الصحة البدنية النفسية في الإسلام الجزء الثاني

الصحة البدنية النفسية في الإسلام الجزء الثاني

الجزء الثاني

على فضل من، دنيا ناله مما يستغني عنه في إقامة العيش وأن لا يظن أصحاب الفضل فيها والإكثار منها من فضل الراحة واللذة بحسب ما عندهم من فضل عروض الدنيا “، لأنهم لدوام ما فيه يصبحون لا يجدون فيها لذة، لأنها صارت كأنها شيء طبيعي عادي في بقاء العيش. ويختم إبرازي كلامه بقوله: ” فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها، آخذا فيها ما بعقله طارحا لهواه على الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته هي الكفاف ، وأن ما فوقه من أحوال المعايش مقارب بعضه لبعض، بل للكفاف دائما فضل الراحة عليها، فأي وجه للتحاسد إلا الجهل بها واتباع الهوى دون العقل فيها! “.

ومن الواضح أن إبرازي ينزع نحو الزهد في خيرات الحياة التي تزيد على الحاجة، ويريد من قارئه أن يجد السعادة في حياة الرضا والقناعة وفي حياة العقل، وهذا هو شأن الفيلسوف الحق، والنموذج الذي يعجب به إبرازي هو سقراط.

ذكرنا بعض الأمثلة من علاج بعض أمراض النفس، وإبرازي يعالج بعد ذلك كثيراً من “العوارض النفسية السيئة “: الغضب، الكذب، البخل، الغم، والشره، وغير ذلك، ويذكر بلايا السكر والجماع.. وهو في ذلك يهيب بالإنسان أن يستعمل عقله وأن يستعين بالقوى الرفيعة الشريفة في نفسه على القوى الدنيئة، خصوصا الشهوانية، وأن يتذرع بهمة أولى العزم الذي يتأكد في النفس وتستجيب له كل الميول والرغبات.

ولا ينسى فيلسوفا الطبيب أن يحاول دفع الغم بسبب الموت، ويقول أن هذا العارض لا يمكن دفعه عن النفس تماما إلا بأن تقتنع بأنها تصير بعد الموت إلى ما هو أصلح لها مما كانت فيه، وهذا، كما يقول، موضوع يطول فيه الكلام، وهو يحوج إلى دراسة المذاهب والديانات، ويهتم بالكلام مع من يعتقد أن النفس تفنى بفناء الجسد وأنه إذا كان يخاف الموت فإن خوفه لا أساس له من العقل.
وإذا كان الموت لابد منه فإن الإنسان الذي يفكر فيه لا يزال يلحقه الغم، وهو أنه لكثرة تصوره للموت كأنه يموت موت بعد موت كلما فكر فيه. فالأجدر به أن يتنـاساه ويتلطف في الاحتيال لدفع الغم عن نفسه.

والمهم أنه، بحساب الاعتقاد بمصير وعاقبة بعد الموت يجب ” أن لا يخاف منه الإنسان الخير الفاضل المكمل لأداء ما فرضت عليه الشريعة، المحقة، لأنها قد وعدته الفوز والراحة والوصول إلى النعيم الدائم “.

أما الذي يشك في صحة الشريعة فليس له إلا البحث والنظر، ” فإن أفرع وسعه وجهده غير مقصر ولا وان فإنه لا يكاد يعدم الصواب، فإن عدمه- ولا يكاد يكون ذلك- فالله تعالى أولى بالصفح عنه والغفران له، إذ كان غير مطالب بما ليس في الوسع، بل تكليفه وتحميله لعباده دون ذلك كثيراً” (كل النصوص التي اقتبسناها لبرازي مأخوذة من رسائله الفلسفية، نشرات جامعة فؤاد الأولى، القاهرة 1939).

أمثلة من ” التدبير ” أو ” العلاج ” النفساني

عمد بها أطباء الإسلام إلى التأثير في البدن من طريق استثارة انفعالات النفسي وتذكر بعض الحكايات في ذلك. نجدها في كتاب ” جهاز مقالة ” (أربع مقالات) للنظامي العروضي السمرقندي (القاهرة 1949 ص 79- .8). فمن ذ لك أن إبرازي أراد علاج الأمير منصور بن نوح السامي من مرض في مفاصل ساقيه أزمن حتى أقعده عن المشي، فجرب كل الأدوية بلا فائدة فعمد، كما يقول، إلى “العلاج النفسي “، وذلك أنه- بحسب القصة التي نوجزها هنا- أجلس الأمير في وسط حمام نهر جيحون وصب عليه ماء فاترا، سقاه شرابا وانتظر إلى أن يؤثر الشراب في المفاصل، وكان قد أغلق باب الحمام واستفرد بالأمير، وأخذ يشتمه ويهدده بأنه سيزهق روحه، فغضب الأمير غاية الغضب ونهضت على ركبتيه، وهو في مكانه فأخرج إبرازي سكينا وأوسعه إهانة ، فنهض الأمير غضباً أو فرقاً “. وكان غرض إبرازي ، كما يقول، هو إثارة الغضب عند الأمير لكي تقوى الحرارة الغريزية وتحلل الأخلاط التي في المفاصل..

وهناك حكاية أخرى أراد فيها الطبيب أن يلجأ إلى “التدبير النفساني “، وذلك بالنسبة لجارية أصابها ريح منعها، بعد أن انحنت لتقديم الطعام، من أن تنصب، فأراد أن يثير انفعال النفس بأن أمر بكشف موضع الحياء منها، فلما حاول زميلاتها ذلك ” نهضت فيها حرارة قوية أتت على الريح الحادثة تحليلا فارتجعت مستقيمة سليمة ” (جهاز مقالة ص78).

علاج الأبدان والأنفس لأبي زيد البلخى:

كان أبو زيد البلخى معاصرا لبرازي، لكن يبدو أنه لم يعرف كتابه ” الطب الروحاني “، وهو في كتاب” مصالح الأبدان والأنفس ” الذي مضى ذكره يقدم من جهة علاجا للأمراض النفسية، بحسب المفهوم الذي سبق بيانه، ويقدم من جهة أخرى شيئا مما يسمى الطب النفسي العضوي Psychosomaties.

وهو يشير في أول كتابه إلى الكيان البدني- النفي للإنسان وما يجب عليه من الاجتهاد في استدامة سلامة نفسه وبدنه ودفع عوارض الأذى والآفات عنهما، ” وأن يقتني كل علم يوصل به إلى صلاح أمرهما “، يقصد أن يحسن بالإنسان أن يكون له حظ من الثقافة الطبية.

وهو في المقالة الأولى من الكتاب يتكلم في تدبير مصالح الأبدان ويقدم للقارىء نوعا من الطب الميسر. فيتكلم بعد المقدمات في أمور كثيرة: ” تدبير المساكن والمياه والأهوية “- وهذا ما نسميه اليوم: ” البيئة “، وأمور الطعام والشراب، ويحارب الشراب، بمعنى الخمر، محاربة شديدة ويبين جنايته الكبيرة على الأنفس والأبدان، ويتحدث عما يسر النفس من الروائح الطيبة وعن أمور النوم والرياضة البدنية والعناية بالبدن ” بالغمز والتدليك “.

وهو يهتم بشى من الثقافة في أمور ” الجنس “، ويبين آثار الاعتدال في هذا الباب من ” خفة البدن وانشراح النفس وطيب البشرة وذكاء قوى النفوس “188 من المخطوط)، ولا ينسى الاهتمام بأمر المتعة الجمالية مع الاعتدال، كالتلذذ برؤية الصور الجميلة وسماع الأنغام والألحان والغناء، ويذكر تأثير سماع الألحان والأنغام في مصالح الأبدان والأنفس، ويشير إلى ما جرت به العادة من الحكماء والأطباء القدماء من مداواتهم كثيرين من المرضى بإسماعهم أصواتا لذيذة ” كانت تقوى متنهم وتطيب أنفسهم وتخفف عليهم آلام العلل والأسقام ” (ص 226 من المخطوط)، وهذا السماع، في نظر البلخى، ” من أشرف اللذات الإنسانية قدرا وأعظمها خطرا وأولاها بأن لا يدع المستمتع باللذات الأخذ بالحظ منه على سبيل ما يحسن ويجمل… “، وهو أجل الملاذ المحسوسة وثمرة لعلم من أجل علوم الحكمة، ” والسمع والبصر هما الحاستان الشريفتان، وليس شىء أعز على الإنسان منهما “، وبهما ينال الإنسان أفضل اللذات التي لا يلحقه منها السآمة أو الملل الذي يصيبه من اللذات الجسمانية الأخرى، لأن المتعة بالصور والأصوات والألحان الجميلة ” لذة شريفة روحانية “، وإذا اجتمع الصوت الجميل الذي يبلغ حسنه إلى القلب إلى جودة الصنعة وسمو معاني الشعر تكاملت محاسن السماع، وهذا ما يتمتع به أهل الفضل والتميز من الكبراء والملوك الذي يجمل بهم أن لا يسمعوا ما يحرك قوة الشهوة بل ” ما يشتمل على وصف الحرية والأخلاق الشريفة من البذل والسماحة والعفو والصفح.. وقوة الشجاعة “. أما إذا مالت نفوسهم إلى غير ذلك ففي حدود الاعتدال (ص 227- 231).

ولابد لنا فيما يعنينا هنا من التركيز على اهتمام البلخى بصحة الأنفس، وهذا ما نجده في المقالة الثانية من كتابه، في ثمانية أبواب، تناول فيها الصحة النفسية من شتى الجوانب: فهو يبدأ بذكر ” الأعراض النفسانية “، مثل الغضب والغم والخوف والجزع، ويبين مبلغ حاجة الإنسان إلى علاجها، لأنها ألزم للإنسان وأكثر الاعتراء له من الأعراض البدنية، وذلك أن الأعراض البدنية قد يسلم منها الإنسان حتى لا تكاد تعرضت له في أكثر من أيام عمره، ” فأما الأعراض النفسانية فإن الإنسان مدفوع في أكثر أوقاته إلى ما يتأذى به منها، إذ ليس يخلو في أكثر أحواله من استشعار غم أو غضب أو حزن…، قل ذلك أو كثر”، بحسب ظروفه وقوة نفسه ومزاجه وحساسيته، ” ومن أجل ذلك لا يستغنى أحد من الناس عن تقديم العناية بمصالح الأنفس والاجتهاد فيما ينفى عنه ما يعتريه منها فيؤديه إلى القلق وتنغص العيش، وتكون تلك الأعراض نظيرة الأمراض الجسمانية التي تعرض له فتؤلمه وتسقمه وتؤديه إلى الحالة المكروهة “! ص 272).

ويعتر!ت هذا الطبيب النفساني بما لأطباء الأبدان من جهود في معالجة الأبدان، لكنه يلاحظ أنهم لم يهتموا بمصالح النفس، لأن القول في ذلك ليس هو من جنس صناعتهم، ولأن معالجات الأمراض النفسانية ليست من جنس ما يتعاطونه من الفصد وسقي الأدوية وما أشبهها… غير أنهم وإن لم يفعلوا ذلك ولم تجر العادة به منهم فإن إضافة تدبير مصالح الأنفس إلى تدبير مصالح الأبدان أمر صواب، بل هو مما تمس الحاجة إليه ويعظم الانتفاع به لاشتباك أسباب الأبدان بأسباب الأنفس، فإن الإنسان إنما قوامه بنفسه وبدنه، وليس يتوهم له بقاء إلا باجتماعهما، لتظهر منه الأفعال الإنسانية، فهمما مشتركان في الأحداث النائبة والآلام العارضة، وببين البلخي كيف أن السقم والألم البدني يعطل في النفس قوى الفهم والمعرفة، وكيف أن الآلام النفسية تؤدي إلى الأمراض البدنية، ولذلك فإن كل إنسان، وخصوصا من تغلب عليه الأعراض النفسية، محتاج إلى أن يعلم كيفية تدبير النفس. فإذا وجد ذلك مضافا إلى المعرفة بمصالح البدن في كتاب واحد فإن قارئه يستطيع أن يداوي نفسه مما يعتريه من تلك الآلام ولا يحتاج إلى طلب ذلك، متفرقاً في كتب الحكماء وأهل الموعظة والتبصير، وتحقيق هذا الهدف هو الذي دعا البلخي إلى تأليف كتابه، شاعر بأنه يقدم شيئا لم يسبق إليه (ص 275).

يتحدث طبيبنا بعد ذلك عن طريقة حفظ الصحة للنفس، وأساس صحة النفس هو” أن تكون قواها ساكنة “، فلا يهيج بالإنسان شيء من الأعراض النفسانية كالغضب أو الجزع أو الفزع، وذلك كما أن صحة البدن في أن توجد أخلاطه ساكنة ولا يهيج منها شيء. وأيضا إذا كانت سلامته تتحقق بأن يصان من الآفات الخارجة كالحر والبرد والآفات الداخلة، وهي هياج الأخلاط، فكذلك صحة النفس تكون بصيانتها عن المؤثرات الخارجة التي يسمعها الإنسان أو يبصرها فتقلقه وتضجره وتحرك فيه أعراض الخوف أو الغضب وعن المؤثرات الداخلة، مثل التفكير فيما يؤدي إلى تلك الأعراض التي تشغل قلبه وتشتت فكره. ويذكر البلخي للخلاص من ذلك طريقين:

أولا:

على الإنسان ” أن يشعر قلبه وقت سلامة نفسه وسكون قواها ما أسست عليه وجبلت عليه أحوال الدنيا في أن أحدا لا يصل فيها إلى تحصيل إرادته ونيل شهواته على سبيل ما يتمناه ويهواه من غير أن يشوب كلا من ذلك شائبة تنغص وتكدر.. فلا يطلب من دنياه ما ليس في أصل بنيتها… ويتغافل عن كثير من الأمور التي ترد عليه بخلاف مراده، ويعود نفسه على ” أن لا يضجر لكل صغير من الأمور وعلى احتمال ذلك ليستطيع احتمال ما هو أعظم ويكون كمن يمرن نفسه على احتمال الأذى اليسير من حر أو برد أو ألم، حتى يصير ذلك عنده طبيعة تعينه على تحمل ما هو أكبر، ” فإن هذه هي السبيل في رياضة الأبدان وهي السبيل في رياضة الأنفس ” (ص 278).

ثانيا:

وعلى الإنسان ” أن يعرف بنية نفسه ومبلغ ما عندها من الاحتمال للأمور الملمة الواردة عليه، فإن لكل إنسان مقدارا من قوة القلب أو ضعفه وسعة الصدر أو ضيقه “، فبعض النفوس من القوة بحيث يحتمل الخطوب العظيمة ولا يضعف، وبعضها من الضعف والانخزال بحيث تنحل قوته أمام ما يصيبه، وتضيق عليه مذاهب التصرف حتى يؤدي به ذلك إلى علة في البدن.

فإذا عرف الإنسان طبيعته ومنتهى قوتها ومبلغ استقلالها بالأمور بنى على حسب ذلك تدبيره في مطالبه ومقاصده، ملكا كان أو سوقة… ” (ص 288)، والإنسان إذا دبر أموره بحسب ما يطيق فإنه يصل إلى سلامة النفس وراحة القلب، وإن فاته الكثير من الآمال والرغائب التي يركب البعض لأجلها المخاطر ويغرر بنفسه وينتهي إلى ضيق الصدر وقلق النفوس والضرر في البدن.

ومتى عمل الإنسان بوصية هذا الطبيب ” استكمل بذلك السعادة الدنياوية، لأن كمال هذه السعادة إنما هو في صحة البدن،والنفس وراحتهما واندفاع الآفات والمكاره عنهما مدة الحياة في هذه الدنيا، ومتى خالف هذه الطريقة في مطالبة ومقاصده تنغصت عليه حياته وتكدرت عيشته واجتلب إلى نفسه الأمراض النفسانية، كما يجتلب الأمراض البدنية إليه مرة لا يصون نفسه من الآفات الخارجة ويتناول من أغذية المطاعم والمشارب وغيرها من حاجة الأبدان أكثر مما تحتمله قوته وتستقل به طبيعته ” (ص 280- 281).

أما عن إعادة الصحة إلى النفس فإن ذلك يكون بتسكين هياجها، وهي بطبيعتها شديدة الحساسية كثيرة الانفعالات و. التغير فيها، وذلك بسبب ” لطف جوهرها “. والإنسان لا يستطيع أبدا أن يحفظ على نفسه سكونها. بحيث لا يهيجها هائج من الأعراض النفسانية لأنها من دنياه في دار هموم وأحزان ومحل نوائب ونكبات، ولا يزال يرد عليها من حوادث الأمور ونوازل الخطوب ما يقع بخلاف محبته وضد إرادته، وذلك كما أنه لا يخلو من أعراض مؤذية قي بدنه، وإن كان ربما الإنسان زماناً طويلا لا يعرض له فيه مرض في أعضائه، أما النفس فلا يكاد يمضي يوم إلا ويرد فيه على الإنسان ما يثير الغضب أو الضجر أو الحزن.

ولذلك يجب على المرء في مصالح نفسه أن يتعهدها حتى لا يهيج بها شيء، وإذا هاج منها شيء بادر بتسكينه، ” وكما أن معالجة البدن.. إنما تكون بشيء جسماني يجانسه من الأغذية والأدوية… كذلك معالجة النفس.. إنما تكون بشيء روحاني يجانسها… وكما أن العلاج البدني إما أن يكون بشيء من داخل، كالاحتماء والامتناع مما لا يجب تناوله… وإما أن يكون بشيء من خارج… من الأغذية والأدوية، فكذلك معالجة النفس.. إما أن تكون بشيء من داخل، وهو فكرة يثيرها الإنسان من نفسه فيقمع بها ذلك العارض ويسكن ذلك الهائج وإما أن تكون بشيء خارج، وه وكلام يعظه به غيره فينجح فيه ويعمل في تسكين الهائج وإصلاح الفاسد من قوى نفسه… ” وكما أن طبيب الأبدان قد يعطي المريض من خارج يكون أنفع له من الاحتماء وضبط البدن من الداخل، فكذلك الطب في الأعراض النفسية: فالدواء من الخارج بالعظة والتذكير والإقناع قد يكون أنجع وأعظم تأثيرا، ” لأن الإنسان: أولا يقبل من غيره أكثر مما يقبل من نفسه، وذلك أن رأيه في كل الأحوال مغلوب بهواه، وأحدهما ممتزج بالآخر، ثانيا: ” أن الإنسان في وقت اهتياج عارض من الأعراض النفسانية به مشغول بما يقاسيه من ذلك العارض مقهور على عزمه ورأيه مفتقر إلى من يلي عليه تدبير أمره.. “، وحتى الطبيب إذا مرض شغله المرض عن التطبيب لنفسه، فاحتاج إلى طبيب غيره يداويه، ولذلك يحتاج أهل الحزم من الملوك إلى أن يكون عندهم حكماء يداوونهم من الأعراض النفسية كالغضب والضجر بالمواعظ والوصايا، كما يحتاجون إلى أطباء لمداواة ما يعرض للأبدان. ومع ذلك لا يستغني الإنسان في مداواة نفسه عن وصايا فكرية مجمعها في نفسه في وقت صحتها وسكوت قواها ويستودعها قوة الحفظ في ذات نفسه ليخطرها على باله ويعظ بها نفسه إذا لم يكن عنده واعظ، وذلك كما يحتفظ المحتاط في الأعراض البدنية بأدوية يودعها في خزائنه ليتناولها إذا عرض له أذى بدني ولم يكن بقربه طبيب (ص 281- 287).

فصلنا الكلام في موضوع استعادة الصحة كما يصفها البلخي، لأنه هنا وضع المبادىء ، ثم هو يذكر الأمراض النفسية التي أراد علاجها كما يذكر أطباء الأبدان أمراضها، وبعد أن يشير إلى قوى النفس: الفاضلة منها كالعقل والفهم والمسترذلة، وهي أضداد ذلك، والأخلاق المحمودة كالعفة والسخاء والمذمومة المضادة لها، يذكر أمورا تعرض، فتقع وتزول سريعا، كالغضب والفزع، ويخص باهتمامه هذه العوارض، ” لأنها هي تتصل أسبابها بأسباب البدن فتقلقه وتغيره أو تؤثر فيه آثارا كثيرة ترجع بالضرر عليه “، ويذكر هنا مثلا ما يفعله الغضب والفزع من آثار في البدن ” موحشة المناظر ” (ص 288).

ورأس هذه الأعراض المؤذية، وهو لها كالأصل، إنما هو الغم، وهو مقدمة لجميعها وموجود مع كل منها كالغضب، فإن، يغتم من الأمر ثم يغضب بسببه… وضد الغم السرور، فإنه أصل لكل ما يوجد له الإنسان مرتاحا ومهتزا… فالغم أقوى أسباب مرض النفس والسرور أقوى أسباب صحتها ” (ص 288- 289).

والأمراض التي يريد طبيبنا معالجتها في كتابة هي: الغضب، الخوف والفزع، الحزن والجزع، وساوس الصدر وأحاديث النفس. والمقام يضيق عن وصف العلاج لكل منها. وكما أننا اخترنا من أمراض النفس عند إبرازي كلامه في علاج العجب والحسد فإننا نختار هنا أولا علاج البلخي للحزن والجزع، يقول البلخي:

” إن موقع الحزن والجزع في الأعراض النفسانية موقع جليل عظيم الشأن فيما يرجع من ضررهما على الإنسان إذا تمكنا من قلبه، وذلك بين من حال الجزوع وتغيره إلى أوحش صورة وإحداثه على نفسه أحداثا كثيرة إذا أعجزه الصبر واستولى عليه الجزع “. والجزع هو فرط الحزن وشدته، فالجزع بمنزلة النار الملتهبة، والحزن هو كالجمر الباقي بعد سكون اللهب، وهو أعمل شيء في نهك البدن وتغيير قوى الشهوات من النفس وإذهاب بهائها ” (ص 314- 315). وهنا يصور البلخي ملامح الحزن وما يضادها من مظاهر السرور تصويراً بليغاً. وإذا اجتمع الحزن الذي يعرض بسبب فوت محبوب إلى الخوف الذي يتولد من مكروه مستقبل ” لم يبقيا له لذة حياة ولا طيب عيش ” ( 315).

ولا سبيل إلى زوال الحزن والجـزع عن الإنسان مادام في دار الدنيا، وهما إنما يزولان في الآخرة التي جاء في وصف أهلها في القرآن الكريم أنهم ” لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون “، فجمع بين ” توفر كل محبوب عليهم وزوال كل مكر وه عنهم “.

فأما أسباب الحزن فمنها ما هو معروف، مثل فقد شيء ما محبوب من أهل أو مال، ومنها ما هو مجهول، وهو ” غمة يجدها الإنسان على قلبه في عامة الأوقات تمنعه من النشاط وإظهار السرور وصدق الاستمتاع بشيء من اللذات.. ” (نص 316- 317). ويجتهد البلخي في تعليل هذه الغمة التي لا يعرف لها سبب، فيرى أنها ترجع إلى أعراض بدنية: قلة صفاء الدم وبرده وتغيره، والعلاج هنا منه ما هو جسماني: تصفية الدم وترقيقه بالأغذية والأدوية ومنه نفساني يكون ” بالتلطف لاجتلاب السرور إلى النفس بالمحادثة والمؤانسة والاستمتاع بما يطيب النفس وبما يحرك قوة السرور فيها من السماع الطيب وأشباه ذلك من المعاني التي يتفرج بها الإنسان وبنفي عن نفسه الغمة ” (ص 317 ) لكن البلخي يهتم لعلاج الحزن المعروف السبب، وذلك بأمرين:

أحدهما خارجي، وهو ” وعظ الواعظين وتذكير المذكرين “، وهو الدواء للأعراض النفسية المقابل للدواء الذي تعالج به الأعراض الجسمانية.

والآخر داخلي وهو أنواع من الفكر يروض بها الإنسان نفسه ويجعلها سلاحا وعدة. لصرف الغم والحزن عن نفسه .

من تلك الأنواع أن يفكر فيما يمكن أن ينشأ عن الحزن المفرط من ضرر يلحق بدنه، ورأس ماله هو ذاته وصحته، فلا يصح أن يأسى على شيء فقده مع بقاء ما هو المهم الأول عنده. ثم عليه أن يفـكر في طبيعة هذه الدنيا وأنه لا يصفو فيها لأحد عيش على حسب ما يحب ويريد، فليرض بما يخلص له من سعادتها، وهو إذا لم يمرن نفسه على الصبر فإن الجزع مصيبة عظيمة أيضا، فإذا راض نفسه على التجلد والاحتمال تغلب على المصائب وصار من أهل القوة والحزن والكمال والنبل الذين بقى ذكرهم وصارت فضائلهم ومآثرهم موضع الثناء والتعظيم، وأيضا يجب عليه أن يتأسى بغيره ممن أصابهم ما أصابه ، وليدرك أيضا أنه ربما كان يمكن أن تكون مصيبته أعظم مما وقع له، ثم إنه مهما كانت المصائب فإن الأيام لابد أن تخفف من آلامها، لأن أصعب أوقات النوائب هو وقت، حدوثها. وهكذا يريد البلخي من الحزين أن يعزي نفسه بنفسه وأن يتصبر ويتبصر ليهون على نفسه عناء الحياة.

ومن العوارض النفسية التي يداويها البلخي ” وساوس الصدر وأحاديث النفس “، وهي من أقوى العوارض تأثيرا في الإنسان وإيذاء له، كما يقول حكيمنا ، وهذا ما أحببنا ثانيا أن نلخص كلامه فيه.

إن هذا العارض، وإن كان نفسيا، إلا أن للأعراض البدنية شركة فيه. ونحن مضطرون هنا إلى صرف النظر عن كلام البلخي في أسبابه وما منه بالطبع مع الولادة، يتعود الإنسان عليه كما يعتاد عوارض البدن من صداع أو نحوه، وما منه طار ىء غريب لابد من علاجه. وأيضا لنصرف النظر عن كلام طبيبنا في علاقة هذه الوساوس بما يسمى في الطب القديم ” الأخلاط ” (السوداء والبلغم والصفراء..) وعن العوارض الجسدية والخلقية للمريض بحسب نظرية ” الأخلاط “، مثل اكتناز العظم ويبس العصب وقحل الجلد وغلظ الدم وكمد اللون وغير ذلك، مع شراسة في الخلق وعبوس في الوجه ودوام الإطراق وبطء الحركة وعدم السرعة إلى الغضب، لكنه إذا غضب، لم يزل غضبه سريعاً ، بل يكون حقودا شديد القسوة قليل الرجوع لمن يغضب منه إلى حال الصفاء، ومثل تخلخل ا؟ سد ورخاوة الأعضاء وليس البشرة ومحبة الكلام والتودد إلى الناس وسرعة التغير من الغضب إلى الرضا ومن الرضا إلى الغضب ورقة القلب، غير فظ ولا قاس. هذه الصفات المتناقضة يفسرها الطب القديم بحسب نظرية الأخلاط (السوداء أو البلغم والمرة الصفراء)، ولابد أن يكون لها تفسير بحسب الطب الحديث.

والمهـم أن البلخي يذكر أن المريض لا تزال تلم به ” وساوس القلب ” التي قد تكون من جنس ما يحب مثل عشقه شيئا يهواه، ” فيعلق قلبه به، ويصرف فكره في كل الأوقات إليه، ويخطره بباله كل حين، ويجعله نصب وهمه دائما، فيمنعه ذلك من التفكير فيما سواه ويشغله عن أكثر أعماله وعن قضاء أوطاره من لذاته وشهواته ” (ص 330- 331) وقد تكون الوساوس من جنس ما يخافه المريض ويخشاه من أمر لعله يحل به عن قر يب ، وأشده ما يخشى أن يصيبه في أمر بدنه وحياته، ” فإن هذا هو أصعب المخاوف وأشدها تمكنا من القلب واستيلائها عليه، وذلك ” أنه ليس شيء أعز على الإنسان من نفسه وحياته، فإذا خاف عليها كان ذلك الخوف أشغل شيء لقلبه وأغلبه على فكره (ص 331)، وهو أيضا وسواس أصعب من الذي قبله، لأن انشغال الفكر بما يحبه الإنسان فيه حظ من اللذة، فأما انشغاله بمكروا، يتوقعه فهو مؤذ للنفس.

ومن آفات هذا الوسواس أن نفس المريض تتصور البعيد الذي يخشاه قريباً، ” فتجعله في كل وقت نصب فكره ووهمه، كأنه يلاحظه وينظر إليه ويتوقع حلوله، فيشغله ذلك عن الاستمتاع بلذاته وشهواته وقضاء حاجاته على السبيل التي ينال منها غيره، وكلما أراد الاشتغال بأمر من الأمور التي يحتاج إلى مباشرتها أو الإصغاء إلى حديث يفاوض ويؤانس به طفرت نفسه عن ذلك الشيء إلى ما ارتعب به من تلك الأحاديث والوساوس، فيشغله اعتراض ذلك عليه عن أن يستوعب حديثا إلى آخره فيجد لذلك لذاته في عامة الأوقات منغصة إليه وشهواته مكدرة عليه) (ص 332).

ويشبه طبيبنا حال المريض بالوسواس من هذا الوجه بحال من يتأذى بالأحلام المزعجة التي يستيقظ منها الإنسان خائفاً مذعوراً. فصاحب الوساس في حال اليقظة شبيه بصاحب الأحلام المروعة في حال النوم.

ومما يختص به أصحاب الوساوس الرديئة أنهم يصيرون ضحايا سوء الظن في أمور أنفسهم، فيخافون مما لا خوف منه، وإذا عر ض لهم أمر له وجهان تصوروا ما هو أصعب وأخوف دون ما هو أسهل وأرجى، وذلك حتى في الأمور الخاصة بأبدانهم، فهم لا يميلون إلى حسن الرجاء والأمل في السلامة.

يوصي طبيبنا من تعرض له هذه الوساوس أن يجد في التخلص منها كما يجد في التخلص من الآفات البدنية،” وأن يوقن بأن الله تبارك وتعالى جعل لكل داء يعرض للأبدان والأنفس دواء، ولكل ألم يحدث فيه شفاء “، وإذا قوبل الداء بدوائه فإنه إما أن يزيله بتمامه، جسمانياً كان أو نفسانياً، وإما أن يقلل من غائلته، وزول بعضها خير من بقاء كلها وتركها “تتمادى في الازدياد. وهنا يكرر البلخي ما سبق أن قاله من أن الأدواء الجسمانية تداوى بأدوية جسمانية، والأدواء النفسانية تداوى ” بالأسبقية النفسانية “، وهي تتلخص في المواعظ والفكر، وهو يحاول أن يصف العلاج لدفع الوساوس:

هناك “علاج من خارج النفس، وهو أن يتجنب المريض الوحدة والانفراد، لكيلا تتسلط عليه وساوسه، لأن الوحدة ” تهيج على الإنسان الفكر وأحاديث النفس “، بحكم أن قوى النفس لابد أن تعمل عملها إما من خارج بلقاء الناس ومخاطبتهم وإما من داخل بالإقبال على الفكر فيما يخطر في النفس أو يهجس على الضمير، فإذا لم تقم النفس بعملها الخارجي فلابد لها من الاشتغال بالفكر، بسبب ذكائها ورقة طبعها، ” ومن أحل ذلك ذم الانفراد واستحب للإنسان أن يكون معاشراً للناس مشتغلاً بمحاورتهم ومناسمتهم ” (ص 337). والانفراد يكون محموداً في حق سلطان يرتب منفرداً مصالح ملكه أو حكيم يعكف على استنباط علم من العلوم أو ناسك متعبد ينفرد لمناجاة ربه عز وجل، وما عدا ذلك من أنواع الانفراد فهو مذموم، لأنه يؤدي إلى فكر لا طائل من ورائه، ولذلك جعل الله للإنسان أنساً في الاجتماع مع بني جنسه وتفريجاً عن همومه وأحزانه، ولا يشذ عن ذلك إلا من كان فاسد الطبع.

وعلى المبتلى بالوساوس ” أن يتجنب الفراغ، فإنه نظير الوحدة في مضاعفته على صاحب هذا العرض التأذي بالفكر… ولابد للإنسان من أمر يشتغل به ويقطع أيامه به، فمتى لم يكن له شغل من خارج مالت نفسه إلى الاشتغال بشيء من داخل، وهو التفكير “. فإن كان. صاحب الوساوس من عامة الناس فليشتغل بطلب معاشه، وإن كان من الملوك فليقبل على ” مصالح سلطانه وارتياء الآراء وإبرام التدبير… “، وهو إذا مل ذلك فليصرف الزائد من وقته إلى قضاء أوطاره من اللذات، وخصوصا السماع الذي يحرك قوى النفس، والتمتع بالنظر إلى الصور الجميلة، فإن لذلك تأثيره في صرفه عما يتأذى به من أحاديث النفس، وعليه أن يستجد مما يسره، لأن صاحب الوسواس ملول سريع انصراف النفس عما يشتهيه، ثم عليه أن يختار من حاشيته من يثق بمودتهم له وشفقتهم عليه، فيحدثهم بما يحدث به نفسه ليعرفوه كيف يتخلص منه، وذلك كما يلجأ المريض الجسماني إلى الطبيب الذي يهون عليه المرض ويمنيه بالعافية.

أما الوسائل التي يمكن أن يستعين بها المريض من داخل ذاته فمنها أن يعد فكرا يقاوم بها وساوسه فيصير كمن يحاج خصما له، وتلك الفكر منها ما يعده ليذكر به نفسه، وهو صحيح من الأمراض في بدنه، ومنها ما يعده ليعرضه على نفسه عند اندفاعه إلى نوع من الأمراض، لكيلا يعظم عنده صغير ما يصيبه منها فيذهب خياله إلى أسوأ التصورات.

ويجب أن يكون على بال الإنسان دائما أن الكثير مما يروعه ويخفيه، سواء من الأمور الخاصة به أو الأمور العامة الضرر، كالكوارث والأوبئة والحروب، ربما لا يصل إليه شيء منها، وإنما هو سوء ظن ناشىء عن حالة بدنية عليه أن يطلب علاجها أو من وساوس ” الشيطان المتكفل بالإضرار به في أسباب أولاه وأخراه “. وإذن فليصرف تفكيره عما لا محصول له، وليجاهد الهواجس ” بقوة عقله “، مدركاً أن ما يلم به من انشغال فكره مشترك بينه وبين غيره، هذا إلى جانب أن ما يهجس في النفس إنما هو أمور عارضة شبيهة بما كل إنسان ممتحن به من الأعراض البدنية التي يجدر به أن لا يأبه لها، خصوصاً إذا كان ذلك شيئاً قد صار عادة له ولم ينشأ عنها ضرر، كأنها أحلام مزعجة لم يصبه منها مكروه.

ومما يستطيع به الإنسان أن يطرد الهواجس وسوء الظن بالأمور أن يعلم أن الله تبارك وتعالى جعل لكل حال فيما خلق من الكائنات الحية من صلاح أو فساد أسباباً ومقدمات، ” وإن هذا هو الأصل الذي ربت عليه العالم (ص 347)، فلا تقع الأحداث في حياة الإنسان من الصحة والمرض إلا على هذا الأصل، فإذا تحرز الإنسان من الآفات التي تأتي من الخارج ودبر أمور حياته في غذائه وسائر أموره فإنه يحيا سليما معافى إلى المدة المقدرة له، وليعلم صاحب الظنون السيئة ” أن الخالق تبارك وتعالى لما دبره في أمر هذه الخليقة من بقاء كل شخص إلى المدة التي قدرها له ركب الأنفس في الأبدان تركيبا على غاية الإحكام والإتقان وشبك بينهما تشبيكاً لا يكون أقوى وأبلغ منه، فلذلك ترى كل نفس تألف البدن الذي تحله إلفاً لا يكون وراءه غاية، حتى أن الإنسان لتصيبه العجائب من الآلام والأوجاع والنكبات… فتحتمل نفسه كل ذلك وتعيش معه، وكذلك الأعراض الفظيعة من الجوع والعطش والأمراض التي تطول عليه فتذهب عقله وتبطل حواسه… فتبقى على ذلك كله وتعيش معه بسبب قوة إلف روحه لجسده وشدة التشبه به، فطبيعته لقوة فعلها في إمساك الحياة هي التي تحتمل ذلك كله، وهي التي تجتهد في دفع الأمراض عن الجسد “. ولو نظر الإنسان في الأمراض الصعبة لتبين أن الشفاء يكون نادراً من دواء الطبيب “، بل بمعونة الطبيب الطبيعية واجتهادها في دفع الأذى عن ذاتها “، وكثير من المرضى يبرؤون من عللهم بغير دواءٍ، ما لم يبلغوا الهرم والفناء أو يعرض لهم وباء شامل يفنيهم، ففي ذلك دليل على قوة أمر الطبيعة ولطف الاشتباك الذي بين الأرواح والأبدان ” (ص 354).وغرض البلخي من هذا الكلام هو أن يدركه صاحب الوساوس، فلا يتصور أن كل مرض يصيبه سيقضى عليه. وهو ينبه القارىء إلى، أن الله لما اقتضت حكمته عمران هذه الدنيا وبقاء أهلها فيها إلى المدة التي قدرها ” جعل أسباب السلامة فيها أغلب من أسباب الهلكة… فإنا نرى ذوي السلامة في الأنفس والسلامة في الأبدان والجوارح والآلات أكثر من ذوي الزمانة والعاهات كالصم والبكم والعمى والمقعدين “. وعدد ذوي الآفات قليل بالنسبة لذوي السلامة، وهم كالمحتاجين بالنسبة لمن عندهم الكفاية أو الذين يهلكون من المرض بالنسبة لمن يبرؤون، إلا إذا كان هناك وباء شامل لا يقاس عليه ومع أن الله خلق الإنسان خلقة معرضة للمرض في النفس والبدن إلا أنه بلطفه ورأفته جعل لكل داء دواء، والأدوية موجودة في مختلف أجزاء الأرض، ثم أنه ألهم البعض العناية باستنباط صناعة الطب التي ترجع أوائلها إما لوحي من قبل السماء أو إلهام يقوم مقام الوحي، حتى توصل أصحاب هذه الصناعة إلى عجائب التركيبات وتأثيراتها الناجعة في الشفاء.

والبلخي يريد أن يبعث الثقة بالحياة في نفس الإنسان وأن يفتح له أبواب الأمل والتفاؤل، لكي يعنى بأمر ننساه وبدنه، ويقول (، إن الإنسان ما لم يبلغ إلى حال الهرم لا يعدم الصحة ولا يفوته البرء، إلا إذا كان في وقت صحته “سيىء الأدب في أمر بدنه “، فلا يبالي فيما يأكل ويشرب كما وكيفاً أو كان إذا عرضت له علة لا يبادر بالعلاج، فيتمادى المرض أو كان لا يسيطر على نفسه فيما يؤمر بتجنبه فيزيد في علته. ويكون عونا مع الداء على الطبيعة والطبيب فيفوته البرء والسلامة ” (ص 358 ) :

وهكذا ينتهي كلام البلخي في مقاومة الخواطر السيئة والوساوس المرضية، وبه نختم كلامنا عن اجتهاد هذا الحكيم الأديب الطبيب في الجمع بين عناية الإنسان ببدنه ونفسه ليعيش سليماً سعيداً، وقد طال الكلام في ذلك، لأنه أهم ما نعرفه إلى اليوم من تراث الطب البدني النفسي الذي جمع فيه البلخي بين التجربة الإنسانية وروح الإيمان، وأيضا ساعد المريض على أن يتخلص بنفسه من العقد الموجودة في داخل ذاته.

ومن كلام البلخي: لابد من الموت، فلا تخف منه، وإن كنت تخاف مما بعد الموت فأصلح شأنك قبل موتك، وخف سيئاتك، لا موتك.

ونحن مضطرون الآن إلى إكمال بحثنا، بعد أن طال، بإشارات موجزة حول النقط التي أردنا معالجتها، لكننا لن نحرم القاريء، بفضل ذكرنا للمراجع محددة أمامه، من أن يستطيع التفصيل، علما بأن ما جاء بعد إبرازي والبلخي فيه تكرار لآراء السابقين وإن كان يستحق الدراسة الخاصة والمقارنة.

ابن مسكويه ومداواة النفوس:

كان أبو علي أحمد بن مسكويه (ت حوالي 420 هـ) ممن تخصص في دراسة الأخلاق بين فلاسفة الإسلام، وقد دعاه إلى ذلك، باعث شخصي ورغبة في نصح غيره، وكتابه ” تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ” يشتمل على عناصر من الفكر الأخلاقي اليوناني وعلى عناصر إسلامية وهذا إلى جانب تجربته الذاتية ومشاهداته الخاصة لأحوال مختلف الناس في عصره.

تناول فيلسوفا كثيراً من الموضوعات ذات الصلة بما نحن فيه، فتكلم في رتب الفضائل: أولها نوع من السعادة ينشأ عن ملابسة الشهوات، بقدر معتدل “، لكن يكون الإنسان إلى ما ينبغي من الترفع أقرب منه إلى ما لا ينبغي من القصد إلى الإفراط في الشهوات، ثم يترفع بإرادته إلى ” الأمر الأفضل من صلاح النفس والبدن ” فلا يأخذ من الشهوات إلا ما تدعو إليه الضرورة. ثم تزداد رتبة الإنسان بحسب الممارسة والهمة والعلم والمعرفة والمعاناة والتشوق إلى الكمال النفسي حتى يصل إلى ما يسميه فيلسوفا ” الفضيلة الإلهية المحضة ” التي يعلو بها الإنسان فوق الميول والرغبات والحاجات وأحوال الخوف والفزع، فيكون عقلاً خالصاً، ويتشبه بالله تعالى في الاستغناء.

ولكن ابن مسكويه يتكلم أيضاً عن الإنسان الواقعي كما يعيش في هذه الدنيا فيقولن: ” كما أن للحس لذة عرضية على حدة، فكذلك للعقل لذة ذاتية على حدة. وللإنسان جانب جسماني يناسب به عالم الحيوان، وجانب روحاني به يناسب الملائكة. فاللذة الحسية مؤقتة مملولة، لكن الطبع يميل إليها قي أول الأمر لشدة قوتها، فإذا تمكنت منه سيطرت عليه واستحسن فيها كل قبيح. أما اللذة العقلية فهي دائمة، لكن الطبع لا يميل إليها في أول الأمر، فإذا راض الإنسان نفسه عليها انكشف له حسانها وبهاؤها وأحبها، والإنسان بوجه عام إما أن يكون في مرتبة اللذة والسعادة الجسمانية، لكنه يتشوف إلى اللذة الروحانية ولا يزال يطالعها، وإما أن يكون في مرتبة اللذة والسعادة الروحانية، لكنه ينظر إلى اللذات البدنية ويرى فيها مظهراً من مظاهر الحكمة الإلهية. وصاحب المرتبة الأولى لا تخلو حياته وسعادته من الكدر) ما صاحب المرتبة الثانية فهو كالملائكة.

” والإنسان السعيد حفا تكون لذاته ذاتية لا عرضية، وعقلية لا حسية وفعلية لا انفعالية، وإلهية لا بهيمية “. وأعظم أسباب السعادة على كل حال هي عند فيلسوفا الحكمة.

ومن الطريف عند ابن مسكويه تحليله ووصفه لنفسيات بعض الناس، فهو مثلا يصور لنا نفسية الملوك وأنهم أفقر الناس لكثرة احتياجهم وأكثرهم قلقاً بسبب كثرة ما يملكونه أو يطمحون إليه، ويصور لنا نفسية الإنسان ” الشرير ” وما يعانيه من القلق وقلة الاستقراء وخوفه من نفسه بحيث يهرع إلى أمثاله، وأيضاً نفسية الإنسان الخير الفاضل في سعادته بذاته وبما يفعل وفي إيمانه بقيمة الخير وانسجامه مع نفسه ومع غير،.

وأهم ما في كتاب ابن مسكويه المقالة السادسة والسابعة، فهو في الأولى يتكلم في ” مداواة النفوس “، فيذكر الأمراض التي تلحق النفس وكيفية علاجها بعد معرفة أسبابها. وهو يقول أولا إن النفس وإن كانت ” قوة آلهية غير جسمانية ” إلا أنها مرتبطة بمزاج خاص، هو البدن، رباطا طبيعيا من صنع الله. وكل من النفس والبدن يتغير بتغير الآخر، ” فيصح بصحته ويمرض بمرضها، ويذكر من الشواهد على ذلك فساد أحوال الفكر إذا طرأ فساد ما على ” الدماغ ” وتغير أحوال البدن وإصابته بالمرض بسبب الغضب والحزن والخوف..

وطب النفوس كطب الأبدان قسمان: حفظ الصحة، واستردادها إذا فقدت، وأساسها الاعتدال.

ويبتدىء طبيبنا بالكلام في ” اللذة التي تطبقها الشريعة ” وهي التي يقررها العقل. وعلى من يريد المحافظة على صحة نفسه أن يلتزم وظيفته من الجزء النظري والجزء العملي في طبيعته، فلا يقصو في حياة الفكر، لأن النفس إذا تعطلت عن الفكر تبلدت وتبلهت ، ولا يقصر أيضا في الناحية العملية، بمعنى ملابسة اللذات، لأنها من أسباب السعادة الخارجية. لكن فيلسوفا يوصي طالب الصحة البدنية والنفسية بأن يكون متحليا بصفة القناعة وطلب الكفاية، كما رأينا ذلك عند إبرازي، وأن لا يشتغل بفضول العيش، فإن ذلك بلا نهاية، ومن طلبه وقع في عناء لا نهاية له، ولا ينبغي للإنسان العاقل ” أن يقصد لذة البدن بل صحته، وسيلتذ لا محالة، فإن من طلب بالعلاج اللذة لا الصحة لم تحصل له الصحة ولم تبق له اللذة “.

ويتناول فيلسوفا في المقالة السابعة ” رد الصحة على النفس ” فيذكر أمراضها، وهي مضادات الفضائل ومن نوع الأمراض التي ذكرها من قبل إبرازي والبلخي، ويبني علاجه على معرفة الأسباب كما فعل من قبله. لكن يحسن ذكر مثال أو مثالين.

يعالج ابن مسكويه العجب والافتخار، بعد تعريف ذلك بأنه ظن كاذب بالنفس في استحقاق مرتبة لا تستحقها، وذلك بأن يعرف المرء عيوب نفسه، وأن الفضل مقسوم بين البشر، وليس يكمل أحدهم إلا بفضائل غيره، ومن كانت فضيلته عند غيره لا يصح أن يعجب بنفسه.

أما الافتخار بالخيرات الخارجية، أي الماديات والمظاهر، فهو لا يصح، لأنها عرضة للزوال والتغير والآفات. وهنا يذكر ابن مسكويه ما أشارت إليه آيات من القرآن الكريم فيها قصة الرجلين اللذين كان لأحدهما جنتان، كل منهما آتت أكلها، ففاخر صاحبه بما يملك واغتر بنفسه وبما ملك، فجاءت كارثة أهلكت ما عنده، والآية التي تشبه الحياة الدنيا بنبات يظهر ويزدهر ثم يذوي ويصبح هشيما تذروه الرياح (س 18/ 32- 42، 45)، أما من يفتخر بأبويه مثلا فهو يفتخر بما ليس له، ويذكر ابن مسكويه هنا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ” لا تأتوني بآبائكم وائتوني بأعمالكم “.

على أن البعض يمتدح الغضب وما فيه من حمية أو شدة الشكيمة. هنا يفرق فيلسوفا بين ذلك وبين الشجاعة، فيقول إن ” الشجاع العزيز النفس هو الذي يقهر بحلمه غضبه ويتمكن من التمييز والنظر فيما يدهم، ولا يستفزه ما يرد عليه من المحركات لغضبه، حتى يتروى وينظر كيف ينتقم ممن وعلى أي قدر “.

ويتناول ابن مسكويه علاج الخوف الناشىء عن توقع مكروه، فيقول إنه ربما لا يقع أو ربما كان المتوقع أمرا يسيرا، ثم إن الإنسان ربما كان هو نفسه السبب فيما يتوقعه من معاناة بسوء اختياره، فعليه أن يتجنب ما يخاف عواقبه وألا يقدم على ما لا يأمن نتائجه المضرة. ومهما كان، الأمر فإن الإنسان لا يصح أن يفرط لا الخوف وسوء الظن بالمستقبل، لأنه ” إنما يحسن العيش وتطيب الحياة بالظن الجميل والأمل القوي وترك الفكر في كل ما يمكن أن لا يقع من المكاره “، فكم كهـان هناك من أمور ارتاع لها الفؤاد ولم تقع !

ويتكلم ابن مسكويه في دفع الخوف من الموت، وهو يقتبس من آراء الكندي ويزيد عليها، ولابد لنا من الاكتفاء بهذه الإشارة التي نختم بها الكلام عن فيلسوفا.

ويحسن أن نشير هنا إلى أن ابن سينا أيضا ألف رسالة في ” دفع الغم من الموت “، يمكن ضمها إلى ما كتب قبلها للمقارنة بين آراء الشيخ الرئيس، وهي فلسفية إلى حد كبير، وبين آراء من سبقه الممزوجة بالدين.

العوارض النفسية والنبض

تناول ابن سينا في كتاب “القانون ” (ج اص 134- 135) أحكام نبض ما يعرض للنفس، وذكر النبض بحسب ذلك: نبض الغضب عظيم شاهق سريع متواتر، ونبض اللذية أقل سرعة وتواترا، أما السرور فنبضه قد يعظم مع لين ويكون إلى إبطاء وتفاوت، ونبض الغم صغير ضعيف متفاوت باليء، ونبض الفزع سريع مرتعد مختلف غير منتظم. لكن الشيخ الرئيس لا يذكر في هذا الموضوع من ” القانون ” كيف درس هذه الأنواع.

الطاقة النفسية

على أساس العلاقة بين النفس وبدنها يتحدث ابن سينا في كتاب ” الإشارات ” (النمط العاشر الخاص بما يسميه ” أسرار الآيات “)- يقصد الأمور غير العادية- عن أفعال تصدر عن الذين يسميهم ” العارفين “، وهم من الصوفية الروحانيين، مثل: إمساكهم عن الطعام مدة غير معتادة، والتمكن من الأعمال التي تحتاج إلى قوة غيرعادية، والاختبار عن الغيب.

فالإمساك عن الطعام والاستغناء عنه ناشىء عن أن النفس تتجه أو تنجذب نحو مهماتها، وتكون نفس العارف قد راضت قوى البدن، فتنجذب هذه وراءها وتتوقف أفعالها الطبيعية بسبب السكون البدني لانشغال النفس بما هي فيه، كما يحدث مثل ذلك عند الخوف، وهو عارض نفساني، أو عند المرض، لكن مع فرق بالنسبة للعارف، لأنه لا يكون مريضا بدنيا ولا خائفا.

أما قدرة العارف على فعل يحتاج لقوة كبيرة فهو ناشىء عن انطلاق طاقته بسبب ابتهاج نفسيه بالله واعتزازه به أو بنوع من ” الحمية الإلهية ” التي تجعله قادرا على ما لا يقدر عليه غيره، ولهذا أيضا شبيه في أحوال الغضب أو المنافسة، حيث يفعل الإنسان ما لا يستطيع فعله في الأحوال العادية.

وأما إخبار العارف بغيب فهو ليس عجيبا، لأن الإنسان في الأحلام قد يرى شيئا يقع بعد ذلك، وإذا كان هذا أمرا يحدث في النوم فلا مانع من أن يقع في حال اليقظة، ولكن الفرق واضح بين العارف الذي راض نفسه على تجاوز حدود البدن وبين غيره. والمهم أن الشيخ الرئيس إذ يتكلم في هذه الأمور، يقول إن لها نظيراً في ” مذاهب الطبيعة “. وهو يذكر أمورا أخرى كثيرة تبين ما للنفس من قوى نكتفي بالإشارة إليها. ويمكن الرجوع إليها في كتاب ” الإشارات “.

مرض العشق

تحدث إبرازي عن العشق باعتباره سلوكا مرضيا، أما الشيخ الرئيس فهو يتحدث عنه في كتاب ” القانون ” (ج ص 71-73) ويقول إنه ” مرض وسواسي شبيه بالمانخوليا ، يكون الإنسان قد جلبه لنفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشماثل “. ويذكر أعراض المريض البدنية وأحواله وشمائله المختلفة، ويصف وسائل العلاج كما تصورها، وهي متنوعة بين النصيحة والعظة وبين التماس أسباب السلوان أو الجمع بين العاشق ومعشوقه. ويذكر ابن سينا كيفية الاستدلال على المعشوق، إن كان المتيم لا يريد التعريف به، وذلك بواسطة جس النبض مع ذكر أسماء وأماكن ومساكن.. وما يشير إليه ابن سينا هنا قد فصله صاحب كتاب ” جهاز مقالة ” (ص 83- 84)، وذلك أن فتى من أقرباء السلطان قابوس بن وشمكير صاحب مدينة جرجان مرض من العشق، ولم يعرف أحدا بأمره، فدعي ابن سينا لعلاجه، فرأى فتى في غاية الجمال لكنه مريض ذابل، فلما تأمله وفحصه ولم يجد شيئا استنتج بحدس الطبيب أن الفتى عاشق، فطلب من يعرف المدينة وكل ما فيها ومن فيها وأخذ يسأله عن أحيائها وشوارعها وبيوتها ومن فيها ويده في أثناء ذلك على نبض الفتى، فكان يلاحظ تغير النبض مع الاقتراب إلى مكان المحبوبة، إلى أن ذكرت أسماء أسرة معينة فاستدل ابن سينا من ملاحظة ظهور حركة النبض نفسها على اسم المحبوبة.

كمال النفس وبهجتها وسعادتها عند ابن سينا

ولنختم هذه الإشارات الموجزة لآراء الشيخ الرئيس بأنه كان يرى أن التفلسف ” استكمال للنفس ” بالعلم بالحقائق والتخلق بالفضائل، وهو يوصي العاقل بالتفكر في ” جلال الملكوت وجناب الجبروت ” و ” بأن يكون الله أول فكر له وآخره “. أما بهجة النفس وسعادتها، كما يصفها في ” الإشارات ” (النمط الثامن. فهي في سلوك الطريق إلى ” كمال الجوهر العاقل، بالتخلص من درن البدن ومشاغله لكي يتمثل فيه ” الحق الأول ” والعالم العقلي. وهنا لا يقتصر الأمر على الصحة البدنية والنفسية، بل ينتقش الإنسان ” بالكمال الأعلى وتحصل له اللذة العليا ” وكل ذلك ثمرة التصوف العقلي وتزكية النفس عند ابن سينا.

أدب الطبيب

كتب علماء المسلمين منذ وقت مبكر من تاريخ حضارتهم مصنفات في جملة الصفات ومبادىء السلوك وعناصر الثقافة التي يجب توفرها بحسب مجالات الأعمال وطبيعتها، وذلك تحت عنوان ” أدب ” أو ” آداب “. من ذلك مثلا: كتاب ” أدب القاضي ” لمحمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هـ) و ” آداب المعلمين ” لمحمد بن سحنون (ت 256 هـ) و ” أدب الكاتب ” لابن قتيبة (ت 276 هـ) وغير ذلك.

ومن تلك المؤلفات ” أدب الطبيب ” لإسحاق بن علي الرهاوي الذي لعله كان مسيحيا فاضلا عاش في العراق وتوفي أواخر القرن الثالث، وكتابه لا يزال مخطوطا (رقم 1658- أدرنة، تركيا)، وقد وضعه معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية (بجامعة فرانكفورت) مصورا تحت تصرف القراء والمحققين.

في هذا الكتاب نجد تصويرا للطبيب الكامل ” والآداب التي ينبغي أن يؤدب بها نفسه والأخلاق المحمودة التي ينبغي أن يقوم بها طبعه… والتدابير التي ينبغي أن يدبر بها جسمه والأفعال التي يفعلها بالأصحاء والمرضى “، وكل ما يلزم الطبيب من مبادىء السلوك والإرشادات في مزاولة صناعته، إلى جانب أمور كثيرة تتعلق بالأدوية، وواجبات من يتولى خدمة المريض، وآداب وواجبات المريض نفسه بالنسبة لطبيبه ولأهله، وشرف صناعة الطب ووجوب تشريف صاحبها، وشروط الاشتغال بها، وواجب الدولة نحو حسن أدائها والرقابة على من يمارسها إلى غير ذلك من المعلومات الطبية المتنوعة والعادات النافعة في حفظ الصحة والعادات السيئة التي تضر المرضى والأطباء معا..

والمهم هو تصور المؤلف للطبيب ورسالته، فهو لما كان ” قد نصب نفسه قاضيا على النفوس حاكما على الأجسام ويتولى طبها وتدابيرها، فإنه يلزمه ما يلزم الحاكم للناس من الخصال: ” أن يكون حسيبا عالما ورعا.. غير عجول “، بل يجب أن تتحقق له هذه الفضائل أكثر مما تلزم للحاكم في سياسة الناس وأمور أموالهم، ” لأن النفوس أشرف من الأموال “. ومن أول صفات الطبيب أن يكون مؤمنا بالله وبجميع الرسل والشرائع، وأن يكون اهتمامه بالحكمة أكثر من اهتمامه بالمال، وأن يكون في نفسه رمزا للصحة. وفي آخر الكتاب يوصي المؤلف الطبيب بوصايا كثيرة، وكما أنه يطالب المياسير الذين غمرهم الله بالنعم أن يرعوا الفقراء، فهو يطالب الأطباء الذين شرفهم الله بالعمل بصناعة الطب أن يعطفوا على الضعفاء، ليكون نفع صناعة الطب شاملا للقوى والضعيف ” وعلى كل حال فإن الرهاوي يريد من الطبيب أن يتحلى بكل صفات الرحمة والفضل والنبل (ص 222).

ونحن لم نهتم بذكر هذا الكتاب إلا لما فيه من دلالة على الوعي الطبي والاهتمام بأخلاقيات ” الطبيب المثالي ” التي كانت تحتاج إليها ظروف ذلك العصر من سيادة روح الإيمان وأخلاقيات الدين. وفي حكايات بعض الأطباء الفلاسفة، مثل ابن سينا وغيره أن الواحد منهم كان عندما يواجه مشكلة يلجأ إلى المسجد فيصلي ويبتهل إلى الله لكي يلهمه الحل. ومهما كان الأمر فإن الطبيب، وهو يعالج المريض أو يجتهد في صنع الدواء، لا يصح أن ينسى أنه يدخل في صنع الله ويتعامل معه، فهل يصح أن يكون غافلا عن الله خالق كل شيء.!

كتابات علماء الإسلام في تهذيب النفوس

بينما كان أطباء الإسلام، بحسب طريقهم، يجتهدون في التوصل إلى الصحة البدنية والنفسية كان بعض علماء الدين من ذوي الاهتمام بالأخلاق وتزكية النفس يجتهدون في علاج الطبيعة البشرية ويتكلمون كما تكلم الأطباء والفلاسفة عن نزعات النفوس والعوارض النفسية. وهم كانوا في أولى الأمر زهادا يشتغلون بالعبادة والتحقق بفضائل الدين، وكان منهم قوم برزوا من أول عهد الإسلام ، ثم تتابعوا منذ الحسن البصري (ت 115 هـ) الذي كان مجلسه ملتقى كثير من المفكرين، وكانت له مواعظ تدعو إلى التفكر في الدنيا ليتبين الإنسان أنها لا تستحق أن يبيع بها نفسه، وإلى محاسبة النفس وإمساك عنانها عما يمكن أن تقول أو تفعل. وهو ينبه الإنسان إلى أهم ما يصيبه في الدنيا: المرض والفقر والموت، وأن الأمر ينتهي بأنه يموت وحده ويبعث وحده ويحاسب وحده، فعليه أن يعني بنفسه ومصيره وأن لا يفقد نفسه في الدنيا التي هي دار ابتلاء.

وبعد كتابات وأقوال متفرقة لتلاميذ الحسن وكتاب لعبدالله بن المبارك (ت 181 هـ) في ” الزهد والرقائق ” الذي تضمن لطائف دينية روحانية في تهذيب النفس، نجد طفرة في دراسة النفس وتزكيتها عند الحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ) صاحب التأليف في تربية النفس لتصل إلى كمالها وصحتها. ولا يتسع المقام لتفصيل ذلك، فلنكتف بالإشارة إلى أن طريقته تعتمد على المعرفة بالنفس ومحاسبتها- ولقبه مشتق من هذه الطريقة- وعلى العلم والفهم، وهو في كتاب ” الرعاية لحقوق الله ” يتكلم في بعض العوارض النفسية المرضية وفي علاجها مبتدئا بالتحذير من هوى النفس، ثم يعالج العجب والكبر والغرور والحسد، ويرسم للمهتم بتزكية نفسه، وهو المريد، سيرته اليومية فيما يقول ويفعل ويحس به.

أما أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ)فهو أيضا في كتابه ” أدب الدنيا والدين ” يريد تربية الإنسان على أساس استعمال العقل والعلم في تزكية النفس، فيري في العلم مثلا أنه ” عوض عن كل لذة ومغن عن كل شهوة، ومن كان صادق النية فيه لم يكن له همة فيما يجد بدا منه- يقصد عدم الالتفاف إلى ما يمكنه الاستغناء عنه، ومن تفرد بالعلم لم توحشه خلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوى ” (أدب، ص 97، بيروت، 1981). والمهم هنا هو أن الماوردي يتكلم في بعض العوإرض النفسية وعلاجها، فيبدأ بأول ما يجب على من يريد رياضة نفسه، وهو ” النقد الذاتي “، بمعنى أن يعرف صفات نفسه، لكن بالعدل، فلا يحسن الظن بنفسه بحيث تخفى عليه مساوىء أخلاقه ولا يسيء الظن بها إلى حد أن لا يرى محاسن أخلاقه، ثم يتكلم في الكبر وإعجاب المرء بنفسه، والحياء، والغضب، والكذب، والحسد والمنافسة، وفي الكلام والصمت، والصبر والجزع، والمزاح والضحك، والطيرة والفأل (التشاؤم)، وهو في كل ذلك يحلل ويشرح ويعرف ويوجه ويعالج، ويختم ذلك بالكلام في ” المروءة “، وهي المفهوم الأساسي في الأخلاق العربية الإسلامية، فيذكر أنها ” حلية النفوس وزينة الهمم “، وهي مكتسبة بالاجتهاد والمعاناة، وليست سهلة إلا مع ” علو الهمة ” و ” شرت النفس ” والأنفة من الخمول “، وهي تتجلى في أمور لا يمكن حصرها، ولذلك فهو يقول إن كل ما اشتمل عليه كتابه فهو من ” حقوق المروءة وشروطها “. ثم يشرح مروءة الإنسان مع نفسه بأن يراعي العفة والنزاهة والصيانة لها، ومع غيره بالمؤازرة لهم وإسعافهم في النوائب والإفضال عليهم جودا وتألفا لهم. وينتهي بأن يرسم لقارئه أسلوب حياة في كل أموره على أساس الاعتدال .

ونحب أن نلاحظ بالنسبة للماوردي أنه يتبع الأسلوب التربوي الذي يقوم على الترغيب في الفضائل بالإقناع ومخاطبة الفكر والشعور معا، بحيث يمكن القول إن علاجه عقلي- نفسي وهو، من غير أن يشير إلى الطب، طبيب أخلاقي.

إن كل من تكلمنا عنهم كانوا من مشرق العالم الإسلامي، وفي المغرب كان هناك عالم جليل هو علي بن أحمد بن حزم (ت 456 هـ)، من أكبر علماء الأندلس. وقد ألف كتابا يسمى ” الأخلاق والسير في مداواة النفوس “، وقد أشرنا إليه من قبل عند الكلام عن أسس علاج النفوس، وهو مجموعة من الآراء والأقوال الحكيمة المكتسبة من القراءة والتجربة وتأمل أحوال البشر، والغرض منها تخليص النفوس من آلام الرذائل وأحاسيس الشر باعتبارها أمراضاً نفسية، لكي تصل النفس إلى الراحة، فالكتاب نوع من التربية النفسية الأخلاقية.

والفكرة الأساسية فيه هي ” الهم “، وهو ما يصيب الإنسان من ” فكر ” وضيق وألم بسبب كثرة ما يحتاج إليه، فهو من خوف الفقر في هم، ولذلك فهو يطلب المال ومن حاجته إلى اللذات مهموم، وسعيه للحصول عليها هو لطرد الهم، وحتى من يحب سماع الأخبار ومحادثة الناس فهو إنما يريد أن يبعد عن نفسه هم التوحد والوحشة، فالحياة بكل ما فيها سعي للحصول على أسباب لطرد الهموم، ولا خلاص من هموم الحياة إلا بالإيمان والعمل للآخرة وعدم الاهتمام بأمور الدنيا. ويذهب ابن حزم إلى أن المؤمن العامل للآخرة لا يأبه لما يفوته، وهو قد يسر إذا أصابته مصيبة أو قصده أحد بسوء أو لم ينل ما يريد. ومن الواضح أن ابن حزم في هذا الكتاب ينزع نحو الزهد في أنواع السعادة الدنيوية، وهو وإن كان يحاول إقناع القاريء بأن يقدم له نصائح وأنواعا من الآيات والحديث ومن الأقوال الحكيمة، لكنه لا يقدم علاجا عمليا للهموم.

من ذلك قوله مثلا: ” السعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاعات ونفرت من الرذائل والمعاصي، والشقي من أنست نفسه بالرذائل والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات… طالب الآخرة متشبه بالملائكة، وطالب الشر متشبه بالشياطين… وطالب اللذات متشبه بالبهائم.. العاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة.. “.

(وقول الله تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) جامع لكل فضيلة، لأن نهي النفس عن الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي وعن الطبع الشهواني، لأن كليهما واقع تحت موجب الهوى “.

” قول رسول صلى الله عليه وسلم للذي استوصاه : لا تغضب، وأمره عليه السلام أن يحب المرء لغيره ما يجب لنفسه، جامعان لكل فضيلة.. “، ” من أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم، ومن كافأ من أساء إليه منهم ( بمثل فعله) فهو مثلهم، ومن لم يكافئهم بإساءتهم (بمثلها)، فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم “.

والطمع مصدر للهم والفكرة والغيظ الذي ربما يؤدي إلى تلف الإنسان وتلف دنياه وآخرته ، وهو ” أصل لكل ذل ولكل هم.. وضده نزاهة النفس، وهذه صفة فاضلة متركبة من النجدة والجود والعدد ” (النصوص مأخوذة من طبعة بيروت (اليونسكو 1961 ص 18، 19، 20، 49).

على أن ابن حزم يعقد فصلا طويلا (ص 63- 82) في ” مداواة ذوي الأخلاق الفاسدة “، فيه تكلم طويلاً عن العجب وأسبابه وعلاجه، وهو في هذا الفصل يعيب الضعفاء الذين يمتدحون الولد أو الأهل، كما يعيب من يتفاقر أو يصف نفسه باليسار، ويتكلم نظر العين إلى العين يصلح القلوب، فلا يسوؤك لقاء صديقك بعدوك، فإن ذلك يفتر أمره عنك “.

ويعقد ابن حزم فصلا قصيرا في ” غرائب أخلاق النفس “، من ذلك أن البعض قد يبكي شاكيا مسترحما، وهو أظلم الناس، على حين أن البعض يكون مظلوما لكنه يكون ساكنا قليل الشكوى كأنه لا يبالي، وهذا يوجب على الناظر في أحوال الناس أن لا يحكم بحسب المظاهر بل يتثبت من الحقيقة.

كما أنه يعقد فصلا نفسيا أقصر في ” صباحة الصور “، تكلم فيه عن مختلف ملامح الجمال، وأن ” الحسن هو شيء ليس له في اللغة اسم يعبر به غيره، ولكنه محسوس في النفوس باتفاق كل من رآه، وهو برد مكسو على الوجه وإشراق يستميل القلوب نحوه فتجتمع الآراء على استحسانه ” (ص 53).

ويظهر أن المؤلف، وهو صاحب نظرية في الجمال نجدها في كتابه ” طوق الحمامة “، وتتلخص في أن النفس تعجب بالجمال لأنها هي في ذاتها جميلة، أراد من هذا الفصل النفيس أن ينبه القاريء إلى أمر يستحق أن يهتم به ليجد شيئا يسمو بنفسه عن نقائص النفس التي تحتاج إلى مداواة.

الغزالي طبيب النفوس

أما أكبر أطباء النفوس في الإسلام، واعتقد أنه أعظم أطباء النفوس على الإطلاق، فهو حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ)، ففي كتابه العظيم ” إحياء علوم الدين “، بعد أن خصص القسم الأول للعبادات وأسرارها والثاني للعادات- بمعنى أنواع الآداب بحسب العلاقات والأحوال- خصص القسم الثالث للأخلاق ” المهلكة “، وهي الأمراض النفسية، بحسب مفهومها عند أطباء الإسلام وعلمائه، وهو، كما يقوله، يعرف كل خلق ويبين حقيقته والسبب الذي يتولد منه والآفات التي تترتب عليه وعلاماته، ثم يصف ” طرق المعالجة ” للتخلص منه .

ثم إنه في القسم الرابع يتناول الأخلاق “المنجية ” على المنهج نفسه، من التعريف وبيان كيفية اكتساب الخلق الحميد وثمرته وقيمته التي تجعله مرغوباً فيه.

ومع أن الغزالي يستشهد بالقرآن والحديث وكلام العلماء إلا أن علاجه يستند إلى التحليل الدقيق للأحاسيس والبواعث والأعمال، وهو مستوف لدراسة النفس البشرية في جميع نوازعها، فضلا عن أنه بين الأساس التي يقوم عليها العلاج للأخلاق ودافع عن إمكان التربية الخلقية ضد من سدوا أبواب الأمل، مدعين أنه توجد نفوس سيئة بالطبع، ثم إن العلاج يقتضي قمع الشهوات، وهو غير ممكن، فشرح إمكان العلاج وبين المطلوب في الأخلاق، وهو ليس اقتلاع جذور الشهوات بل التحكم فيها وصولا إلى صحة النفس والبدن معا.

وأساس كل تربية وسلامة للإنسان هو سلامة القلب، بمعنى الحقيقة الإنسانية التي هي ” لطيفة ربانية “، صحتها في معرفة الله ومحبته، ومرضها في إنكاره والبعد عنه.

ولا يتسع المقام لأكثر من الإشارة إلى الكنز العظيم الذي اشتمل عليه كتاب ” الإحياء ” في مداواة النفوس المريضة والمحافظة على صحة النفوس السليمة، والدراسة والتعمق في ذلك بلا حدود. ولا يمكن أن يقرأ أحد كتاب ” الإحياء ” إلا ويدرك عمق تجربة حجة الإسلام والفائدة التي يجنيها القاريء من تلك التجربة.

تكلمنا كثيرا عن جهود أطباء الإسلام وعلمائه في التوصل إلى الصحة البدنية والنفسية، معتمدين على ثمرة التجربة الإنسانية مع شيء من روح الإيمان وآداب الدين. ونحب الآن أن نختم كلامنا بإشارات موجزة إلى الأركان التي تقوم عليها الصحة في الإسلام من حيث هو دين، وهذا ما أحب أن أسميه:

الطب الإسلامي الإيماني

ورد في القرآن الكريم ذكر الكثير مما يلم بالنفس البشرية في هذه الدنيا، من عوارض شديدة الوقع على الإنسان: الألم، الخوف، الحزن والجزع، والغم والهم واليأس والقنوط، الضيق والحصر في الصدر، الحسرة والندامة. وفيه: الفرح والسرور والمرح والفخر والخيلاء والغرور، والأمل والتمني والرجاء.. وفي القرآن أيضاً ذكر نواحي الضعف الفطري في الطبيعة البشرية: حب الشهوات، الهلع، البخل، الحسد والغل، الغضب… وقد اهتم الدين برعاية الإنسان لتخفيف كل هذه الآلام وعلاج نقط الضعف. وفي القرآن ذكر ” مرض ” أو ” زيغ ” أو ” عمى ” في القلوب (س 2/ 10، 7/3، 22/ 46) مانع لها من قبول الحق، فعالج ذلك بالعلم والدليل والبرهان.

والله قد ربى الرسول، والرسول ربى المؤمنين على قبول رسالة الإنسان في الأرض وحمل أعبائها بالاستناد إلى أسس من الإيمان من جهة ومن المعرفة بطبيعة نوع الحياة التي اختارها الله للإنسان من جهة أخرى، وهو، عز وجل، أشعر الإنسان أنه معه في كل حال وفي كل ما يعانيه، والمؤمن يشعر بذلك وبأن ما اختاره الله له هو الخير له في كل ما يريد، وكفى بذلك أنسا بالته ورضاءً بتدبيره.

والدعامة للطب الإيماني في الإسلام هي التصديق اليقيني الجازم بوجود صانع لهذا العالم تام القدرة والحكمة والعناية والرحمة. وهذا اليقين ليس تقليدا، ولا هو مأخوذ من تراث الآباء، بل شيء جديد قائم على سلوك طريق النظر العقاب الصحيح الذي يحفظ التفكير من الضلال والانحراف ويؤدي إلى إيمان مستنير بحقائق العلم والفلسفة. والحق أنه لم يكتب في تاريخ الأديان والفلسفات في إثبات وجود الله وماله من صفات الكمال والجلال والإكرام مثل ما كتب مفكرو الإسلام من علماء الدين والفلاسفة، ولم ترسخ عقيدة التوحيد والتنزيه في القلوب كما رسخت في قلوب المسلمين.

ومن قواعد هذا الإيمان أن لله حكمة في كل شيء وفي كل ما يقع من أحداث، وهو قد اختار الإنسان ليحتل مكانا رفيعاً متميزا بين الموجودات، وأسند إليه رسالة ” الخلافة ” في الأرض ليعمرها بالحق والعدل وإفاضة الخير والبر والرحمة، مقتديا بخالقه ومسترشدا بهديه، على أساس تأهيل له بكل الملكات والقدرات اللازمة وبعد إعداد سابق لهذه المهمة (س 2/ 35 فما بعدها)، ثم سخر له، لكي يؤدي مهمته، نظام السموات والأرض (مثلا س 13/45).

والله قد عرف الإنسان أن رسالته شاقة بقدر ما هي سامية، وفيها ” جهاد ” و ” مجاهدة ” و ” كدح ” و ” مكابدة “، وهذا كله يبدأ في داخل الذات الإنسانية، ثم يتجلى منها في السلوك الظاهر والباطن، وعرف الإنسان أيضا أنه معرض، للامتحان والابتلاء، وللسراء والضراء، وللفرح والأسى.. وذلك لكي يعرف طبيعة حياته ويستعد لأحوالها، فيرتفع فوق الأسى والفرح (س 57/ 23)، في توازن ذاتي، ويتخلق بالصبر والثبات وتأكيد الذات وكبر القلب، ويستطيع أن يوطن نفسه على احتمال عناء رسالته في ثقة بالعناية والتأييد من الله وبالفوز والنصر والجزاء والعوض عن كل ما يصيبه، فهو إن أصابه خير شكر، وإن أصابته نائبة حزن لأنه بشر، لكنه يصبر، ابتغاء وجه ربه (س 13/ 22) وإيمانا بحكمته وانتظارا لثوابه ” بغير حساب ” (س 39/ 0 1). وكل ذلك يجعل الآلام محتملة ويغرس في قلب المؤمن خلق الرضا بمجاري القدر، وهو يعلم أنه الله وأنه راجع إليه (س 2/ 156)، وأن الله ” أحكم الحاكمين “، وهو ” أرحم الراحمين “، فلا تهزه أحداث الدنيا، مهما عظمت، لأنها لا بقاء لها. وقد عبر بعضهم عن الصلة بالله وما فيها من قوة وعزاء بقوله:

فليت الذي بيني وبينك عامر وبينـــــى وبيــن العالميـــن خــــراب
إذا صح منك الوصل فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

والمؤمن الحق إنسان عامل جاد في أمور دينه الذي مما يؤدى به إلى مصيره وفي أمور دنياه التي منحها الله له، ولا يرجح جانبا على آخر (س 28/ 77)، وهو، وإن كان لا يدخر وسعا في السعي والأخذ بالأسباب إلا أنه يؤمن بأن الله تدبيرا أوسع من تدبيره، وهو إن كان يعمل فإنه يتوكل على من بيده نظام الحياة وأسبابها، و ( وملكوت كل شيء ) (س 36/ 83)، وهو أيضا إن كان يسعى فإنه يفوض أموره إلى الله، لا عن استسلام سلبي، بل عن اعتراف بحقوق خالقه ورضاء بحكمه، فيفرح إذا تحقق مراده، ولا يسؤوه فوات ما قدر لنفسه، ثقة منه في الاختيار الإلهي، وعلى هذا النحو يأخذ مكانه في الحياة ثابت القلب، بعد ثبات الفكر، فلا يغضب، ولا يسخط، ولا يتذمر، ولا يحزن على شىء من حظوظ هذه الحياة الزائلة، التي يعلم المؤمن أنها (متاع إلى حين) (س 2/ 36) أو (متاع الغر ور) س 3/ 85 1)، وبعدها ” دار القرار ” (س 0 4/ 39).

ونحن إنما تعرضنا للكلام في هذه الأمور بإيجاز، ودون ذكر الشواهد المعروفة لكي نؤكد أن أول العلاج النفسي للإنسان هو علاج الموقف الفكري- النفسي في ذاته على نحو يحفظه من الجزع واليأس وهزات الأحداث ومن خداعه وانخداعه بألفاظ وتصورات جوفاء، على نحو ما يحدث في ظروف أزمات الحياة وتزعزع الثقة بها وبالقيم جملة وظهور أحوال الضياع والقنوط مما يهىء المجال للجاهلين بالحقائق الكبرى والمضللين الذين يسهلون للإنسان راحة الحياة على حساب سلامة نفسه وبدنه، وخصوصا على حساب مصيره.

وإذا كان ما نقوله يمسك جانبا من أخلاق النفس فإن الخلق هو في حقيقته نوع من الصحة والتوازن بين النوازع التي تموج في داخل الإنسان. ويمكن القول إن في الإيمان نفسه جانب الخلق، لأنه يقتضي معاملات كثيرة مع جميع الأطراف، يسودها الحق والعدل.

بعد هذا نحب أن نشير إلى ما في الشريعة من أحكام تهدف من جهة إلى سلامة الأبدان وحفظها من الدنس والرجس والخبائث، ثم قيادتها نحو الصحة والطهارة، (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ! (س 5/6 ) وتهدف من جهة أخرى إلى الروحانية بتخليص الإنسان من الخضوع لمطالب البدن وما يلحقه بسببها ومن أنواع المعاناة في التهالك على خيرات الدنيا، وهذا يتجلى في العبادات وثمراتها، ولا يمكن أن يحس بذلك أحد ولا أن يقتنع به إلا إذا تأمل تعاليم الدين في ذاتها وفي آثارها ومارسها وعاش بها، لأن الدين، وإن كان من جهة فكرا ومـعرفة، فهو أيضا تجربة ذاتية وفردية،لا يعرفها إلا صاحبها.

والمتأمل نموذج المؤمن الحق الملتزم يلاحظ أن شعاره الاعتدال: في حاجات بدنه: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين له (س 7/ 31) وفي حركة نفسه بالشكر مع التمتع بالنعمة: ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله… ) (س 3/ 172)، وفي الإنفاق، لكي لا يؤدى متاع الجسد إلى حسرة النفس: ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) (س17/29/25/67). والاعتدال شعار المؤمن حتى في العبادة رغم لذتها النفسية، لأن الدنيا لها نصيبها (س 28/77)، ولا يصح حرمان، البدن من متاعها، وإلا اختل نظام حياة الإنسان.

والمتأمل في أحكام الشريعة وآدابها يلاحظ أن العمل بها يؤدي إلى الانسجام ليس في نظام الحياة بوجه عام فحسب، بلى يكاد أيضا يرتب الحياة اليومية والحياة الخاصة للأسرة على نحو تتحقق معه الراحة البدنية والنفسية. وهذا كله يتجلى في مواعيد العبادات وآداب الزيارات، كما نجدها في القرآن مثلا (سن33/53/24/58 ـ 59)، ولا يصح أن نختم هذه العجالة في الطب الإيماني من غير ذكر لمحة بل لمحتين من نوع آخر نستخلصه من ” الكتاب الحكيم “.

السكينة والطمأنينة

يلفت القرآن نظر الإنسان لكي ينسجم مع نظام الطبيعة، فالليل لأجل السكون والهدوء وراحة البدن والنفس من عناء النهار بما فيه من سعى وتوترات، وللمتاع البدني النفسي في حياة الأسرة وما فيها من عواطف شريفة أو لحياة الدرس، لأن الليل أصفى للفكر أو لحياة العبادة لأن الليل أنسب للإنابة، وهو ليست لحياة الصخب في أماكن اللهو والعبث والعربدة التي تهد قوى البدن وتؤدي إلى تهييج انفعالات النفس.

(الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا…) (س 40/ 61)

(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة… ) (س 30/ 21)

ومن الطمأنينة ما ينشأ عن ذكر الله والشعور برحمته وحكمته: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) (س13/28 )أو عن التوكل والتفويض بعد العمل والأخذ بالأسباب، كما تقدم، (ومن يتوكل على الله فهو حسابه ) (س 65/3)، (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) (س 40/44).

النور والشفاء

كما أن في آيات القرآن، عند من يتدبرها، والقرآن يطالب قارئه بذلك، نورا يشرق على العقل، فإن فيها أيضا شفاء للنفوس، يقول القرآن مخاطبا الناس كافة:

(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا) (س 4/ 174)
الخ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) (س10/57).

أما النور فهو يتمثل فيما نجده في ” الكتاب الحكيم ” من حض مستمر على النظر والتفكير في آيات الكون، أو،كما يقول: ( في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) (س 7/ 185). وهذا هو الذي يفتح أمام الإنسان أبواب العلم والمعرفة والإيمان، فيخرج من ظلمات الشكوك والأوهام وأنواع الحيرة إلى نور الحقيقة التي تستقر في النفس وتسمو بها، وهذا ما يسمون ” ثلج اليقين “، وهو سكينة لاشك في أهميتها بالنسبة للحالة النفسية للإنسان.

وأما الموعظة والشفاء لما في الصدور فهـو دواء لما يعانيه الإنسان، وهو يواجه مشكلات حياته بكل أنواعها، بين مطالب فكره وحاجته إلى السكينة في عالم يسوده تغير الأحوال وفقد ما نحب وعدم وصولنا إلى ما نريد، بالإضافة إلى مختلف النوازل والأحزان وأزمات النفس. هنا يجد الإنسان في القرآن ما يرشد فكره وما يبصره بطبيعة حياته وما يعرض له فيها، وأنه يؤدي رسالة تستحق أن ينهض بها، وأنه لا يصيبه شيء، صغيرا كان أو كبيرا، إلا له عوض من ” حسن الثواب “، فعند ذلك تسكن نفس الإنسان وتهدأ وترضى.

ولا يصح أن يفوتنا مفهوم عبارة ” ما في الصدور “، فالصدر رمز لما في الذات الداخلية، وهي النفس، ومعنى” ضيق الصدر ” أو ” انشراح الصدر ” هو تأزم الشعور النفسي أو انفراج هذا التأزم، والإشارة هي إلى إزالة ما يلم بالنفس من المعاناة والقلق واليأس. وفي الإيمان على ” نور ” و ” بينة “، وفي المعرفة بطبيعة الحياة، ما يبدد ذلك كله، فيعود الفكر والنفس والبدن إلى حال الصحة والتوازن.

ونستطيع أن نضيف إلى ذلك أن ” التفكر ” الذي دعا إليه الدين (مثلا س 3/ 191) وما ينشأ عنه من علم، والتفات الإنسان إلى ما على الأرض وفي السماء من أنواع الحسن والجمال (س 22/ 5، 27/ 5 6، 6/37، 50/ 6)، كل ذلك يعزي الإنسان ويرفعه فوق المعاناة النفسية وما يلحق البدن بسببها من اختلال.

حاولنا في هذا البحث أن نبين أسباب الصحة البدنية والنفسية وعناية مفكري الإسلام بها، وبصرف النظر عما ورد في كلامنا من أمور معروفة، فإن في بعض ما ذكرناه تجربة لمفكري الإسلام عاشوها، وهم، بلا شك، قد عانوا من الحياة ما يعانيه قارىء كلامهم، ويجب أن نحمد لهم أنهم قدموا ثمرة فكرهم وتجربتهم للقارىء والدارس، والمهم أن يحذو القارىء حذوهم في قيادة حياته بمجهوده الذاتي. وأحسن ما أختم به كلامي هو قول الماوردي في آخر كتابه: ” من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ “.
والحمد لله،،،

رئيس الجلسة: الدكتور الأحمدي أبو النور

الحقيقة يعني لو علقنا أي تعليق بسيط سوف نأخذ وقتا كثيرا لكن هذا العرض ليس مستغربا على أستاذ الفلسفة وأستاذ الأساتذة والأستاذ الدكتور/ محمد عبد الهادي أبو ريدة هو وحده مدرسة وإن يكن هذا الحديث الذي استعرض فيه آراء ابن سينا وابن مسكويه وإبرازي والحسن البصري والمحاسبي والماوردي وابن حزم والغزالي إلى كل هذا كان عرضا شيقا ختم بعرض لكتاب البلخي وكنت أحب أن يعطينا رأيه في آراء العلماء السابقين فيما يتعلق بعلاج الهم وطلب الدواء لهذا لهم والغم وطلبه بالسرور وموقف هذا السرور والمفارقة بين هذا السرور وبين ما في الإسلام من كلمة الرضا، أيضا موقفنا من الألحان والسماع وآثار تسرية الهم بهذه الألحان وبهذا السماع وما هي القاعدة التي يمكن أن تكون مقبولة وهل نحن نعرض هذا البحث دون أن نقومه في ضوء الإسلام أم لنا أن نقومه أيضا وبالتالي كان لابد من مقارنة بين ما في هذه الدراسات وما عندنا من الكتاب والسنة وعندنا ثراء كبير فيما يتعلق بعلاج النفس.

ثم أمر آخر كنت أحب أن تتحدث به إلينا وهو في يدك وقد طوفت بنا إلى أن وقفت مع الغزالي ما هي النفس وهل هي تلك التي أشار إليها الغزالي وأنها هي اللطيفة الربانية التي لا فرق بينها وبين القلب وبين الروح والعقل أم أنها شيء آخر على كل حال أنت شوقتنا أن نقرأ وسوف نقرأ ونعاود القراءة إن شاء الله.

الأستاذ الدكتور/ محمد عثمان نجاتي أستاذ علم النفس بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض يعرض لنا موضوعه ” دوافع السلوك في الحديث النبوي “.

للدكتور معمد عبد الهادي أبو ريدة

أستاذ الفلسفة الإسلامية
كلية الآداب- جامعة الكويت

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *