التعليم الطبي الإسلامي

إن الغرض من التعليم الطبي هو تخريج الكوادر البشرية اللازمة للعناية بصحة الأفراد، والمجتمعات، وتحسين هذه الصحة، ولقد كان الهدف من التعليم الطبي عبر القرون، هو تخريج أطباء درسوا مناهج معينة، واستوفوا بذلك عدة متطلبات أساسية محددة، يتسلم بعدها الطبيب أو الطبيبة شهادة تفيد صلاحيته أو صلاحيتها لممارسة مهنة الطب. 

ويمتد البرنامج الدراسي لإعداد الأطباء من خمس سنوات إلى ست سنوات، ويتكون من العلوم الأساسية بدءاً بالكيمياء، والفيزياء، وعلم الأحياء، ثم يتواصل ليشمل علم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء في السنة الثانية،. ويتبع ذلك دراسة لعلم الباثولوجيا (علم الأمراض) والأقرباذين (علم العقاقير). وعادة تبدأ الدراسة العلمية الإيكلينكية في السنة الرابعة، وتستمر حتى السنة النهائية.

ولقد بدأت مؤخراً إعادة النظر في مدى علاقة الموضوعات التي تدرس خاصة في السنة الأولى بمستلزمات الدراسة الطبية، وذلك في محاولة لتطوير المناهج، وجعلها ألصق بهذه المستلزمات. و استحدثت في مناهج السنة الأولى بعض الموضوعات، كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم السلوكية الخ… كما أعيد النظر في طريقة التدريس وفي السنوات الأخيرة أدخل في عدد من الجامعات بأوربا وأمريكا واستراليا نظام الدراسة المتكاملة الذي يقضى بأن تكون الدراسة العملية إكلينيكية جزءاً لا يتجزأ من العلوم الأساسية، وفي عهد الاستعمار. كانت مناهج كليات الطب، في دول العالم الثالث تساير تماماً مثيلاتها في الدول التي كانت تستعمرها، وما زال هذا هو الوضع القائم في كثير من هذه الدول حتى يومنا هذا إلا أن عدداً متزايداً من هذه الدول يتجه الآن إلى إعادة النظر في مدى علاقة المناهج الطبية التي تدرس في جامعاتها لشعوبها بالاحتياجات الفعلية لشعوبها ولا شك أن الطبيب الذي يتخرج من هذه الجامعات يتميز فعلاً بمهارات عالية، ودراية واسعة بكل فروع الطب العلاجي، وقدرة تامة على توفير خدمات علاجية ممتازة للأفراد الذين يلتمسون منه هذه الخدمات. إلا أن المشاكل الصحية التي تعاني منها معظم بلدان العالم الثالث لا يمكن أن تجد لها حلاً على أيدي مثل هؤلاء الخريجين لذلك ظهر إلى حيز الوجود مفهوم جديد يدعو إلى الاستعانة بطبقة من المعاونين الطبيين، يطلق عليهم اسم ” الأطباء الحفاة bare foot doctor” أو الممرضين الممارسين nurse practitioners كما استحدث علم ” صحة المجتمع ” في المناهج الطبية، حتى فيما يسمى بالدول المتقدمة في العالم. فإلى أي مدى تفي المناهج الدراسية الطبية، وبرامج إعداد الأطباء في جامعاتنا اليوم بالمتطلبات الدراسية لكلية طب إسلامية؟ ولكى نجيب على هذا السؤال لا بد أولاً من تحديد الهدف من التعليم الطبي الإسلامي:

والهدف كما أراه، هو” تخريج الكوادر البشرية اللازمة لتحسين صحة الشعوب والمحافظة عليها “، ولكن لي فارق هام هو أن يكون هؤلاء الخريجون مفعمين بروح الإسلام، وأن يتوخوا فيما يفعلونه تعاليم هذا الدين الحنيف. لذلك يمكن أن نقول: إن الهدف من التعليم الطبي الم سلامي هو تخريج أطباء يتميزون بما يأتي:
ا- يخدمون البشرية كما أمر بذلك القرآن الكريم.

2- يقومون بإجراء أبحاث عن الأمراض التي تصيب الإنسان عملاً بقول النبي r: ” ما أنزل الله داء إلا أنزل له الدواء ” أخرجه ابن ماجه. فمسئوليتنا إذن أن نجد هذا الدواء. ويعنى ذلك أن ندرب أطباءنا على الأساليب الحديثة للبحث العلمي، حتى يتمكنوا من إجراء الأبحاث في مختلف النواحي الطبية.

3- يتفوق كل منهم في مجال تخصصه، حتى يستحق عن جدارة ما وصف به المسلمون من أنهم (خير أمة أخرجت للناس، (3/ 110) وعلى الرغم من أن الكثير من كليات الطب الحالية تخرج أطباء وطبيبات يقومون على خدمة الإنسانية، ويردون العديد من الأبحاث، ويتفوقون في مجالات تخصصاتهم، إلا أن أي كلية من هذه الكليات لا تستطيع الادعاء بأنها تخرج أطباء من الجنسين، يتميزون بكل هذه الأشياء، وفي نفس الوقت تتملكهم روح ا لإسلام.

فما هو السبيل إذن. لأن نبدأ في بناء مناهجنا بغرض تحقيق هذا الهدف؟

وبما أن الغرض من التعليم الطبي الإسلامي هو كما قلنا تخريج أطباء قد شربوا روح الإسلام. فمن الواضح أن الإسلام التعاليم الإسلامية يجب أن تتخلل مناهج الدراسة الطبية، لذلك يجب أن تراعى الأمور التالية:

ا- أن تكون البيئة التي تتم فيها عملية التدريس مهيأة لممارسة الحياة الإسلامية. فمثلاً: يجب أن تضم الكلية مصلى لإقامة الصلوات، وأماكن لعقد الندوات، والمناقشات الدينية. كما يجب مراعاة أوقات الصلوات الخمس عند إعداد جدول الدراسة. ونلاحظ هنا بهذه المناسبة أن المستشفيات التعليمية الإسلامية في الماضي كانت مرتبطة دائما بإنشاء مدرسة تلحق بها.

2- أن يحتوي منهج الدراسة في كلية الطب الإسلامية على التاريخ الإسلامي (وخاصة تاريخ الطب في الإسلام). وعلوم الفقه، والأخلاق، والقرآن، والحديث، والفلسفة الإسلامية، والطب النبوي و يجب أن تكون هذه المواد إجبارية بالنسبة لكل دارس في مثل هذه الكلية. وتجدر الملاحظة في هذا الصدد بأنه كان من متطلبات القبول في مدارس الطب أيام العصور الإسلامية الأولى أن تتوفر في الطالب صفة الورع إلى جانب الجد والذكاء.

3- أن يكون اختيار أعضاء هيئة التدريس بهذه الكلية مبنياً على أساس مستواهم العلمي، وخبرتهم بالبحث العلمي كل في مجاله. ولكن قبل كل شىء يجب أن يكون أيضأ مبنياً على مدى درايتهم بأمور دينهم والتزامهم بالتعاليم ا لإسلامية.

4- أن تتوفر حرية الفكر والتعبير في نطاق حدود الدين الإسلامي، ويجب أن يسور المناقشات الصريحة المخلصة جو صحي بغية التبصر بأمور الدين، كما يجب تشجيع طرق التدريس القائمة على الاستدلال المنطقي، وحث الطلاب على تحليل المعلومات تحليلاً نقدياً. وأفضل السبل لتحقيق ذلك هو تقسيم الطلاب إلى مجموعات دراسية صغيرة، بدلاً من المحاضرات التعليمية العامة، وجعلهم يكتبون أبحاثاً عن موضوعات يحددها لهم أساتذتهم (وهو ابتكار تميزت به الأساليب التربوية الإسلامية).

5- أن تبذل محاولات في سائر أجزاء المنهج الدراسي لحث الطلاب على الملاحظة والتفسير، فضلاً عن التفكر والتمعن فيما يتلقونه من معرفة، فدراسة الطالب لجسم الانسان وما به من تعقيدات مذهلة ينبغي أن تتربه إلى خالقه، كما يجب أن يجعله أساتذته ” يرى الآيات لمن يريد أن يراها ” وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تتضمنها النصوص الطبية المقررة ، ولكن لا توجد للأسف نصوص طبية تبرز آيات الخلق بهذا الأسلوب ، وأعتقد أن المنظمة الدولية للطب الإسلامي ، يجب أن تلعب دوراً هاماً في تشجيع العلماء المسلمين البارزين على إعادة كتابة النصوص الطبية . بهدف إبراز هذه النواحي . 

وأخيرا : يجب ان نترك باب المناقشة مفتوحاً لاتخاذ قرار فيما يتعلق باتباع نظام المنهج المتدرج ، أو المنهج التكاملي وأغلب طني أن النظام التكاملي أنسب للدراسة في كلية طب إسلامية ، والواقع أن المستشفيات الجامعية الحديثة قد تطورت عن ” البيمارستان ” في فجر الإسلام ، حيث كانت تقدم الخدمات العلاجية إلى جانب تعليم طلاب الطب عملياً ، وهو النظام الذي أخذت به الدول الأوروبية في وقت القرن الثامن عشر ، وكان الفضل في هذا الجمع بين النواحي النظرية ، والعملية في دراسة الطب يرجع إلى أن طبيباً إسلامياً شهيراً مثل الرازي تمكن من إضافة الكثير للعلوم الطبية . 

على أي حال ، أعتقد أن موضوع التعليم الطبي الإسلامي على درجة من التشعيب والتعقيد بحيث يتطلب الأمر إفراد ندوة خاصة ، أو مجموعة عمل خاصة لمناقشة ، تتولى إقامتها المنظمة الدولية للطب الإسلامي.

الدكتور علي موسى – جنوب أفريقيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *