البَرَدَة وعلاجها في مؤلفات الطب العربي والإسلامي

البَرَدَة وعلاجها في مؤلفات الطب العربي والإسلامي

البَرَدَة وعلاجها في مؤلفات الطب العربي والإسلامي

Chalazion and its Treatment in Arabic and Islamic Medicine

ملخص البحث

بلغ الطب العربي الإسلامي في القرون الوسطى درجة كبيرة من المعرفة بالتشخيص والعلاج للعديد من الأمراض. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على كفاءة ومهارة الأطباء العرب المسلمين ونبوغهم بالرغم من وسائل التشخيص والعلاج البدائية والتي كانت في زمانهم. من هذه الأمراض المرض العيني المعروف بالبَرَدَة Chalazion. وهذا المرض يعرف اليوم على أنه ورم حبيبي مزمن في غدد ميبوميان (1) Meibomian glands في الأجفان، وهو قد يكون مفردأ وقد يكون أكثر من واحد في العدد. أما من ناحية السلامة فهو غالباً ورم سليم وقد لا يكون كذلك، وذلك عندما ينكس أكثر من مرة وهنا يجب أخذ خزعة وإجراء الفحص النسيجي لها. ولازالت بعض مبادئ تشخيص وعلاج هذا المرض وفق ما ورد في المؤلفات الطبية العربية القديمة تتفق والطب الحديث.
هدف هذا البحث هو التعرض لمختلف جوانب هذا المرض العيني من أسباب وتشخيص وعلاج، وذلك كما ورد في أهم مؤلفات الطب العربي، ومقارنة ذلك مع آخر ما توصل إليه الطب الحديث في هذا المجال.

————————-

مقدمة:

تصيب الأجفان أمراض كثيرة ومتعددة كالتهاب حواف الأجفان (2) Blepharitis بمختلف أنواعه (توسفي – تقرحي – مختلط) والشعيرة (3) Hordelum والتحصّي (4) Concretions والتصاق الأجفان بالملتحمة (5) Symblepharon والشتر الداخلي (6) Intropion والشتر الخارجي (7) Ectropion والشعرة (8) Trichiasis ووذمة الملتحمة الجفنية (9) Chemosis والسّلاق (10) Thrush ومرض التراخوما (11) Trachoma والإطراق (12) Ptosis وأخيرا مرض البَرَدَة (13) Chalazion.

ولقد عرف الطب العربي كل هذه الأمراض تشخيصاً وعلاجاً دوائياً (محافظاً) وجراحياً.

وسنتناول في بحثنا هذا مرض البَرَدَة تعريفاً ووصفاً وعلاجاً من خلال ما ذكره رواد الطب العربي الإسلامي، مقارنين بين ما كان يتم من علاج وقتئذٍ وما يعملُ به الآن في وقتنا الحاضر من خلال وجهة نظر الطب الحديث في ذلك.
أصل تسمية البردة

لقد ورد في معجم لسان العرب(14) تحت مادة بَرَدَ ما يلي

البَرَدَةُ: التخمة، وفي حديث ابن مسعود: كل داء أصله البَرَدَةُ وكله من البَرْد. وقيل: سميت التخمةُ بَرَدَةً لأنَّ التخمة تُبْرِدُ المعدة فلا تستمرئ الطعام ولا تنضِجُه.

والبَرَدُ: سحاب كالجَمَد، سمي بذلك لشدة برده .

والبَرْد: النوم لأنه يُبَرِّد العين بأن يُقِرَّها وفي التنـزيل العزيز: (لا يذوقون فيها بَرْداً ولا شراباً).

والبَرْد: تبريد العين. والبَرْوَد: كُحل يُبَرِّد العين. ومن المجاز في حديث عُمر (رضي الله عنه) فهَبَّرَهُ بالسيف حتى بَرَدَ (أي: مات). يقول ابن منظور: وهو صحيح في الاشتقاق، لأنه عَدِمَ حرارة الروح.

ولقد وردت في المعجم الطبي الموحد(15) مضبوطة بالشكل التالي: بَرَدَة Chalazion.

ونستنتج مما سبق أنَّ: (البَرَد ، البَرَدَةَ ، البَرَدَةِ) كلها تعابير صحيحة مشتقة من البرودة.

تعريف مرض البَرَدَة:

ذُكر هذا المرض العيني الذي يصيب الأجفان تحت عدة أسماء منها البَرَد والبَرَدَة والبَرَدَةِ .

فلقد عرفه الشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه “القانون في الطب” تحت عنوان فصل في البَرَدةِ بقوله: “هي رطوبة تغلظ وتتحجر في باطن الجفن، وتكون إلى البياض تشبه البَرَد(16). أي أنها مادة صلبة كالحجر قاسية تتوضع ضمن سماكة الجفن لونها ضاربٌ للبياض وهي بشكل حبة كروية الشكل أو ما يشبهها بحيث تشبه حبة البرد التي تسقط من السماء شتاءً.

أما خليفة بن أبي المحاسن الحلبي(17) فلقد عرَّفها في كتابه الكافي في الكحل تحت عنوان البَرَد بقوله: “إنه ورمٌ صغيرٌ صلبٌ مائلٌ للبياض، يشبه البردة في شكله، وهو نوع واحد آلي في العدد وأكثر وجوده خريفاً وشتاءً، وفي الكهول والشيوخ وهو من الأمراض الخاصة بالجفن، وهو مرضاً سليماً”(18). أي أنه ورم صغير الحجم قاسٍ لونه مائل للبياض ويشبه حبة البرد، وأكثر ما يشاهد في فصلي الخريف والشتاء، يصيب كبار السن، وهو من الأمراض المحصور توضّعها في الأجفان في العين وهو ورم سليم.

بينما يعرفه ابن النفيس الدمشقي(19) في كتابه “المهذب في الكحل المجرب” تحت عنوان البردة قائلاً: “هو ورم صغير صلب مستدير كالبردة في شكله”(20). أي هو ورم صغير الحجم قاس القوام والملمس شكله مستدير مكوّر كحبة البرد.

يعرفها الغافقي(21) في كتابه المرشد في الكحل قائلاً: “أما البرد فنوع واحد”(22). أي أنَّ البردة هي من نوعٍ واحدٍ لا أكثر .

لكن الرازي يقول: “وأما البردة فرطوبة غليظة تجمد في باطن الجفن شبيهاً بالبردة”(22). أي أنها تجمع لمواد غليظة تتجمد في الأجفان وتشبه بشكلها حبة البرد.

وكذلك الزهراوي فيعرّف البردة قائلاً: “كثيراً ما يعرض في الأجفان شيء يشبه البرد في شدته وصلابته ولذلك سمي بالبرد”(23). أي أنها كتلة ورمية صلبة تتوضع في الأجفان بشكل عارض وتشبه بشكلها حبة البرد.

نستنتج من التعاريف السابقة الذكر بعباراتها وصيغها المختلفة بأنَّ البَرَدة هي ورم مفرد بالعدد، صلب وقاس في القوام، مستدير ومكوّر يشبه حبة البرد في الشكل، لونه قريبٌ للبياض، وهو مرض سليم من حيث الإنذار.

أما وجهة نظر الطب الحديث في هذا المرض فتكمِّل ما ذكر في التعاريف السابقة الذكر وتضيف عليه ما يلي: يقول الدكتور جاك كانسكي(24) J – Kanski في كتابه الطب العيني السريري Clinical Ophthalmology بأنَّ البردة هي ورم مفرد أو متعدد وهو ورم حبيبي مزمن في غدد ميبوميان(25) Meibomian glands في الأجفان، أي أنَّ الورم قد يكون مفردأ وقد يكون أكثر من واحد في العدد. أما من ناحية السلامة فهو غالباً ورم سليم وقد لا يكون كذلك، وذلك عندما ينكس أكثر من مرة وهنا يجب أخذ خزعة وإجراء الفحص النسيجي لها.

أسباب البَرَدَة:

لم يذكر ابن سينا السبب واكتفى بالقول بأنها مادة متحجرة قاسية(26).

أما خليفة بن أبي المحاسن الحلبي – في كتابه الكافي في الكحل – فيقول : “السبب هو اجتماع رطوبةٍ مائلةٍ إلى السوداء، وتتجمد وتتحجّر في الجفن لسخافية وتخلخل جُرمِه، وقد يكون سببه عدم الحمَّام وقلة التحليل(27). أي أنَّ السبب ناجم عن تجمع مواد لزجة ولزوجتها سميكة قريبة للسوداء تتجمع هذه المواد وتتحجر فتصبح قاسية متماسكة ضمن الجفن وذلك بسبب ضعفٍ في الجفن في العين في الأنسجة المكوِّنة له، وقد يكون السبب من قلة النظافة وقلة الاغتسال.

في حين أن ابن النفيس يقول في كتابه المهذّب في الكحل المجرب: “سببه مادة غليظة تجتمع في موضع من الجفن فيتخلل لطيفها وتزداد غلظاً”(28). أي هي تجمع لمادة سميكة ولزجة القوام في مكان ما في الجفن حيث تفقد شيئا من سائلها وتصبح أكثر سماكة ولزوجة.

وكذلك الغافقي فيقول في كتابه المرشد في الكحل: “وأما سببه فاجتماع رطوبات غليظة تجمد في الجسم وأكثر ما تتولد في ظاهر الجفن(29).

يقول أبو بكر الرازي: “وأما البرد فنوعٌ واحدٌ وهو رطوبة غليظة في ظاهر الجفن وفي باطن الجفن(30) أي أن سببه هو تجمع هذه الرطوبة السميكة في الجفن. وأنَّ هذه المواد اللزجة الغليظة القوام تكسب قساوتها في جسم الإنسان لكن أكثر ما تظهر في الأجفان ويركز بالقول بأنها تكون في ظاهر الجفن أي السطح الخارجي للجفن.

لكن الزهراوي يتحدث عن السبب فيقول: “… وهو اجتماع رطوبة غليظة في الجفن الأعلى والجفن الأسفل(31) أي أنَّ السبب هو تجمع لهذه الرطوبات الغليظة في الجفن العلوي والسفلي.

لكن لم يذكر أي ممن سلف ذكرهم ما هي أسباب تجمع هذه الرطوبات الغليظة ولا العوامل المؤهبة لذلك.

أما الطب الحديث فله وجهة نظر وإثباتات تتفق في بعضها مع ما سلف ذكره من أسباب وتختلف معها في جوانب أخرى ويضيف عليها أسباباً وأموراً أُخر.

فما يتفق مع الأسباب الآنفة الذكر هو أنَّ السبب غير معروف تماماً لكنه ينجم على الأغلب عن انسداد قنوات الغدد “غدد ميبوميان” بأورام حبيبية دهنية إلتهابية فتنحبس مفرزات الغدة. وتسبب المفرزات المتراكمة تخريشاً في الغدة تحرّض على تشكيل الورم الحبيبي الذي يحوي العديد من الخلايا الإلتهابية كالخلايا العرطلة والخلايا البطانية واللمفاوية ثم يحاط هذا الورم بغلاف ليفي.

وفيما يختلف عما ورد في كتاب الكافي في الكحل حينما يقول: “قد يكون سببه عدم الحمّام” فالحمّام لا دخل له في تشكل أو عدم تشكل البردة لأنه إضطراب استقلابي للمواد الدهنية مع خمج ثانوي في الغدد الدهنية. وقد لا يحدث أي خمج ثانوي ويكون السبب فقط اضطراب إستقلابيأي إنتان أي.

لكن ما يضاف على ما ذكر من أسباب فهو أنَّ هذا الاضطراب الإستقلابي قد يكون معمماً في كامل الغدد الدهنية في الجسم فقد يترافق ظهور البَرَدة مع ظهور حب الشباب أو ما يسمى “العد” الذي يظهر في الوجه أو القسم العلوي من الجسم.
الأعراض والعلامات :

كما لاحظنا فإن البَرَدَة – حسب ما ذكرته مؤلفات الطب العربي الإسلامي- هي ورم صغير مستدير الشكل صلب الملمس غير مؤلم يتوضع في ظاهر الجفن العلوي غالباً وقد يوجد في باطنه، وبشكل أقل في الجفن السفلي، وهي ذات لون قريب للبياض.

وقد وصف علامة هذا الورم ابن سينا في كتاب القانون بأنه قاسي الملمس ولونه ضارب للبياض حيث قال: “تتحجر في باطن الجفن وتكون إلى البياض تشبه البَرَد(32).

بينما خليفة بن أبي المحاسن الحلبي في كتاب الكافي في الكحل فيقول: “ورمٌ صغيرٌ مستديرٌ يتبعه صلابةٌ من غير ألم، وأكثر ما يكون في ظاهر الجفن الأعلى وقد يكون في باطنه، وربما يولد في الجفن الأسفل أيضاً، وقد يكون في الجفنين جميعاً(33).

يقول الغافقي في كتاب المرشد في الكحل: “وأما علامته فإنه ورم صُلب شبيه بالبَرَد(34).

أبو بكر الرازي يقول أن شكله بشكل حبة البرد.

بينما الزهراوي فيتحدث عن العلامات قائلاً: “…فإن كانت البردة بارزة في ظاهر الجفن تتحرك إلى كل ناحية فأمرها سهل…(35) . أي أنها يمكن أن تكون ظاهرة للعيان بشكلها وعندما تجسها تجدها متحركة غير ملتصقة أي حرة. ثم يقول “… فإن كانت البردة مائلة إلى داخل الجفن نحو السطح الداخل …(36). أي أنها يمكن أن تكون ضمن الجفن غير ظاهرة للعيان، ويمكن تحرّيها بقلب الجفن للخارج لأنها أقرب إلى الداخل.

يحدد الطب الحديث أعراض وعلامات البردة وذلك من خلال جاك كانسكي في كتابه طب العيون السريري، ونويل(37) Franke – W – Newell في كتابه العينية Ophthalmology، وهنري كليمان(38) Henry M – clayman في كتاب الأطلس الحديث في الجراحة العينية Atlas of Contemporary Ophthalmic Surgery بأنه انتفاخ تدريجي عديم الألم في الصفيحة الغضروفية غير ملتصق بالجلد وهو قد يكون قريباً من الجلد (ظاهر الجفن) وقد يكون عميقاً أقرب إلى الملتحمة الجفنية. ففي الحالة الأولى عند قَلبِ الجفن نجد احمراراً في الملتحمة فوق منطقة الانتفاخ. أما في الحالة الثانية فنجد اصفراراً أو شحوباً محاطاً بتوعية دموية غزيرة. وهذا الورم يوجد في الجفن العلوي والسفلي بنفس النسبة وليس أكثر ما يكون في ظاهر الجفن الأعلى كما ذكر آنفاً. كما أنَّ الشفاء العفوي للبردة نادر، وقد تصاب بخمج يحولها إلى شعيرة داخلية وهي مؤلمة، أي أنه يمكن أن تصبح البردة مؤلمة.

إضافةً لذلك ذكر الطب الحديث نوعاً آخر للبردة وهي البردة الهامشية حيث يتشكل الورم في الأقنية فقط وتظهر على شكل عقد حمراء في حافة الجفن ويمكن أن تنثقب الملتحمة لكن انتشار الورم تحت الجلد هو نادر الحدوث.

ومن العلامات التي لم تذكر أيضاً في مؤلفات الطب العربي هي أنَّ البردة إذا بلغت حجماً كبيراً قد تضغط على كرة العين مما يؤدي لحدوث حرج بصر(39) Astigmatism.
العلاج

لقد كان الغرض من العلاج هو أن يتم تليين المادة المنحبسة وتحليلها، لذلك استخدمت أدوية متعددة وضمادات وكمادات. ويلجأ للجراحة إن لم تنفع الطرق السابقة.

ففي العلاج يقول ابن سينا: “يستعمل عليها لطوخ من وسخ الكوائر وغيرها، وربما زيد عليه دهن الورد(40) وصمغ البطم(41)وأنزورت (42) أو يطلى بأشق(43) مسحوق بخلّ، وبارزد(44)، أو حلتيت(45)، أو طلاء أوربياسيوس(46). من ذلك نجد أن ابن سينا قد ركزعلى العلاج الدوائي فقط ولم يتطرق لشيء من العلاج الجراحي، وقد يكون السبب في ذلك هو أنه لا توجد معلومات وافية عن الجراحة في ذاك الوقت أو عدم درايته بذلك.

أما ابن النفيس فيقول: “الغرض هاهنا هو تحليل المادة لكن التحليل الصرف يزيد المادة تحجراً فلابد من تليين، وقد يحتاج أيضاً إلى التقطيع وذلك بمثل الخلّ لتصغر الأجزاء فتتهيأ للتحليل، ومن الأدوية الجيدة سكبينخ(47) أو أشق أو قنة(48)، أيها كان بالخلّ وكذلك الحلتيت ، وصمغ البطم بدهن الورد أو دهن البطم(49) مع الشمع(50) والصمغ أو كندر(51) ومر (52) من كل واحد درهم، لادن (53) ربع درهم، شمع نصف درهم، شب (54) ربع درهم، تورق إضافةً إلى جمعها بزيت عتيق(55) أو عكر السوسن، وقد تحتاج إلى الاستفراغ إذا قارن ذلك امتلاء(56). وعن العلاج الجراحي يقول: ” … وقد يعمل بالحديد بأن يجلس العليل متربعاً، والمعالج على كرسي بحذائه معتمداً بقدميه على الأرض، ثم يقلب الجفن ويشق من داخل عرضاً فإذا ظهرت البردة أخذت بملعقة الميل مع غمزها من خارج الجفن بطرفي الإبهام والسبابة، وقد يسترخي موضع الشق فتجمع الشفتان بالخياطة في وسطه ثم يذر عليه الذرو الأصغر(57).
تحدث أيضاً أبي المحاسن الحلبي عن العلاجين الدوائي والجراحي كما تحدث ابن النفيس.
[new_page]
بينما الغافقي فقد تحدث فقط عن العلاج الدوائي ولم يتطرق إلى العلاج الجراحي. لكن الزهراوي تحدث عن العلاج بشكل مسهب وجيد وتفصيلي، وركَّز على العلاج الجراحي ولم يتطرق بشيء للعلاج الدوائي. وفي ذلك يقول: “والعمل فيها أن تنظر فإن كانت البردة بارزة في ظاهر الجفن تتحرك إلى كلّ ناحية فأمرها سهل فشق عليها شقاً بالعرض ثم اسلخها من كل جهة برفق حتى تتخلص، ثم علقها بالصنارة واقطعها، فإن لم يتهيأ لك قطعها إلا بعد أن تنفذ الجفن بالقطع فلا يضر العليل ذلك شيئاً، فإن كان الشقّ كبيراً فاجمعه بالخياطة عالجه حتى يبرأ، وإن كان صغيراً فلا بأس عليك منه فإنَّ المرهم يجبره ويلحمه(58). وهذا وصف بغاية الدقة للتدبير الأمثل للبردة الخارجية التي تظهر بوضوح للعيان ويمكن جسها بالإصبع.

أما عن البردة التي تكون مائلة للداخل فيقول الزهراوي: “فإن كانت البردة مائلة إلى داخل الجفن نحو السطح الداخل فاقلب الجفن وعلّق البردة بصنارة من غير أن تحتاج إلى شق واجتزّها من كل جهة فإن أنفذت الجفن بالقطع لم يضر ذلك شيئاً، ثم اغسل العين بعد قطع البردة بالماء المالح وعالج الموضع بما يلحم حتى يبرأ العليل(59).

ففي هذا الشرح عن البردة الأقرب للسطح الداخلي للجفن نجد فيه دقة في وصف المكان ودقة في تحديد عقابيل النفاذ بالقطع للجفن ووصف دقيق لطريقة الاستئصال لكنه لم يحدد نوعية معينة للشق لا بشكل عرضي ولا طولي بل قال بالاجتزاز الكامل للبردة.

يتفق العلاج في الطب الحديث كما ذكره جاك كانسكي J-kanski ونويل Newell في المبدأ والآلية مع ما ذكر في مؤلفات الطب العربي الإسلامي من ناحية العلاج الدوائي للبردة الصغيرة فقط، حيث أن البردة الصغيرة قد تزول بالعلاج الموضعي. أما البردة الكبيرة فلا تزول بالعلاج الدوائي الموضعي.

فالبردة الكبيرة علاجها جراحي فقط، حيث يتم شقها جراحياً بالمشرط، والجراحة هنا حسب توضّع البردة. فالبردة القريبة من الملتحمة الجفنية أي الأقرب إلى داخل الجفن، يُقلب الجفن ويُجرى شق عمودي على حافة الجفن في الملتحمة الجفنية وعبر الغضروف بعد التخدير الموضعي، ونثبت ملقط البردة ونفرغ محتويات البردة ونستأصل المحفظة ونطبق الصادات ودون أن نجري أية خياطة. وهذا يختلف عن العلاج الجراحي الذي ذكره الغافقي حيث قال بإجراء الشق الجراحي العرضي والخياطة لأنَّ ذلك قد يؤدي لحدوث انقلاب داخلي للجفن “شتر جفن داخلي Intropion”.

إنَّ ما ذكره الزهراوي أيضا عن الاجتزاز الكامل للبردة بدون الشق فهو قد يؤدي لحدوث شتر داخلي للجفن وهذا لم ينتبه له الزهراوي لأنه ركّز على الاجتزاز الكامل للبردة، أما الأصح فهو إجراء الشق العمودي على حافة الجفن دون الوصول لها وتفريغ البردة من محتوياتها.

أما إذا كانت البردة أقرب إلى ظاهر الجفن فيجرى شق عرضي للجلد موازٍ لحافة الجفن وتفرغ محتويات البردة ثم يخاط الجلد الجفني وتضمد العين.

وهناك أيضاً علاج حديث آخر وهو الحقن الموضعي لمادة تريامسينولون (60)Triamcinolone ضمن البردة وهذا يسبب انحلالها دون الحاجة للجراحة.
الخاتمة
نستنتج مما سبق بأنَّ الطب العربي الإسلامي في أوج ذروته كان قد بلغ شأوا كبيرا من المعرفة بالتشخيص والعلاج وفق معايير ذلك العصر. وما هذا المرض العيني “البَرَدَة” إلا أحد الأمثلة على ذلك. وقد لاحظنا من خلال الوصف الدقيق لعلامات وعلاج هذا المرض أن الأطباء العرب المسلمين لم يكونوا فقط مجرد نقلة لعلوم الأقدمين، بل إنهم درسوا تلك العلوم واستوعبوها وأثروها من خلال ممارستهم للطب في ذلك الوقت، وعلى نحو استطاعت أوربا أن تستفيد من هذا التراث الطبي لتبني عليه نهضتها التي نلمس آثارها اليوم.

الحواشي والتعليقات والمراجع

(1)غدد ميبوميان Meibomian glands : هي غدد موجودة في الصفيحة الغضروفية للأجفان وهي تفرز مادة دهنية تساهم في تشكيل الطبقة الخارجية من الفيلم الدمعي .

(2)التهاب يصيب الأجفان في العين Blepharitis وهو على أنواع (توسفي – تقرحي – مختلط) وقد يؤدي لحدوث تشوهات بالجفن وأهداب حاكة .

(3)الشعيرة Hordelum: التهاب بغدد زايس في الجفن، وهو التهاب جرثومي. وهي نوعين شعيرة داخلية وشعيرة خارجية .

(4)التحصي Concertions: هو وجود حبيبات كالرمل تحت الملتحمة الجفنية وذلك نتيجةً لالتهابات مزمنة في الملتحمة .

(5)التصاق الأجفان بالملتحمة Symblepharon حيث تلتصق الأجفان بكرة العين وذلك نتيجة الرضوض والجروح ونتيجة الحروق أو بشكل خلقي .

(6)الشتر الداخلي Intropion وهو انقلاب حافة الجفن للداخل وله أسباب عدة.

(7)الشتر الخارجي Ectropion: وهو انقلاب حافة الجفن للخارج وله أسباب عدة أيضاً.

(8)الشعرةTrichiasisهو وجود أكثر من أربعة أهداب تحك بالقرنية وهي غالباً ما تحدث بالجفن العلوي وقد توجد بالجفنين معاً.

(9)وذمة الملتحمة الجفنية Chemosisانتفاخ بالملتحمة مع تجمع سوائل في المسافات خارج الخلوية وله عدة أسباب.

(10)السّلاق Thrushمرض يصيب الأجفان والملتحمة معاً يتصف بحكة وغلظ بالأجفان.

(11) التراخوما Trachomaمرض يصيب الأجفان وهو مرض معدٍ يؤدي لحدث تشوهات بالأجفان.

(12) الإطراق Ptosisهو هبوط الجفن وله عدة درجات وعدة أسباب.

13))البردة:Chalazionورم حبيبي مزمن في غدد ميبوميان في الأجفان.

(14) ابن منظور الأفريقي المصري أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ، لسان العرب. دار صادر، بيروت، صفحة 82 – 89.

(15) مجلس وزراء الصحة العرب، اتحاد الأطباء العرب، منظمة الصحة العالمية، المعجم الطبي الموحد. الطبعة الثالثة، ميدليفانت، سويسرا، 760 صفحة .

(16) ابن سينا أبو علي الحسين بن علي، القانون في الطب، ج2. دار الفكر، بيروت، صفحة 225، 1994.

(17) خليفة بن أبي المحاسن الحلبي، أشهر أطباء القرن السابع الهجري.

(18) الحلبي خليفة بن أبي المحاسن، الكافي في الكحل، تحقيق د. محمد ظافر وفائي و د. محمد رواس قلعه جي، إيسيسكو، السعودية، صفحة 119، 1990.

(19) ابن النفيس هو علي بن أبي حزم القرشي الدمشقي المتوفي في 687هـ / 1288م.

(20) ابن النفيس علي ابن الحزام القرشي الدمشقي، 1988 المهذب في الكحل المجرب، تحقيق د. محمد ظافر وفائي و د. محمد رواس قلعه جي. إيسيسكو، السعودية، 1988.

(21) الغافقي: هو محمد بن قسوم بن أسلم المتوفي بعد سنة 595هـ / 1197م.

(22) الغافقي محمد بن قسوم بن أسلم، المرشد في طب العين، حققه د. محمد ظافر وفائي و د. محمد رواس قلعه جي. الإدارة العامة للتوعية العلمية والنشر، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم التقنية.

(23) د. كعدان، عبد الناصر، الجراحة عند الزهراوي، صفحة 61، دار القلم العربي، حلب – سوريا، 1999.

(24) جاك كانسكي J – Kanski هو مؤلف كتاب طب العيون السريري Clinical Ophthalmology وهو كاتب بريطاني .

(25) غدد ميبوميان Meibomian glands : هي غدد موجودة في الصفيحة الغضروفية للأجفان وهي تفرز مادة دهنية تساهم في تشكيل الطبقة الخارجية من الفيلم الدمعي .

(26) القانون في الطب، صفحة 225 .

(27) الكافي في الكحل، صفحة 119 .

(28) المهذب في الكحل المجرب، صفحة 269 .

(29) المرشد في الكحل، صفحة 277 .

(30) الرازي أبي بكر محمد بن زكريا، الحاوي في الطب، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند، 1955. ج 1، صفحة 36.

(31) د. كعدان، عبد الناصر، الجراحة عند الزهراوي، صفحة 61.

(32) القانون في الطب، صفحة 225 .

(33) الكافي في الكحل ، صفحة 119 .

(34) المرشد في الكحل ، صفحة 277 .

(35)د. كعدان، عبد الناصر، الجراحة عند الزهراوي، صفحة 61.

(36)د. كعدان، عبد الناصر، الجراحة عند الزهراوي، صفحة 61.

37- NEWELL Frank W.1982 – Opthalmology . Fifth edition , Mosby , London p.181 – 182 .

38 – CLAYMAN Henry M.1990 – Atlas of Contemporary Ophthalmic Surgery ,.Mosby , London .

(39) حرج البصر Astigmatism: هو من أسواء الإنكسار في العين.

(40) دهن الورد : أجوده من الأرضي الجوري يسكّن وجع العين ودهنه صالح لغلظ الأجفان. عن كتاب الكافي في الكحل لخليفة بن أبي المحاسن الحلبي ص494.

(41) صمغ البطم: المعروف بصمغ الحبّة الخضراء، وهو حار محلِّل جلاء لطيف. عن كتاب الكافي في الكحل لخليفة بن أبي المحاسن الحلبي ص475 .

(42) أنزورت: وهو صمغ شجرة شائكة ينقي قروح العين ويحلل بقايا الرمد ويذيب اللحم الزائد في القروح وهو جيد لالتصاق العين وللرمد .

(43) أشقّ: صمغ طبي وهو يليّن ويحلل غِلظ الأجفان وجربها وينفع ثآليل الجفن. وإذا حُلَّ في خل وطلي به شعيرة العين حللها .

(44) بارزد: هو صمغ شجرة، مليّن محلّ الأخلاط اللزجة نافع من جرب العين والبَرَدَة الحادثة فيه .

(45) حلتيت: هو صمغ شجرة الإنجذان، ينفع الثآليل المسمارية ومن ابتداء الماء في العين .

(46) القانون في الطب، صفحة 225 .

(47) سكبينخ : هو صمغ من شجرة لا منفعة فيها بل في صمغها، ملطّف الآثار التي تكون في العين والبياض وظلمة البصر عن غِلَظ الرطوبة وبدء الماء، يحلل الشعيرة والبَرَدة طلاءً ويجلو آثار القروح الغليظة العارضة في العين .

(48) قنّة: صمغ نبات شبيه بالقثاء في شكله وأجوده ما كان شبيهاً بالكندر .

(49) هو كصمغ البطم .

(50) الشمع: مادة شمعية شبيهة بشمع العسل، أجوده الأصفر النقي الصافي وهو معتدلٌ منضِّجٌ من أجل الحرارة وينفع في الشعيرة والبردة .

(51) كندر: هو صمغ شجرة وهو يحلل المِدّة الغليظة من قروح العين ويفجرها ويملأ القروح العميقة ويختمها وينقي قرحة الحدقة ، ويملأ الحفور العتيقة التي في العين .

(52) صمغة تجلب من مسقط، وهو صمغ راتنجي يخرج من ساق شجرة Commiphoramyrrha .

(53) لادن: هو رطوبة تتعلق بشعر الماعز، وقال البيروني هو رطوبة يدبق يد اللامس تكون على شجرة القيسوس فترعاه الماعز .

(54) شب: هو أصناف كثيرة والمستعمل منه هو المشقق والرطب والمدحرج. إذا وضع مع الأدوية العينية جفف الغَرَب الحادث فيها، يجلو ويذهب بغشاوة العين كحلاً .

(55) عكر الزيت العتيق وعكر السوسن: يحلل الماء النازل في العين .

(56) المهذب في الكحل المجرب، صفحة 269 .

(57) المهذب في الكحل المجرب، صفحة 269 .

(58)د. كعدان، عبد الناصر، الجراحة عند الزهراوي، صفحة 61.

(59)د. كعدان، عبد الناصر، الجراحة عند الزهراوي، صفحة 61.

(60) تريامسينولون triamcinolone : هي من الستيروئيدات القشرية تسبب تندب وانحلال للبَرَدَة.

* د. عبد الناصر كعدان – طبيب اختصاصي في الجراحة العظمية – دكتوراه في تاريخ الطب العربي الاسلامي- مدرس في قسم تاريخ الطب العربي – معــهد التراث العلمي العربي – جامعة حلب.

** د. محمد الحرك – طبيب اختصاخي في جراحة العيون – طالب في مرحلة الماجستير – قسم تاريخ العلوم الطبية – معهد التراث العلمي العربي – جامعة حلب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *