الطبيعة التي سخرها الله له أن يجعل من وجوده الخاص عالما سليما متوازناً في بدنه وروحه، وهو ما يتفق مع توجيهات القرآن والحديث كما سنرى فيما بعد، إن شاء الله.

هذا، ولا عجب أن تترتب على رأي ابن سينا إمكانيات جديدة للصحة والعلاج. فإذا كان يجوز أن تنبعث من النفس تأثيرات في أعضاء البدن من جهة، وكان سلوك الإنسان الإرادي من جهة أخرى يتأثر باقتناع الفكر ومساعدة الإرادة، فإننا نستطيع أن نتصور كيف يمكن أن تصبح القوة النفسية المعنوية، كما تتمثل في المقاومة للمرض وإرادة الحياة أو في الثقة والأمل في الشفاء من أسباب تقوية البدن لكي يتغلب على المرض، وأيضا كيف يمكن ضبط الغرائز والجوارح لالتزام السلوك السليم الذي هو صحة للنفس والبدن معا. ولابن سينا في مدى تأثير النفس في البدن كلام سيأتي في موضعه عند نناول أطباء الإسلام والطب النفسي.

التكوين الإنساني الأصلي:

جاء في القرآن الكريم أن ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) (س 32/ 7) وأنه خلق الإنسان (في أحسن تقويم ) (95/ 4)، وهذه عبارة جديرة بطول التأمل، فهي تشير إلى التكامل بين الوظائف في مكونات البدن التي تعمل معا وتحفظ للإنسان البقاء سليما، وبين ملكاته المعنوية المتنوعة التي يخدم بعضها بعضا أو يحد من فعله ويوجهه بحيث يتحقق التوازن الذي لابد منه.

وإذا نحن صرفنا النظر عن أن الحواس وقوة التخيل تخدمان العقل وأن العقل من جانبه، لكي يصل إلى المعرفة الصحيحة، يعمل لتجنب خداع الحواس وتشويش الخيال، إذا نحن صرفنا النظر عن ذلك واتجهنا إلى جانب السلوك وجدنا، إلى جانب نوازع الشهوات وهياج الانفعالات قدرة وإرادة تستنيران بالعقل، فتحدان من الإفراط والانحراف، ووجدنا أيضأ، إلى جانب الأنانية أو حب الذات الذي لابد منه للبقاء الفردي، أحاسيس إنسانية طبيعية من تعاطف وتراحم ومحبة للغير تصل إلى حد الإيثار والتضحية، بحيث يتحقق التوازن في السلوك الفردي والعلاقات ا لاجتماعية.

وكل ذلك على أساس ما جاء في القرآن من تعظيم أمر النفس الإنسانية والقسم بها، إلى جانب الإشارة إلى ظاهرات الطبيعة: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (س 91 / 1907).

ويجب على عالم النفسي أن يتأمل لفظ ” سواها ” وأن يدرك أن تسوية الشيء هي تعديله أو جعله متعادلا في تكوينه، ” والتسوية ” بهذا المعنى قاعدة عامة في نظام المخلوقات التي صنعها الله، كما يدل على ذلك قول القرآن عن الخالق تعالى، بإيجاز معجز: (الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) (س 2/87- 3).

إن ” التقويم ” المحكم في خلق الإنسان و” التسوية ” التامة في كيانه النفسي هما السند لإمكان إعادة الإنسان إلى الصحة بنوعيها إذا طرأ عليها ما يكدر الحالة الطبيعية السليمة.

أطباء الإسلام وعلماؤه
والطمث النفسي

تمهيد:

كان أطباء الإسلام جميعا، بحكم الموقع التاريخي لحضارة الإسلام، فلاسفة بالمفهوم اليوناني والإسلامي. هم درسوا الطب اليوناني وتثقفوا بالثقافة الفلسفية اليونانية، وأخذوا في الأمور الأخلاقية بآراء اليونان، وخصوصاً أفلاطون، فيما يتعلق بقوى النفس وفضائلها: القوة الغضبية ، قوة التغلب والحمية، وفضيلتها الشجاعة التي هي وسط بين رذيلتين: التهور والجبن (أو الخور)، والقوة الشهوائية، وفضيلتيا العفة، وهي وسط بين الشره والجمود (الخمود)، والقوة العقلية أو الناطقة، وفضيلتهما الحكمة، وهي وسط بين السفه والبله. ثم إنه إذا أدت كل قوة وظيفـتها ووصلت إلى فضيلتها في تناسق وتوازن مع القوتين الأخريين، تحققت الفضيلة الرابعة التي هي ” العدالـة “، بمعنى التوازن بين وظائف القوى النفسية.

هذا ما نجده أيضاً عند فلاسفة الإسلام، وعند غيرهم من علماء الدين المتفلسفين، الذين تكلموا في الأخلاق، ولا عجب في، ذلك، لأن فلاسفة اليونان إنما توصلوا إلى هذه الآراء الخاصة بأخلاق النفس بالفكر الذي منحه الله للإنسان.

لكننا عندما ننظرفي كتب أطباء النفوس في الإسلام، أطباء بالمعنى الخاص وغير أطباء، نلاحظ أنهم ضموا إلى الرذائل التي هي أخلاق سيئة للنفس أنواعاً أخرى من الأحاسيس الذميمة واعتبروا كل ذلك أمراضاً للنفس مثل: العجب والافتخار، والحسد والحقد، والبخل، ثم إنهم ضموا أحوالاً نفسية مما يعرض حب الحياة مثل العشق المذل وحسب اللذات والسكر والحزن والغم والفكر والهم والجزع والكذب وطلب الرتب الدنيوية والخوف من المستقبل، وخصوصا الخوف من الموت، واجتهدوا في علاج هذه الأمراض كلها.

وهم في الغالب يبتدئون بتأسيس مداواتهم للنفوس بالكلام في بيان فضل العقل ومدحه والدعوة إلى قمع الهوى وردعه، ويطلبون من المرء أن يعرف عيوب نفسه. وهذا ما يسمى “النقد للذات “. نجد هذا التأسيس عند محمد بن زكريا الرازي، الطبيب في كتابه ” الطب الروحاني ” أو في بيان فضل العقل وذم الهوى وأدب العلم، كما عند علماء الدين مثل أبي الحسن الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين ” وابن حزم في كتابه ” الأخلاق والسير في مداواة النفوس “، وهم يرون في بيان ذلك، على حد تعبير الرازي ” أعظم الأصول لما يريدونه، وهذا طبيعي، لأنه لا سبيل إلى مداواة نفس الإنسان العاقل بإزالة أمراضها إلا على أساس من التبصر والمعرفة بأمور هامة من القيم التي يعقلها الإنسان ويؤمن بها.

وكلام هؤلاء الأطباء كثير ومتنوع، وسنذكر نماذج من مداواتهم لبعضه آلام النفوس وأمراضها.

بعض الكتابات في العلاج النفسي

مداواة الحزن:

نبتدىء بذكر رسالة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت حوالي 252 هـ) الذي يسمى ” فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها “، وهي بعنوان ” رسالة في الحيلة لدفع الأحزان “، التي عرفها واستفاد منها من جاء بعده مثل ابن مسكويه في كتابه ” تهذيب الأخلاق ” ونشرها لأول مرة ومعها ترجمة إيطالية R. Walzer, H, Ritter في الكراسة الأولى من نشرات أكاديمية لينشى الملكية في روما عام 938 1 (Reale Accademila Nationale dei Lincei ، ثم لخصنا محتواها في مقدمة نشرتنا الأولى لرسائل الكندي الفلسفية (القاهرة 1950)، ثم نشرها بعد ذلك كل، من الدكتور عبد الرحمن بدوي في مجموعة ” رسائل فلسفية ” والدكتور ماجد فخري في مجموعة كتب ونصوص بعنوان ” الفكر الأخلاقي العربي “.

يعرفا فيلسوف العرب الحزن بأنه ” ألم نفساني يعرض لفقد المحبوبات أو فوت المطلوبات “، ويقول إنه لا يسلم منه أحد في هذه الحياة التي لا ثبات لما فيها من خيرات، ولا سبيل فيها إلى وصول الإنسان لكل ما يريد. والحزن ينشأ من أن الإنسان يعتمد في سعادته على أنواع المقتنيات المادية التي لا يمكن تحصينها من عوادي التغير والتي هي بطبيعتها ” مقبلة مدبرة ومبذولة لكل متغلب “، وذلك بدلا من أن يوجه إرادته إلى الممتلكات العقلية التي هي ملك لصاحبها حقيقي باق ولا يستطيع أن يغلبه عليها غالب أو يغصبه إياها غاصب، والحكيم في نظر فيلسوفنا هو الذي يكون بالنسبة لأنواع القنية المادية كالملك الجليل المتعزز بنفسه الذي لا يتلقى مقبلا ولا يشيع ظاعناً.

ولما كان الإنسان في حقيقته هو النفس الباقية لا الجسد الداثر ، ولما كانت النفس أيضا هي السائس والبدن هو المسوس والآلة فإن الواجب على الإنسان أن يتعهد نفسه وأن يتحمل في سبيل ذلك من المعاناة أكثر مما يحتمل من الألم لإصلاح أمور بدنه، وهو يستطيع ذلك إذا أخذ نفسه بقوة العزم وألزمها في أخلاقها الأمر الأكبر، وضبطها بالإرادة عن المطالب والانفعالات التي ينشأ عنها الحزن، ثم يذكر فيلسوف العرب كثيراً من أنواع الحيلة والتبصر والحكايات التي تعين على احتمال الأحزان، ويدعو القارىء إلى أن لا يستسلم للحزن وأن يدفعه عن نفسه بأن يتذكركم سلا هو نفسه وسلا غيره عن الأحزان، وأن يقبل الحياة بحسب طبيعتها وأن لا يطمع في أن يستأثر بالأشياء أو يحسد غيره على ما عنده وأن خيرات الدنيا ” عارية من الله جل ثناؤه يستردها متى شاء وعلى يد من يشاء “، بحيث تكون الحزن على ما يفوت من الخيرات خروجا عن أقل الشكر لله وهكذا من وسائل التسلية للمحزون إلى حد إقناعه بأن الحزن شيء طبيعي ملازم للحياة، بحيث لا يكون هناك معنى للتفكير فيه، وكل المعول في ذلك على تنبيه الإنسان إلى حقيقة روحه، وأنها جوهر شريف حصين باقي، وتربية الشعور بالشخصية الإنسانية حتى تؤمن بقوتها واستغنائها عن الكثير مما يطلبه الإنسان ويقتنيه فيجلب بذلك لنفسه القلق ويعاني متاعب الطلب وآلام الفقد.

ويشبه فيلسوفنا بنى آدم في اجتيازهم هذه الحياة الخادعة الفانية إلى العالم الحق بقوم في سفينة تحملهم إلى غاية ينشدونها، فترسو بهم حيناً على شاطىء حافل بالأشياء الجميلة، فمنهم من خرج ولم يأبه لما رأى من مغريات ورجع إلى مكانه، ومنهم من استهوـته الرياض الزاهرة والطيور التي تغني والأحجار الكريمة فبقى حينا ومتع نفسه بلون ورائحة ونغم، ولم ينسى غايته، فعاد إلى مكانه، ومنهم الذين أكبوا على اجتناء الأزهار والثمار ونحو ها ، وعادوا مثقلين بما حملوا، ولم يجدوا لما حملوه مكاناً فسيحاً، وأخذوا يتعهدونه مع القلق والخوف عليه، وهو يفنى من أيديهم فيحز نون عليه، حتى ثقلت عليهم مهمة المحافظة عليه، فقذفوا به في البحر، وآخرون تولجوا في المروج الكثيفة، يجمعون ويتمتعون، بين روعة ونكبة وافتراس سبع أو تلطيخ وحل، غافلين عن غايتهم، فلما نادى قائد. المركب للمسير كانوا قد توغلوا في الغياض وغرقوا في المتاع، فلم يبلغهم نداؤه فتركوا للمهالك والتهمتهم لهوات المعاطب “.

ويخلص، الكندي من هذا إلى أنه يقبح بالعاقل أن يكون من مخدوعي حصى الأرض ، وأصداف الماء وأزهار الشجر، كما يحسن به، إن أراد أن يأسى على شيء، فليأس على عدم بلوغه مكانا حسناً في العالم الحق الدائم الذي ليس فيه إلا الخيرات الحقيقية التي لا تنالها الآفات، ولعيش فيه الإنسان فوق الآلام والأحزان.

ولا ينسى فيلسوفنا أن يعنى بدفع ما يلحق النفوس من غم بسبب الموت الذي لابد من مواجهته في يوم من الأيام، وهو هنا يعمل. إلى المنطق، فيقول لقارئه إن الموت ليس شراً، لأنه ” تمام ” الطبيعة الإنسانية!، وهو جزء من مفهوم الإنسان في هذه الدنيا، لأنه هو ” الحي الناطق المائت “، فلا بأس أن يكون الإنسان ما هو في حقيقته، ومن يرفض الموت فكأنه يرفض الحياة.

ويريد فيلسوفنا أن يطمئن قارئه بأن يشرح له كيف جاء وإلى أين سيصير بعد الموت، ويرشح له باب الأمل، فيقول له إن الإنسان يتنقل لا أطوار الخلقة من طور خلايا غذائية في أعضاء البدن إلى نطفة في مستقرها تصير جنيتاً ثم يخرج إلى هذا العالم , وهو في كل مرحلة ينتقل إلى ما هو أرحب وأوسع، ولو طلب منه أن يعود إلى ما قبلها لحزن كل الحزن، ولو عرض عليه أن يعي إلى بطن أمه، وكان يملك كل ما في الأرض، لافتدى به نفسه. فليعلم الإنسان إذن أنه إنما يجزع من مفارقة هذه الحياة لشدة تعلقه بما فيها من ماديات حسية، هي في الواقع مصدر آلامه، ولجهـله بما هو فيه من ضيق هذه الدنيا وبما سينفتح له بعد الموت من آفاق فسيحة وملك عريض دائم وخلاص من كل الآلام وخيرات لا تنالها الآفات، وهو لو أقام أب ذلك العالم الجميل ونعم حيناً بلذاته الخالية من الكدر، ثم أريد منه أن يعود إلى هذه الدنيا، لكان جزعه أضعاف جزعه لو أريد إرجاعه إلى ضيق بطن الأم وظلامه، فحري بالعاقل أن لا يعطي، هذه الحياة من قيمة أكثر مما تستحق، ولتكن عنده هي المرحلة الأخيرة الشاقة قبل بلوغ الغاية العظيمة، وليصبر على المصائب التي تصيب الخيرات المادية، لأنها تقلل أحزانه وتخلصه من القلق عليها، وليعلم أن المصائب تقلل من وقع المصائب، حتى تصير عند الحكيم كالنعم، وأن التقلل من المقتنيات فيه إخضاع للشهوات التي هي ينبوع الرذائل والآلام والتي نسترق الملوك، فمن سيطر عليها استطع امتلاك ناصية عدوه المقيم معه في حصنه، وليعلم أن النفس الشهوانية نفس سقيمة وسقامها أعظم من سقام البدن.

على هذا النحو يجتهد الكندي في علاج الحزن، وهو في ثنايا كلامه ينحو نحو سقراط وأفلاطون، ويرسم سيرة فلسفية تحرر الروح من المادة وتسري في كلامه روح إسلامية إيمانية بالمصير الإنساني، وهو يختم رسالته بأن يطلب من قارئه أن يجعل ما قدمه له من وصايا ” مثالا ثابتا ” في نفسه، لينجو بها من الحزن ويبلغ بهـــــا أفضل وطــــن مــــن دار القــرار ومحل ا لأ برار “.

ومن الواضح أن فيلسوف العرب يريد من قارئه أن يكون فيلسوفاً مثله، وهذا ليس بالأ مر السهل، لأنه يحتاج إلى الحكمة الكبيرة وقوة الشخصية واعتزازها بنفسها. والحق أن الكندي، خصوصا في أخريات حياته، عانى الكثير، وتؤثر عنه أبيات عبر بها عن نفسه عندما انقلبت عليه الأحوال وكاد له الأعداء ممن لم يكن لهم ما كان له من نسب ولم يبلغوا مم.. العلم ما بلغ، هو يقول:

أناف الذنابى على الأرؤس فغمض جفونك أو نكس

إلى أن يقول:
فإن الغنى في قلوب الرجـال وإن التعـــــزز بالأنفـــــــــس
وكائن ترى من أخي عســـرة غني وذي ثروة مفلـــــــس
ومن قاثم شخصه ميـــــــــــت علـى أنـه بعـد لــم يرمـــــس
فإن تطعم النفس ما تشتهـي ئقئك جميع الذي تحتسي

لقد فصلنا في شرح فليسوف العرب لمداواة الأحزان، لأنه أوسع ما كتب في الموضوع، وهو موجه إلى قراء عصره الذين كانوا يعرفون آراء اليونان، ولابد أنهم عرفوا ما عرفه هو من الأحزان.

علاج فقد النطق بالموسيقى:

كان الكندي من علماء الموسيقى، وله فيها تأليف مشهور بين فيها تأثيرات الألحان في النفس البشرية ثم في البدن. وقد ذكر جمال الدين القفطي في كتابه ” أخبار الحكماء ” (ص 376- 377 من الطبعة الأوروبية التي أعيد نشرها في بغداد) أنه كان للكندي جار تاجر كبير أصيب ابنه فجأة بالسكتة (يقصدون فقدان النطق). وكان الابن هو المتولي أمور تجارة والده ومعرفة خرجه ودخله، فأصاب الرجل هم كبير، ولم يدع طبيبا إلا لجأ إليه، فلم يستطع أحد له علاجاً، وكان التاجر كثير الازراء على الكندي والطعن عليه، لكنه أضطر إلى الالتجاء إليه، فتوجه فيلسوفنا إلى داره، فلما رأى الولد وجس نبضه أمر بإحضار بعض تلاميذه في الموسيقى ممن يحسن ضرب العود ويعزف ” الطرائق المحزنة والمفرحة والمقوية للقلوب والنفوس.. فأمرهم أن يديموا الضرب عند رأسه، وأن يأخذوا في طريقة وقفهم عليها، وأراهم مواقع النغم بها من أصابعهم على الدساتين ونقلها، فلم يزالوا يضربون في تلك الطريقة والكندي آخذ مجس الغلام، وهو في خلال ذلك يمتد نفسيه ويقوى نبضه وير جع إليه نفسه شيئاً بعد شيء، إلى أن تحرك ثم جلوس وتكلم، وأولئك. يضربون في تلك الطريقة دائما لا يفترون، فقال الكندي لأبيه: سل ابنك عن علم ما تحتاج إلى علمه مما لك وعليك وأثبته. فجعل الرجل يسأل، وهو يخبره، ويكتب شيئاً بعد شيء، فلما أتى على جميع ذلك غفل الضاربون عن تلك الطريقة التي كانوا يضربونها وفتروا ، فعاد الصبي إلى الحالة الأولى وغشيه السكات، فسأله أبوه أن يأمرهم بمعاودة ما كانوا يضربون به، فقال: هيهات إنما كانت صبابة من حياته، ولا يمكن فيها ما جرى، ولا سبيل لي ولا لأحد من البشر إلى الزيادة في مدة من قد انقطعت مدته، إذ قد استوفى العطية والقسم الذي قسمه الله له “.

من الواضح أن الصبي كان قد أصابه تلف ما في الدماغ، وبقى بعض الدماغ قابلا للتنبيه بواسطة سماع النفس للألحان، إلى أن تم تلف المركز المختص بذلك في الدماغ.

الرازي والطب الروحاني:

كان الرازي (ت بين 311 و 320 هـ) طبيباً مبتكراً، وكانت مؤلفاته مراجع في الشرق والغرب. وله آراء في الطبيعيات وأخر ى في الفلسفة، وكما أنه كان طبيباً للأبدان فإنه أراد أن يكون طبيباً للنفوس، وطبه هنا أخلاقي- نفسي- إيماني، كما سنرى.

وهو في كتابه ” السيرة الفلسفية ” دافع عن سيرته الشخصية وعن أسلوب حياة الفيلسوف، ورسم أسلوباً لحياة الإنسان على أساس أن له بعد الموت حياة فيها سعادة أو شقاء، فعليه أن لا يتبع الهوى الذي يدعوه إلى إيثار اللذات الحاضرة، بل يتبع العقل ويقتني العلم ويستعمل العدل؟ وهذا هو، كما يقول الرازي، ” ما يريده خالقنا الرحيم الذي منه نرجو الثواب ونخاف العقاب “. وخلاصة السيرة الفلسفية هي أن يكون الإنسان في أفعاله مقتدياً بخالقه، عادلاً رحيما رؤوفاً. أما عن تفصيل هذه السيرة فإنه يحيلنا إلى كتاب ” الطب الروحاني ” الذي اقترح عليه الأمير منصور بن نوح الساماني أمير خراسان أن يكتبه ويسميه بهذا الاسم، ” ليكون قرينا لكتاب ” المنصوري ” الذي غرضه في الطب الجسماني وعديلا له، لما قدر أ الأمير، في ضمه إليه من عموم النفع وشموله للنفس والجسد “، وأساس ذلك ما كان يؤمن به الرازي من علاقة وثيقة بين سلامة النفس وسلامة الجسد وتأثير الأحوال النفسية في البدن ، كما سنرى في بعض معالجاته النفسية.

وهو يؤسس طبه النفسي- الأخلاقي على ضرورة استعمال العقل الذي فضل الله به الإنسان على سائر الحيوان، وبه توصل الإنسان إلى العلوم والصناعات، وهذا يقتضي أن يكون هو الحاكم في تدبر حياة الإنسان والداعي إلى السيطرة على الهوى في متابعته للشهوات والتحكم فيه بالفكر والروية والرياضة، لأن متابعة الشهوات والتفنن في تحصيلها ينزل بالإنسان إلى مستوى البهائم.

وللرازي رأي في اللذة، وهو أنها ليست شيئا إيجابيا، بل مجرد راحة من ألم طرأ فكدر الحالة الطبيعية، فلا يصح أن يطلب الإنسان من اللذات إلا بمقدار الحاجة، لكي يمارس حياة الفكر والمعرفة. وبما أن طمع الإنسان في اللذات والخيرات لا يقف عند حد، فإن السعيد من يضع حدا للهوى ونزواته وللركبة في اقتناء الأشياء، وكل ذلك لكي يتفادى الآلام البدنية والنفسية، وهنا يتحدث الرازي طويلا عن السيرة الفلسفية لأفلاطون وأستاذه سقراط.

ويهتم الرازي بضرورة أن يتعرف المرء عيوب نفسه، وهذا لا يسهل عليه بسبب الهوى ومحبته لنفسه واستحسانه لما يفعل، فلذلك عليه أن يلجأ إلى مرب مجرب ويبقى تحت إشرافه ليبصره بإزالة. الصفات الذميمة التي تعرض للنفس.

ثم يدخل في ذكر أنواع هذه الصفات ويحمل حملة شديدة على ما يسميه ” العشق ” وهو” بلية ” عظيمة لما فيه من ذلة النفس،و الخضوع والاستكانة واحتمال التجني والاستطالة، وهذا ما يحتمله ” المخنثون من الرجال والغزلون والفراغ والمترفون والمؤثرون للشهوات الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلا إصابتها “، وهذا ما يأباه ” الكبار الهمم والأنفاس “. ويضم الرازي إلى ” العشق ” ما يسميه ” الإلف ” ، وهو ما ينشأ عن طول الصحبة من كراهة مفارقة المحبوب، وهو ” بلية ” أيضا، ماذا انضم إلى العشق تعسر النزوع عنه، والإلف يزداد مع مرور الأيام ولا يحس به الإنسان، حتى إذا جاء الفراق ظهر على صورة ألم شديد وأذى يلحق النفس.

ويوجه طبيبنا نقده اللاذغ إلى من يعتبرهم ” الموسومين بالظرف والأدب ” الذين يعارضون الفلاسفة في سيرتهم وبزعمون ” أن العشق إنما تعتاده الطبائع الرقيقة والأذهان اللطيفة، وأنه يدعو إلى النظافة واللباقة والزينة والهيئة، ويتبعون هذا ونحوه من كلامهم بالغزل من الشاعر البليغ في هذا المعنى، ويحتجون بمن عشق من الأدباء والشعراء والسراة ويتخطونهم إلى الأنبياء “، يرد الرازي عليهم ” بأن رقة الطبع ولطافة الذهن وصفاءه يعرفان ويعتبران بإشراف أصحابهما على الأمور الغامضة البعيدة والعلوم اللطيفة الدقيقة… “، وهذا لا يوجد إلا عند الفلاسفة، وهو يذكر هنا اليونان، ويلاحظ أن العشق في جملتهم أقل مما في جملة سائر الأمم “، فأما الأنبياء فلا يستجيز أحد أن يكون العشق من مناقبهم وفضائلهم.

أما ما يزعمه أولئك الظرفاء من أن العشق يدعو إلى النظافة والزينة فإن الرازي يتساءل : ” ما يصنع بجمال الجسد مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسداني ويجتهد فيه إلا النساء وذوو الخنث من الرجال “.

فإذا سألنا الرازي عن العلاج فإنه يوجهنا إلى ضرورة الوقاية من المرض قبل وقوعه، ” الواجب في حكم العقل… المبادرة في منع النفسي وزمها عن العشق قبل وقوعها فيه وفطمها منه إذا وقدت فيه قبل استحكامه فيها لا، وكذلك في الإلف: الاحتراس منه يكون بالتعرض لمفارقة المصحوب حالاً بعد حال وبأن يدرج الإنسان نفسه إلى ذلك ويمرنها عليه.

ويتحدث الرازي في علاج كثير من الأمراض النفسية- الخلقية، مما لا يتسع المقام الدخول فيه، ولكن يحسن أن نشير إلى طريقته في العلاج وأن نذكر بعض الأمثلة:

هو يعمد إلى تحليل الرذائل ويعتبرها ” عوارض نفسية رديئة “، ويشرح أسبابها ثم يصف العلاج.

فالعجب مثلا ينشأ من محبة الإنسان لنفسه واستحسانه للحسن منها فوق حقه واستقباحه للقبيح منها دون حقه. أما إذا رأى من غيره شيئاً حسناً أو قبيحاً فإنه، إذا كان بريئاً من الحسد والبغض للغير كان حكـمه بالحسن أو القبح عادلا صافيا لا يشوبه الهوى، فأما في حكمه على أحوال نفسه فإن هواه يجعل أدق فضيلة له عظيمة عند نفسه، فيحب أن يمدح عليها فوق استحقاقه. ” وإذا تأكدت فيه هذه الصفة صار ذلك عجبا، ولا سيما إن وجد قوماً يساعدونه على ذلك ويبلغون من تزكيته ومدحه ما يجب، ومن بلايا العجب أنه يؤدي إلى النقص في الأمر الذي يقع به العجب، لأن العجب بنفسه لا يروم التزيد ولا الاقتداء والاقتباس من غيره في الباب الذي منه يعجب بنفسه “.
أما سلاح المعجب بنفسه فهو في رأي طبيبنا ” أن يكل اعتبار مساوئه ومحاسنه إلى غيره… أن لا يعتبر ولا يقيس نفسه بقوم أخساء ليست لهم حظ وافر من الشيء الذي أعجب به من نفسه… فإنه من احترس من هذين البابين لم يزل يرد عليه كل يوم ما يكون به إلى تنقص نفسه أميل منه إلى العجب بها “، ومع ذلك يحب الرازي أن يرى الإنسان الفاضل عادلا مع نفسه، هو يقول: ” وفي الجملة فإنه ينبغي أن لا تكبر وتعظم نفسه عنده حتى يجاوز مقدرا نظرائه عند غيره، ولا تصغر ولا تقل- حتى ينحط عنهم أو عن من هو دونه ودونهم عند غيره، فإنه إذا فعل ذلك وقوم نفسه عليه كان بريئاً من زهو العجب وخسة الدناءة، وسماه الناس العارف بقدر نفسه.

ومن العوارض النفسية الرديئة التي عالجها الرازي داء ” الحسد ” ويقول إنه ” يتولد من اجتماع البخل والشره في النفس “، ويذكر رأي الأخلاقيين في أن الشرير عندهم هو من يتلذذ بما يضر غيره ويكره ما يفيدهم، وإن كانوا لم يؤذوه، وأن الخير هو من يحب الخير للناس ويسره ذلك، والحسد شر من البخل، لأن البخيل لا يحب ولا يرى أن يعطي أحد شيئاً مما يملكه، أما الحسود فإنه يتمنى أن لا ينال أحد خيراً أصلاً، ولو كان ذلك الخير ليس مما يملكه هو، وأيضا ولو كان من يحصل. على ذلك الخير لم يقدم له أذى ولا إساءة، وذلك ” داء من أدواء النفوس عظيم الأذى لها “.

ويدخل، الرازي في تحليل مفهوم الحسد ويذكر أن التحاسد لا يكاد يكون إلا بين الأقرباء والمعارف والمعاشرين للإنسان، وهم مثلاً قد لا يحسدون غريبا ملك أمرهم، ويحسدونه إذا كان من بينهم، وذلك ” من فرط حبهم لأنفسهم ” 4 لأن كل واحد منهم يحب أن يكون هو السابق إلى المراتب المرغوب فيها.

ويصور فيلسوفنا مضار الحسد للنفس والجسد، هو يضر النفس لأنه يشغلها عن التصرف المفيد لها وللجسد، وذلك بسبب طول الحزن والفكر، ثم إنه يضر الجسد لما يعرض للحسود من طول السهر وسوء الاغتذاء ، وينشأ عن ذلك رداءة اللو ن وسوء السحنة وفساد المزاج، وهذا مما يدعو الحاسد، إذا كان عاقلاً، أن يجتهد في تجنب الحسد وما يجره عليه من عناء في نفسه وبدنه.

أما علاج الحسد فيكون بأن يراجع الحاسد نفسه فيفكر، هو سيرى أنه يكره الخير للناس، وهذا من صفات الشرير، والشرير يستحق المقت من الله ومن الناس: من الله لأنه يعترض على إرادته تعالى، لأنه هو ذو الفضل على الكل المريد الخير للكل، ومن الناس لأنه ظالم لهم بحبه وقوع المكروه لهم وعدم وصول الخير إليهم. ثم على الحاسد أن يتأمل حقيقة حال المحسود، فهذا قد لا يكون في الواقع في السعادة التي يتصورها حاسدوه، لأنه ربما لا يسعد بما ناله ” إلا مديدة يسيرة يقدر ما يستقر فيها ويتمكن منها)، ثم لا يلبث أن تسمو نفسه إلى ما هو فوقها وتتعلق أمنيته بما هو أعلى، فيستقل ما كان فيه، ويصير بين خوف وهم: أما الخوف فمن فقد ما ناله، وأما الهم فبالحالة الجديدة التي يطمح إليها ويريد بلوغها ” فلا يزال متعب الفكر والجسد في إعمال الحيلة للتنقل والترقي منها إلى ما سواها “، حتى إذا وصل إليه عاد ما كان عليه من خوف وهم.

بعد هذا التصوير الذي أوجزناه يقوله الرازي: ” وإذا كان الأمر كذلك فيحق على العاقل أن لا يحسد أحداً

للدكتور معمد عبد الهادي أبو ريدة

أستاذ  الفلسفة الإسلامية

كلية الآداب- جامعة الكويت

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *