الرضاعة من لبن الأم لحولين كاملين

يقول الله تعالى في كتابه العزيز :” وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ . لقمان 14 . ويقول تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ .


فلماذا حدد القرآن مدة الرضاعة بعامين اثنين ؟ وماذا في الطب من جديد ؟
فقد أقرت مؤخرا منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونسيف إلى أن الرضاعة الطبيعية يجب أن تستمر لعامين اثنين . وأصدرت دعوتها للأمهات في العالم أجمع أن يتبعن تلك التوجيهات . كما دعا مقال نشر في إحدى المجلات الأمريكية Pediatric Clinics of North America في عدد شهر فبراير 2001 ، دعا النساء في أمريكا إلى اتباع توصيات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ، والتي تدعو إلى الاستمرار في الرضاعة الطبيعية لمدة 12 شهرا على الأقل ، و أن الأولى من ذلك اتباع توصيات منظمة الصحة العالمية بالرضاعة لحولين كاملين .

أليس هذا ما جاء في القرآن الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمن ؟ فالله تعالى يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين ، لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل . وتثبت البحوث الطبية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية لنمو الطفل نموا سليما . ولكن نعمة الله على المسلمين لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم ، فقرر ذلك في قرآنه العظيم ، والله رحيم بعباده ، وبخاصة أولئك الأطفال الأبرياء .

وقد أكدت الدراسات الحديثة أن الرضاعة الطبيعية المديدة من لبن الأم تقي من العديد من الالتهابات الجرثومية والفيروسية . كما أن الرضاعة المديدة تقلل من حدوث سرطان الدم عند الأطفال . وكلما طالت مدة الرضاعة الطبيعية ، زادت قوة الوقاية من هذا النوع من السرطان .

وليس هذا فحسب ، بل إن الرضاعة المديدة تقي أيضا من سرطان آخر يصيب الجهاز اللمفاوي في الجسم ويدعى ” ليمفوما ” .

وفوق هذا وذاك ، فقد أكد البحث الذي نشرته مجلة Pediatric Clinics of North America في شهر فبراير 2001 أن المدارك العقلية عند الطفال الذي رضعوا من ثدي أمهم رضاعة مديدة هي أعلى من الذين لم يرضعوا من ثدي أمهم . وأنه كلما طالت مدة الرضاعة الطبيعية زادت تلك المدارك العقلية في كل سنين الحياة .
ماذا يقول أطباء الغرب عنالرضاعة من لبن الأم ؟

الدكتور حسان شمسي باشا

لبن الأم منحة السماء .. لزائر جديد أطل على وجه الأرض ..

تهيأت لتركيبه مصانع أودعها الله تعالى في جسم الأم ، وفاق بتركيبه كل لبن .. يمر عبره كل ما يحتاج إليه الطفل من وقاية وغذاء .. ويعطي الأم إحساسا يوثق عرى الروابط بينها وبين وليدها .

ورغم ذلك .. وصلت نسبة الإرضاع الطبيعي في أوروبا وأمريكا إلى الحضيض في الخمسينات ، وظن الكثير من الأمهات – بتأثير الدعاية التجارية – أن الإرضاع الاصطناعي أفضل من الإرضاع الطبيعي ، وأن الحليب الاصطناعي يحتوي على عناصر إضافية لا وجود لها في لبن الأم .

واقتدت كثيرات من نسائنا في بلادنا العربية والإسلامية بنساء الغرب ، فانتشر الإرضاع الصناعي ، وأصبح الإرضاع الطبيعي – في وقت من الأوقات – تقليدا من التقاليد القديمة

ومنذ ذلك الحين توالت الأبحاث والدراسات العلمية في أوروبا وأمريكا تؤكد حقيقة واحدة مفادها أن ( لبن الأم هو الأفضل ) .

ولا عجب أن نرى كباء خبراء الطب في العالم ينشرون أبحاثهم ، ويكتبون المقالات العديدة عن فوائد لبن الأم . وتوالت الصيحات من مختلف الأوساط الطبية من جامعات غربية تدعو الأمهات إلى العودة إلى لبن الأم .

تقول الأستاذة الدكتورة ( روش لورنس ) أستاذة أمراض الأطفال بجامعة روتشستر في نيويورك بالولايات المتحدة : ” ينبغي أن تعلم النساء أن لبن الأم هو أفضل غذاء للطفل ، وأنه يحتوي على حماية مناعة خاصة ، وحماية ضد الالتهابات الجرثومية غير متوفرة في أي نوع آخر من الغذاء . ورغم تقدم العلوم الطبية ، إلا أنها لم تتمكن بحال من الأحوال من إنتاج لبن يشبه لبن الأم ، وأنه ليس هناك على وجه الأرض محلول بيولوجي يستطيع أن يغني تماما عن لبن الأم ” .

ويقول البروفسور بورسدن : ” إذا كانت الكائنات الثديية تحتاج إلى لبن أمها وإلى صلة جسدية وثيقة مع أمها لعدة سنين ، فمن الأولى أن يتمتع الطفل البشري بلبن أمه بكل ما فيه من خصائص ومزايا لمدة 4 سنوات ” .

وتقول نشرة حديثة أصدرها قسم الصحة والأمن الاجتماعي في بريطانيا : ” يظل لبن الأم أفضل حليب حتى السنتين من العمر ، وبإمكان الأم إضافة أنواع الطعام الأخرى منذ الشهر الرابع ” .

وصدق الله تعالى حيث يقول: } والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة {( البقرة آية 233 )

لقد صحا الغرب إلى هذه الحقيقة حديثا ، وبدأت وسائل الإعلام الطبية في أوروبا وأمريكا تنبه النساء إلى ضرورة العودة إلى الإرضاع الطبيعي .

ولقد نشرت مجلة اللانست الطبية البريطانية مقالة رئيسة تسائل فيها المؤلف ( لماذا لا تزداد العودة إلى الإرضاع الطبيعي بسرعة أكبر مما هي عليه الآن ؟ رغم إجماع كل الآراء الطبية على فائدة لبن الأم ، وسموه على الحليب الاصطناعي ) .

ويعزو المؤلف سبب ذلك إلى سيطرة الشركات المنتجة للحليب الاصطناعي على الكثير من المؤسسات التي ترعى شؤون الأطفال ، والدعاية الكبيرة التي تروجها هذه الشركات في إقناع الأمهات – رغم أن ذلك خطأ شنيع وأكذوبة لا حقيقة لها – بأن الحليب الاصطناعي يغني عن لبن الأم .

وفي الوقت الذي يشيع فيه استعمال الحليب الاصطناعي في بلادنا العربية والإسلامية نجد أن الحكومة البريطانية قد أصدرت منذ ثلاث عشرة سنة قرارا بمنع هذه الشركات من ممارسة الدعاية لأصناف الحليب الاصطناعي ، وقد اختفت تماما تلك الدعايات من شاشات التلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى في بريطانيا .

ونشرت مجلة اللانست البريطانية مقالا رئيسا جاء فيه :

– إن 95 % من الأمهات قادرات إذا رغبت على إرضاع أطفالهن الإرضاع الطبيعي لمدة 4 – 6 شهور ، وأنه يمكن لهؤلاء الأمهات خلال هذه المدة أن يؤمن كميات كافية من اللبن تكفي لنمو أطفالهن نموا طبيعيا .

– إنه بإمكان بعض الأمهات أن يرضعن أطفالهن لبن الثدي منفردا لمدة اثني عشر شهرا أو أكثر .

– إن الأطفال الذين يتناولون لبن الأم مع الحليب الاصطناعي هم أكثر عرضة لالتهابات المعدة والأمعاء .

وأعرب تقرير منظمة الصحة الدولية عن الأسى لوضع العالم الثالث الذي يقبل استعمال الحليب الاصطناعي في الوقت الذي تتراجع فيه أوروبا وأمريكا عن ذلك .

ويقول المؤلف : ” إن استعمال الحليب الاصطناعي في ازدياد مستمر في العالم الثالث مع ما ينطوي عليه ذلك من نتائج خطيرة على صحة الطفل ” .

ويتابع المؤلف : ” إن الشركات المنتجة للحليب الاصطناعي تتنافس فيما بينها عن طريق ممثلين يمارسون الدعاية لهذه المنتجات بشتى الوسائل ” .

ويحذر المؤلف هذه الشركات المنتجة للحليب الاصطناعي بأن العالم سيصحو عاجلا أم آجلا ويعود إلى لبن الأم . وأن على هذه الشركات ألا تتوقع ازديادا من مبيعاتها من الحليب الاصطناعي .

وتقول الأستاذة ( لورنس ) : ” على الرغم من أن العلوم الطبية قد خطت خطوات عظيمة في مجال التغذية إلا أنها لم تستطع أن تقلد إلا جزءا بسيطا من لبن الأم . فهناك أكثر من مئة أنزيم ( خميرة ) في لبن الأم ، كلها غير موجودة في الحليب الاصطناعي .

إن لبن الأم يحتوي على حماية مناعية خاصة ، وحماية ضد الإنتان غير متوفرة في أي نوع آخر من الغذاء ” .

وتختم هذه الأستاذة مقالها بالقول : ” ليس هناك على وجه الأرض محلول بيولوجي يستطيع أن يغني تماما عن لبن الأم ، ويقوم بتأمين الخلايا الحية والإنزيمات الفعالة ، والحماية المناعية ضد الالتهابات ، والفوائد النفسية ” .

وجاء في كتاب ( لبن الأم هو الأفضل – Breast is best – ) للدكتور ستانوي :

” مما لا شك فيه أن سرطان الثدي – وهو أكثر السرطانات شيوعا عند النساء – قد أصبح أكثر شيوعا خلال القرنين السابقين ، ويقدر العلماء أن امرأة من أصل عشرين امرأة في الغرب تموت بسرطان الثدي ، وأن واحدة من أصل أربعة نساء تشكو من مرض من أمراض الثدي في وقت من الأوقات هناك “

فلم هذه الكثرة ، ولماذا تتعرف أثداء النساء لهذه الأمراض ؟ يقول الدكتور ستانوي مجيبا :

” من المحتمل كثيرا أن النساء يعاملن الثدي معاملة غير طبيعية ويخالفن الوظيفة الطبيعية للثدي ، ألا وهي الرضاعة . فإن النساء – يحرمن أثداءهن من وظيفتها الرئيسة ( وهي الرضاعة ) – إنما يدفعن ثمنا باهظا بالأمراض التي يكسبنها من وراء ذلك . وأن الإرضاع الطبيعي هو أهم وسيلة لتنظيم النسل حول العالم كله ، حيث ينقطع الطمث عند معظم النساء اللواتي يرضعن أطفالهن . ومن المعروف أن لسرطان الرحم علاقة وثيقة بسرطان الثدي . وربما كانت دورات الطمث التي تراها المرأة في حياتها ( وتبلغ 450 دورة ) تلعب دورا يؤثر في الرحم . ففي كل شهر يتعرض الثديان والرحم والمبايض لتغيرات فيزيولوجية وتشريحية .. وتكون هذه الأجهزة جاهزة لحدوث تلقيح للبيضة وتشكل الجنين .

ولكن في حياتنا العصرية .. فإن بيضة واحدة أو اثنـتين تلقح فقط ( حيث تنجب المرأة ولدا أو اثنين ) خلال كل فترة العمر التي ترى فيها المرأة 450 دورة طمثية . أما الدورات الطمثية الأخرى فتهدر سدى .. وتشعر تغييرات الجسم بالخيبة والمرارة سنة بعد سنة حينما لا تحمل المرأة في عمرها سوى مرة أو مرتين . وربما كان هذا سببا لانتشار أمراض الجهاز التناسلي ” .

هذا ما قاله الدكتور ( ستانوي ) في كتابه . وهو بهذا يشير إلى نساء العصر الحديث – حينما يحرصن على ألا ينجبن أكثر من طفل أو طفلين – إنما يعرضن أعضاءهم التناسلية لتلك الأمراض .

ألم يقل رسول الله e : ” تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم ” رواه أبو داوود والنسائي –

صحيح الجامع الصغير 2940

ويقول الدكتور ستانوي أيضا : ” إن سرطان الثدي والرحم شائعان جدا ، فإن امرأة من أصل كل خمسة نساء تنتهي باستئصال رحمها في وقت من الأوقات . وإن على المرأة أن تبدأ بالحمل خلال سنوات قليلة بعد سن البلوغ ، فقد تبين أن إنجاب المرأة لأول طفل من أطفالها في سن مبكرة تحت العشرين هو أحد أهم وسائل الوقاية من سرطان الثدي . وأن الجهاز التناسلي عند المرأة يبقى لفترة 12 – 15 سنة ( حتى تبلغ المرأة سن الطمث غير قادر على إنجاب أول طفل . وإننا إذا ما قررنا الاستمرار في منع هذا الجهاز من الإنجاب ، فإننا سوف نعرض نساءنا لمشكلات كثيرة ) ” .

وأما فيما يتعلق بمدة الإرضاع فيقول الدكتور ستانوي : ” قد يكفي الرضيع من الناحية الغذائية أن يرضع لمدة ثمانية أشهر في المجتمع الغربي . إلا أنه من حيث الفائدة للأم ، فإن هناك كل الأسباب التي تدعو الأم لأن تستمر في الرضاع المديد حتى ولو بلغ الطفل سنا يستطيع فيه تناول معظم غذائه من الأطعمة الأخرى . فالتمريض المتكرر لحلمة الثدي يحرض الهرمونات عند الأم لتمنع نزول البيضة من المبيض إلى الرحم عند الأم لعدة شهور.

وفي هذا فإن الرضاع لا يعمل مانعا طبيعيا للحمل فسحب ، بل إنه يمنع التغيرات الحاصلة شهريا في فترة الطمث .. مما يريح الجهاز التناسلي من هذا العناء ” .

ألم تقض حكمة الله تعالى بأن تكون مدة الرضاعة عامين اثنين .. ينال فيها الرضيع حظه من الغذاء والمناعة الطبيعية والحنان .. وترتاح خلال تلك المدة أعضاء المرأة من رحم ومبايض …!!

يقول سيد قطب ( في ظلال القرآن ) : ” والله يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين ، لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلي من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) ، وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية لنمو الطفل نموا سليما من الوجهة الصحية والنفسية

ولكن نعمة الله تعالى على الجماعة الإسلامية لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم ، فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة لم يكن ليترك يأكله الجهل كل هذا الأمد الطويل ، والله رحيم بعباده وخاصة هؤلاء الأطفال الصغار المحتاجين للعطف والرعاية . (في ظلال القرآن 1/ 248 )

الدكتور حسان شمسي باشا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *