البخر وعلاجه

البخر وعلاجه

البخر وعلاجه

في مؤلفات الطب العربي

ملخص البحث

أرسى الإسلام قواعد النظافة والاهتمام بالصحة، فكان النواة والنور الذي استنار به كل العلماء العرب والمسلمين. وقد اعتنى هؤلاء العلماء بالصحة عموما وبالصحة الفموية خصوصا، حيث كان من الطبيعي أن تسترعي الأمراض الفموية انتباه وعناية الأطباء العرب القدامى، فوضعوا لها التشخيص التفريقي اللازم بحسب الأعراض السريرية المشاهدة، كما وضعوا لها الأدوية والعلاجات. ويعتبر البخر (رائحة الفم المنتنة) أحد المواضيع التي استرعت انتباه الأطباء العرب المسلمون، فتحدثوا عن أسبابه وطرق علاجه.

هدف هذا البحث هو التعرض بالذكر لأهم ما أورده الأطباء العرب المسلمون في مجال البخر علاجه.

مقدمة :

لقد أرست تعاليم الإسلام قواعد النظافة والاهتمام بالصحة، فكان النواة والنور الذي استنار به كل العلماء العرب والمسلمين. ولما كانت أول قواعده التي وضعت هي الطهارة والوضوء المدخل لما يلي من الأركان، فلهذا اعتنى الأجداد بالصحة العامة والصحة الفموية بالخاصة، فكان من الطبيعي أن تسترعي الأمراض الفموية انتباه وعناية الأطباء العرب القدامى، فوضعوا لها التشخيص التفريقي اللازم بحسب الأعراض السريرية المشاهدة، كما وضعوا لها الأدوية والمضامض واتبعوا وسائل ناجعة لشفائها مثل الكي الحراري وإزالة الترسبات القلحية بالمجارد وتثبيت الجبائر السلكية الذهبية. ولعل من أشهر من وضع له الجبائر السلكية الذهبية في صدر الإسلام الخليفة الراشدي (ذو النورين) عثمان بن عفان رضى الله عنه، كما كانوا يطبقون المبدأ القائل ” درهم وقاية خير من قنطار علاج “، وهذا الأمر ينطبق على أمراض الفم بقدر ما ينطبق على سواها من الأمراض، فأجاد الأجداد في النصح والإرشاد هادفين حماية الفم والأسنان واللثة من الأمراض التي قد تتعرض لها في حال الإهمال وعدم المراعاة.

والبخر من المواضيع التي أخذت حيزاً من الدراسة والتمحيص وذلك لكثرة ما قيل فيه وما شكّل من اضطرابات اجتماعية، وفي بحثنا هذا سنتناول الموضوع بتسلسل رأيناه الأفضل، لتشعب ما قيل فيه. فأولاً سنلقى الضوء على معناه وماذا يقصد به، ثم نطرح ما سببه من مشكلات اجتماعية وبعدها نتعمق أكثر بالأسباب المؤدية للبخر وطرق الوقاية منه وأخيراً معالجته، متناولين كل فقرة ماضيها وحاضرها، لعلنا نصل إلى دراسة قيمة تدلنا على مدى رقي الثقافة الطبية عند العلماء العرب، وتجعلنا ننفض غبار السنين عن قواعدنا وأساسنا ونعود فنرفع بنيانه من جديد ليصبح المنارة للحضارة الإنسانية كما كان وقتئذ.

تعريف :

البَخَرُ: هو الرائحة المتغيرة من الفم، وقال أبو حنيفة “البخر” النتن يكون في الفم وغيره، بَخِرَ، بَخَراً، وهو أبخر وهي بخراء [1].

ويذكر الزبيدي في معجمه أن البخر النتن في الفم وغيره، ويقول أنه قال شيخنا والمعروف في البخر التقيد بالفم دون غيره، كما جزم به الجوهري والزمخشري والقيومي[2].

بينما يعرفه داود الأنطاكي فيقول: ” إن بخر الفم هو أحد أشكال البخر، ويعرفه قائلاً ” إنه تغيير رائحة البدن بسبب تعفن الخلط “[3].

كخلاصة لما سبق فبَخَرُ الفم هو تلك الرائحة الكريهة وغير الطبيعية التي تفوح من الفم بفعل عوامل مختلفة، إذ أنه ليس للفم النظيف في الحالة الطبيعية أية رائحة.

البخر ومشكلاته الاجتماعية :

كانت لتعاليم الإسلام في النظافة والطهارة الأثر الفاعل في منح البخر النصيب الوافر من اعتناء الأطباء العرب واهتمامهم به من ناحية، ومن ناحية أخرى ولكثرة ما أثار من مشكلات اجتماعية، فقد قيل الكثير عن البخر حتى غدا من العلل، وأصبح الأبخر موضع سخرية واستهزاء الجميع.

فقد جمع الأبشيهي بعض ما قيل من طرائف عن البخر والبخراء، فمن جملة ما ذكر: ” تسارر أبخر وأصم فقال له الأصم قد فهمت ثم فارقه، فسأله رجل عما قاله البخر فقال والله لا أدري غير أنه فسا في أذني”[4]. كما ذكر بعض المشاهير الذين وصفوا بالبخر فقال: ” وقيل إن عبد الملك بن مروان كان أبخر فعض يوماً على تفاحة ورمى بها إلى زوجته، فدعت بسكين فقال ما تصنعين بها؟ قالت أميط الأذى عنها، فشق عليه ذلك منها فطلقها”[5] . ويذكر كذلك أنه ” سارر أبو الأسود الدؤلي سليمان بن عبد الملك وكان أبو الأسود أبخر، فستر سليمان أنفه بكمه فعير أبو الأسود وهو يقول، لايصلح للخلافة من لا يقدر على مناجاة الشيوخ البخر “[6].

كما ذكر بعض المقولات التي لا تخل من الصحة فقال: ” وقيل طول إنطباق الفم يورث البخر، وكل رطب سائل اللعاب سالم منه، وقيل أن الزنج أطيب الناس أفواهاً، والسباع موصوفة بالبخر والمثل المضروب بالأسد والصقر في البخر، والكلب من بينها طيب النفس، وليس من البهائم أطيب أفواهاً من الظباء “[7]. وعاد فسلط الضوء على المعاناة من البخر وما سبب من مشكلات فذكر: وحكي أن أبخر تزوج بامرأة فلما ضاجعها عافته وتولت عنه بوجهها ثم أنشدت تقول:

ياحبّ والرحمن إن فاكا أهلكني فـولّني قفــاكا

إذا غدوت فاتخذ سواكا من عرفط إن لم تجد أراكا

لا تقربني بالذي سوّاكا إني أراك ماضغاً خراكـا[8]

ولهذا استفاض العلماء العرب في دراسة البخر فوضعوا له التشخيص وتحروا الأسباب المؤدية للبخر وتناولوا وبإسهاب طرق الوقاية والعلاج.

الأسباب :

تباينت آراء الأطباء العرب حول الأسباب المؤدية للبخر، فمنهم من استطاع أن يحيط بمعظم الأسباب ومنهم من اقتصر في ذكر بعض الأسباب. فنرى أن ابن القيّم ذكر فقط سببا موضعيا وسببا عاما فقال: ” كثرة الخلال يفسد الأسنان ويبخر الفم وكذلك فساد الطعام [9]. وكذلك ذكر ابن كشكرايا فقال: ” ربما حدث البخر من فساد يحدث في الضرس أو سن متآكل وربما حدث البخر من بلغم قد فسد وبقي في المعدة “[10].

أما الطبري فتعرض لذكر الأسباب فكتب قائلاً: ” البخر يكون من رطوبة منتنة عفنة تتولد في المعدة، أو من عفونة اللثة أو من طعام يبقى بين أسنان فينتن “[11]. نلاحظ هنا أنه فصل بين الأسباب العامة والأسباب الموضعية الفموية لكنه لم يذكر غير القليل عن الأسباب بشكل عام كما فعل ابن كشكرايا وابن القيم. بينما استطاع ابن سينا أن يتناول الكثير من الأسباب فعرض الأسباب الموضعية وميز بينها وأشار كذلك إلى الأسباب العامة وزاد عن ذكر أمراض الهضم المؤدية للبخر التي ذكرها سابقيه بذكره للأمراض التنفسية فنرى ذلك في قوله: ” أنه إما أن يكون مبدؤه اللثة لعفونة فيها أو لاسترخاء يعرض لها أو عفونة في أصل الأسنان آذت نفس السن، وإما أن يكون مبدؤه جلدة الفم لمزاج رديء فيها يغير الرطوبات وأكثر هذا المزاج حار، وإما أن يكون مبدؤه فم المعدة لخلط عفن في فم المعدة إما صفراوي أو بلغمي، وقد تكون من نواحي الرئة كما يعرض لأصحاب السل “[12]. أما إذا نظرنا فيما كتب داود الأنطاكي عن الأسباب المؤدية للبخر في قوله: ” إن سببه العمور بالمهملة المفتوحة والراء فعلامته لزوجة الرطوبات وارتخاء اللحم الموسوم بذلك وهو ما بين الأسنان أو من اللثة نفسها إن كان هناك قروح وإلا فمن الأعصاب ، أو من أجزاء الفم فعلامته تغيره مطلقاً وترهل اللحم، أو من المعدة فعلامته سكونه بالأكل مطلقاً ولو عن بلغم مالح لاستتاره بالغذاء فإن استمر التغيير عند الانهضام فمن البلغم إذ لا يجوز استناده إلى الحرارة لاشتغالها بتوجيه الأغذية ورطوباتها وإلا فمنها ولا التفات إلى ما قرره الجل هنا فإني لم أجد فيه تحقيقاً “(15) .

هنا نرى أن داود الأنطاكي استطاع ببصيرته النافذة أن يفرق بين الأسباب العامة والموضعية المؤدية للبخر كما أعطى التشخيص التفريقي بينهما رغم أنه كان بعيداً عن ذكر الأسباب العامة وعن الطريقة المثلى في التشخيص التفريقي.

نتيجة لما ذكر نرى أن معظم العلماء العرب استطاعوا تميز الأسباب العامة والموضعية واختلفوا في ذكر الأسباب فمنهم من كان ذكره موجزاً ومنهم من استفاض في ذكر الأسباب، إلا أنه بالرغم من ذلك لم تذكر كل الأسباب وذلك لكثرتها، وفي هذا المجال نستطيع أن نذكر بدورنا الأسباب المؤدية للبخر.

فالبخر ينشأ من تخمر الفضلات الطعامية المتبقية بين الأسنان وفي الحفرة النخرة بفعل الجراثيم المختلفة فتطلق غازات مثل الأندول والسكاتول والبولتراسين التي تؤدي إلى اكساب الفم الروائح النتنة ويزيد في ذلك الإهمال المتمادي في تنظيف الفم. وتأتي الجراثيم هذه إلى الفم بواسطة الغذاء والهواء وسرعان ماتجد الملجأ الأمين والشروط الحسنة من غذاء وحرارة وملائمة فتتكاثر بسرعة، نذكر من هذه الجراثيم: المكورات العقدية والعنقودية والرئوية والمعوية ومن عصيات لبنية ومغزلية وبريميات.

كما يزيد جفاف الفم من رائحته، لذلك فإن الأشخاص الذين يتنفسون من الأفواه عادة هم الأكثر تعرضاً للبخر من سواهم. وكذلك فالإختمار الحادث في أنبوب الهضم سواء أكان من نتيجة اضطراب الوظيفة أم من اكثار الأطعمة وادخال الطعام على الطعام يؤدي إلى تكون مواد سامة تؤثر في الكبد التي من غريزتها ابادة الجراثيم و السموم واتلافها، فما كان نتاجاتها طيار انطرح عن طريق الرئة فجعل رائحة النفس كريهة وما انطرح منها عن طريق الجلد جعل العرق نتناً، وقد تؤثر هذه النتاجات في الجملة العصبية فتسبب دواراً.

نهج البخر :

يجب أن يعتبر بخر الفم كعرض وليس كمرض، يعاني المصابون بالبخر من إضطرابات اجتماعية، فعلى الطبيب وخاصة طبيب الأسنان أن يعرف الأسباب الموضعية والعامة التي قد تكون مسؤولة عن هذه الحالة.

تختلف رائحة الفم تبعاً لاوقات النهار، وتبعاً لكمية اللعاب المتدفق وعلى الكثافة الجرثومية في الفم، كما تختلف حسب الحالات الغريزية في النساء ولاسيما تلك اللواتي يعانين من إضطرابات سنية أو أنفية، يعانين أيضاً من مذاق كريه في الدم، وتحدث الرائحة الكريهة في حالات نقص سكر الدم وتصحح الحالة مؤقتاً بحقن الغلوكوز، كما تزداد شدة الرائحة مع تقدم العمر حيث تصبح ثقيلة غير مقبولة، وأن الرائحة في الصباح أثقل منها خلال النهار، ويحتمل أن يعود هذا إلى ادخار وتفسخ الخلايا البشرية والبقايا الطعامية والى المحتوى اللعابي المتناقص أثناء النوم الذي يسرع الإختمار، و رائحة أفواه المصابين بالآفات الرعلية أكثر منها في الأشخاص غير المصابين، والرائحة تكون شديدة في الأشخاص الذين لهم حليمات كثيفة مغطية للسان.

أما الروائح الناجمة عن اسباب عامة من خارج الفم فلا يمكن أن تعالج أو تزال بازالة البقايا الطعامية وجعل صحة الفم جيدة. فمثل تلك الحالات يمكن أن تعالج بدراسة وقائية وعلاجية للمريض من قبل الطبيب، وتنجم الرائحة بشكل ثانوي في آفات الرئتين والممرات التنفسية، وغالباً ماتقود هذه إلى بخر فم حقيقي، وهو على كل حال أقل شيوعاً من تلك الناجمة عن اسباب فموية، فالرائحة الناجمة عن الرئتين يمكن أن تراقب بسهولة بجعل المريض يغلق شفتيه ويتنفس من أنفه، فإذا انعدمت الرائحة خلال هذا الإختبار فيعود الأمر غالباً إلى الفم، ويمكن اتمام الإختبار بإغلاق فتحتي أنف المريض ليتنفس برفق من فمه، وتؤخذ نماذج من البقايا من المناطق ما بين السنية وكذلك قطع من طلاء اللسان لاتمام الفحص الشمي. فالرائحة الناجمة عن الرئتين تنجم عن مرور المواد المحدثة للبخر والمنحلة في الدورة الدموية إلى هواء الزفير، قد تكون تلك المواد مشتقة من الأطعمة أو الأشربة (كالكحول والثوم) أو نتيجة استقلاب الأطعمة الناقص. وقد أشارت الدراسات إلى أن رائحة الثوم أو البصل في التنفس تنجم بشكل رئيسي من امتصاصها في الأنبوب المعوي وعبورهما البطيء إلى الرئتين، وقد وجد أن الرائحة الوصفية لهذه المواد تظهر في التنفس وبعد ذلك وبالنسبة للثوم باسفل القدمين وقد درس الباحثون أهمية محتويات المعدة في نماذج من الروائح غير الطبيعية فوجدوا أنه مالم يكن هناك تقيؤ فإن الرائحة لاتخرج من محتويات المعدة مع التنفس، ووجد أن الإمساك المجرب عمداً بجرعات قليلة من الأفيبون لمدة عشر أيام لم ينجم عنه أية رائحة غير طبيعية(16).

وبشكل مختصر نستطيع أن نصنف الأسباب المؤدية لبخر الفم إلى:

1 – أسباب عامة

2 – أسباب فموية

1 – الأسباب العامة وهي:

1 – أمراض الممرات التنفسية العلوية ( زوائد – التهاب اللوزتين – التهاب الجيب الفكي).

2 – أمراض الرغامى والقصبات والرئتين ( التهاب القصبات، خراجات الرئة، الآفات الخبيثة ).

3 – المواد المسببة للرائحة في الدورة الدموية والمطروحة عن طريق الهواء.

أ – الطعام، السوائل، العلاجات، الثوم، الكحول، المركبات المحتوية على اليود.

ب – الإدخار غير الطبيعي للمركبات الطبيعية في الدم (رائحة الامونياك).

جـ – المواد الغريبة في الدم ( الخلون ).

4 – الأمراض الإستقلابية كداء السكري.

5 – أمراض جهاز الهضم ( رتوج المري، القلس، التخمة المعدية، عوز الفيتامين ب، اليرقان ).

6 – أمراض الدم ( ابيضاض الدم )، البولة في الدم.

2 – الأسباب الفموية وهي:

1 – الصحة الفموية السنية وانحصار الفضلات الطعامية في الفم بسبب:

أ – الأسنان سيئة الوضع والأجهزة الصناعية أو التقويمية وأجهزة الكسور.

ب – النخور السنية.

جـ – غياب الحليمات بين السنية لأي سبب كان.

2 – الآفات التموتية وما يتلو الجراحة الفموية المرافقة لنـزف فموي، أو تنخر نسجي لأي سبب مثل التغنفر السكري وسرطان الدم والأورام الخبيثة.

3 – أمراض الأسنان كالنخر السني وتموت اللب، والخراجات السنية.

4 – أمراض اللثة كالتقيح السنخي السني والجيوب الرعلية كمأوى للأطعمة وتخمراتها والإنحلال الجرثومي والقيح.

5 – أمراض الفم كالتهاب الفم القرحي والغنغرينة الفموية ( نوما )(17) .

الوقاية :

لأن الوقاية خير من العلاج لذا أخذت الوقاية حيزاً مهماً واستمدت تعاليمها من الإسلام، وذلك ابتداءً من سنن الوضوء التي أكدت على ابتداء الوضوء بالسواك حيث يقدمه على أفعال الوضوء. ونرى ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك “(18). وقال صلى الله عليه وسلم : “صلاة في اثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة من غير سواك “(19). وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ” متفق عليه(20).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” مالي أراكم تدخلون علي قلحاً استاكوا ” (21). وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب عز وجل ” رواه أحمد والنسائي والترمذي (22).

وعن حذيفة رضى الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك ” متفق عليه (23). وعن شريح بن هانئ قال: قلت لعائشة: رضى الله عنها: بأي شيء يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم، اذا دخل بيته. قالت: بالسواك، رواه مسلم (24).

وقال علي رضى الله عنه السواك يزيد في الحفظ ويذهب البلغم (25) .

وقد نظم بعض الفضلاء خصال السواك في أبيات:

فوائـد الســواك تحـب مطهرة للفم مرضاة للـرب

يفرح أملاكا يغيظ الشيطان يطيب نكهة جلاء الأسـنان

يحـد ابصاراً وتؤتي السـنة يحسن الصوت يزكي الفطنة

يشـد لحم ميت الأسـنان يزيد في فصاحـة اللسـان

يذكـر الميت بالشــهادة ينمي لمن اعتـاده اعـداده

يبطىء الشيب يزيد الاجرا يسـهل النزع يقوى الظهرا

يزيد في العقل على المعتـاد وقاطـع رطوبة الأجسـاد(26)

وعن أنس رضي الله عنه رفعه عليكم بالسواك فنعم الشيء السواك يذهب الحفر وينـزع البلغم ويجلو البصر ويشد اللثة ويذهب بالبخر ويصلح المعدة ويزيد في درجات الجنة ويحمد الملائكة ويرضي الرب ويغضب الشيطان. وذكر الروياني في البخر دعاء السواك فقال: ويقول عند السواك اللهم بيض اسناني وشد به لثاتي وبارك لي فيه ياأرحم الراحمين (27).

وقال عيسى بن ماسوية في تدبير السنة: السواك يجفف اللسان ويطيب النكهة وينقى الدماغ ويلطف الحواس ويجلو الأسنان ويشد اللثة وينبغي أن يستاك كل أحد بما يوافقه ومما ينفع المحرور قضبان الخلاف والذين لثتهم ضعيفة قضبان الطرفاء ويغمس السواك في الماورد ويستن بالصندل الأحمر والكبابة من كل واحد جزء رماد القصب جزء زبد البحر نصف جزء عاقرقرحا وميويزج من كل واحد سدس جزء وقتات العود ثلث جزء فإنه نافع.

هذا وقد ذكرت نصائح أخرى لتلافي البخر ونجد هذا من حديث عمر رضي الله عنه: اياكم ونومة الغداة فإنها مبخرة مجفرة مجعرة، وجعله القتيـبي من حديث علي. وقوله مبخرة أي مظنة للبخر وهو تغير ريح الفم(28).

وفي حديث المغيرة: اياك وكل مجفرة مبخرة يعني النساء (29).

وفي حديث علي رضي الله عنه: رأى رجلاً في الشمس فقال: قم عنا فإنها مبخرة مجفرة تنقل الريح وتبلي الثوب وتظهر الداء الدفين (30).

كما أكدت تعاليم الإسلام على عدم أكل الثوم أو البصل أو الكراث أو غيره مما له رائحة كريهة وذلك عند دخول المسجد وقبل زوال رائحته، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مسجدنا ” متفق عليه (31).

وعن أنس رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا ولايصلين معنا ” متفق عليه (32) .

وعن جابر رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من أكل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا ” متفق عليه (33).

ومن رواية لمسلم: ” من أكل البصل والثوم، والكراث، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم “(34).

وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه خطب يوم الجمعة فقال في خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين: البصل، والثوم. لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به، فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما، فليمتهما طبخاً. رواه مسلم(35).

وذكر داود الأنطاكي بعض من النصائح الواقية للبخر فقال: ” هجر كل ذي ريح كريه كالكراث وما غلظ محموداً كان أو مذموماً كالتمر ولحمر البقر وما يسرع بالتعفن و الفساد كاللبن “(36).

وقد وضع سديد الدين بن رقيقة وصية طبية شملت إرشادات وقائية للصحة فنظمها قائلاً:

توق الإمتـلاء وعـد عنـه وإدخال الطعام على الطعام

وإكثـار الجمـاع فإن فيـه لمن والاه داعيـة السـقام

ولا تشرب عقيب الأكل ماء فتسـلم من مضرات عظام

ولا عند الخوى والجوع حتى تلهن باليســير من الادام

وخذ منه القليل ففيه نفـع لذي العطش المبرح والاورام

وهضمك فأصلحنه فهو أصل وأسـهل بالايارج كل عام

وفصد العـرق نكب عنه إلا لذي مرض رطيب الطبع حامي

ولا تتحركـن عقيب أكل وصير ذاك بنـد الإنهضـام

لئلا ينـزل الكيلوس فجا فيلحج في المنـافذ والمسـام

ولاتدم السـكون فإن منـه تولد كل خلط فيك خـام

وقلل ما استطعت الماء بعد الرياضة واجتنب شــرب المـدام

وعدل مزج كأسك فهي تبقي الحرارة فيـك دائمـة الضـرام

وخـل السـكر واهجره مليـاً فإن السكر من فعل الطعام

واحسن صون نفسك عن هواها تفز بالخلد في دار السلام (37)

ومن أمور الوقاية أيضاً المعالجة الجيدة ووضع التعويضات الجيدة التي من المفترض أن تصبح كجزء لايتجزأ من الوسط الفموي بحيث لا تساهم في إحداث الأمراض وتكون مصدر لإحداث البخر واشار إلى هذه النقطة عدد من الأطباء العرب القدامى وسنذكر هذا في طرق المعالجة المعتمدة من قبلهم والتي قد لا تختلف عن المعالجات الحالية إذا ما رفعنا التطور الحادث في تقنيات المعالجة.

المعالجة :

كان لتعدد الأسباب المؤدية للبخر الأثر في كثرت طرق معالجة البخر، فتناول الأطباء العرب العلاج بحسب السبب بالإضافة لاستعمالهم بعض أنواع الوصفات الطبية والأدوية الخاصة للبخر التي سنأتي على ذكرها.

علاج ماكان سببه من اللثة، يقول في ذلك الطبري: ” فإن كان البخر من استرخاء اللثة وفسادها نفعه الأشياء القابضة الدبّاغة للثة والتغرغر بالعاقرقرحا والمرزنجوش والخل والخردل”(38).

ثم يضيف: ” فإن كان ذلك من اللثة نفعه أن يتمضمض بخل قد طبخ فيه ثمرة الطرفا ويستاك بالفيقرا “(39)، ثم يضيف كاتباً: ” وينفع من استرخاء اللثة ويبيض الأسنان أن يأخذ من رماد القصب وزن ثلثين درهماً، ومن ملح أندراني مقلو خمسة عشر درهماً ومن ثمر الطرفا خمسة دراهم ومن زبد البحر خمسة دراهم ، وحب البان المقشر خمسة دراهم يسحق وينخل ويستعمل. وإن أحببت أن يجلب البلل فزد فيه مويزج وعاقرقرحا من كل واحد خمسة دراهم “(40).

أما الرازي فلم يخض في علاج اللثة رغم أنه ذكر أو شخص سبب اللثة كأحد أسباب البخر عند قوله: ” اللثة التي تنتفخ وتحمر وترم وتتآكل “(41).

وفي هذا ذكر الشيخ الرئيس ابن سينا الشيء الكثير، فكتب قائلاً: ” أما ما كان من اللثة

والعمور فيجب أن يعتنى بتنقية الأسنان دائماً وغسلها بالخل والماء فإن تجمع ذلك فيها ونعمت، وإن لم ينجع بل كان هناك فضل عفونة فيجب أن يمضغ بعد ذلك ثمرة الطرفاء والعاقرقرحا والسذاب والساذج والعود والمصطكى وقشر الأترج والقرنفل وأن يجعل على اللثة الصبر والمر ونحوهما وأن يتمضمض بخل العنصل وأن يتدلك بالأنيسون والطلي أو النبيذ الحلو وإن كان أقوى من ذلك مضغ الميويزج وتقل الريق فإن لم ينجع وظهرت العفونة ظهوراً بيناً أخذ من المزاج المحرق جزأ ومن أصل السوسن والزعفران من كل قرص واحد نصف جزء ، ويعجن بعسل ويقرص ويستعمل ويتمضمض بعده بالخل صرفاً أو ممزوجاً بماء الورد أو يؤخذ دواء أقوى من هذا وهو القرطاس المحرق ثلاثة دراهم ، ومن الزرنيخ درهمان ونصف ، ومسك وسماق وزنجبيل وفلفل محرق أقراص فلدفيون من كل واحد درهمان، يتخذ منه دلوكا ولصوقاً ويجعل عليه خرقة كتان والقلى وحده إذا استعمل على العفونة قلعها واسقطها وأنبت لحماً جيداً وجرب اقافيا زرنيخ أحمر زرنيخ أصفر نوره شب يتخذ منه أقراص بخل ثم يسحق بماء العسل أو طبيخ الأبهل “. ثم يضيف: ” إذا كان هناك استرخاء اللثة وكان السبب حدوث العفونة فعلاجها شدها ” (42).

وذكر في هذا ابن كشكرايا قائلاً: ” فأما الذي يشد اللثة والأسنان يؤخذ فقاح الكرم مع العسل أو الشب يطبخ بخل وعسل ويتمضمض به أو يطبخ به الميويزج بالخل ويتمضمض به “(43).

أما بالنسبة لدواد الأنطاكي فلم يذكر أية معالجة خاصة للثة بل ذكرها في سياق المعالجات الأخرى.

علاج ماكان سببه من الأسنان، فذكر ابن كشكرايا أنه: ” ربما حدث البخر من فساد يحدث في الضرس أو سن متآكل فيجب أن تقلع ذلك الفساد ويصير فيه مايصلح فساده من السنونات ” ، ويضيف أن ” لسواد الأسنان يؤخذ ملح جريش ويعجن بعسل ويشوى على الجمر ويسحق ويخلط مع شيء من المر ويطلا به ثم يتمضمض بعده بشراب يطبخ فيه سوسن إسمانجوني”(44).

وفي ذلك ذكر الطبري: ” وإن كان من فساد الأسنان ويستدل عليه بالصفرة وبالتآكل وبالحفر يقطع السن العفنة منها ويبرد المتآكلة بالمبرد ليستوي أطرافها “(45) ، ثم يضيف وينصح باستعمال السنونات فيقول: ” سنون يجلو الأسنان ويطيب النكهة، يؤخذ دقيق الشعير وملح من كل واحد وزن ثلثين درهما، يدق ويلت بالقطران ويحرق ويدق بعد الحرق ناعماً وينخل ويعزل، ثم يؤخذ ويلت بخل خمر ويحرق ثم يدق أيضاً ثانية وينخل ويخلط بالدواء الأول ويلت جميعاً بالميسوسن ويستعمل “(46)، ثم يضيف ” وينفع الأسنان المسترخية ويشدها ويقطع الدم السائل منها أن يؤخذ شيء من فقاح الكرم، ويدق ويخلط مع العسل وتطلى به اللثة، آخر يشد الأسنان، يؤخذ شيء من شب ويطبخ بعسل وخل ويتمضمض به ” (47).

كما تحدث الطبري عن عملية تنظيف الأسنان من القلح ومايسمى اليوم بتقليح الأسنان فذكر في هذا الصدد مايلي: ” أما جرد الأسنان فأعلم أن الأسنان قد تعلوها من داخل وخارج قشور خشنة قبيحة المنظر وقد تسود وتصفر وتخضر حتى يصل ذلك الفساد إلى اللثة وتتغير لأجله رائحة الفم، وفي مثل هذا الوقت ينبغي أن ينقى البدن ثم الرأس، ثم بعد ذلك تجرد وهو أن يجلس العليل ويجعل رأسه في حجر الجارد، ويجرد الأسنان من جميع جوانبها حتى ينقى جميعها “(48).

أما الرازي فقد أوصى بدلك الأسنان بمواد ذات طبيعة خشنة قاسية تساعد على تنظيف الأسنان حيث قال : ” دلك الأسنان بالأدوية الجلاءة مثل الملح الممزوج بالعسل”(49). إلا أن الرازي لم يتعرض لذكر تقليح الأسنان بالمجارد. بينما برع الزهراوي في وصف الأدوات والآلات اللازمة لجرد الأسنان، وصور في كتابه أربعة عشر مجرداً تستعمل لهذا الغرض، لاتختلف في أساس تصميمها عما نستعمله اليوم. وقد عبر عن ذلك بقوله: “وأعلم أن الضرس يحتاج إلى مجارد مختلفة الصور كثيرة الأشكال على حسب مايتهيأ لعملك من أجل أن المجرد الذي يجرد به الضرس من داخل غير المجرد الذي يجرد به من خارج، والذي يجرد به بين الأضراس على صورة أخرى ” (50) . واستطاع الزهراوي أن يصف عملية التقليح للأسنان بطريقة بارعة وفي ذلك يقول: ” وتجرد الأضراس والسن الذي ظهر لك فيه القشور والشيء الشبيه بالرمل حتى لايبقى منه شيء وكذلك تفعل بالسواد والخضرة والصفرة وغير ذلك حتى تنقى، فإن ذهب مافيها من أول الجرد وإلا فتعيد عليه الجرد يوماً آخر وثانياً وثالثاً حتى تبلغ الغاية فيما تريد ” (51). كما وصف الزهراوي طريقة صنع الجبائر السلكية وصفاً مستفيضاً جيداً، ويشرح خطوات العمل بشكل عملي بارع في حين أن سابقيه من الأطباء العرب اكتفوا بذكرها دون أي شرح أو تفصيل. وفي ذلك ذكر ابن سينا قائلاً: ” أما إن كانت العفونة في نفس السن فدواؤه حكها إن كانت في الطرف أو بردها بالمبرد أو قلع السن إن كانت العفونة تلي أصل السن” (52). وعن ذلك قال داود الأنطاكي: ” لوزم على التمضمض بخل طبخ فيه الآس والعفص والورد والصندل والصعتر والفوفل والبسبابه والسنبل طبخاً جيداً فإنه مجرب ، فإن كانت الأسنان مسودة أضيف العنصل أو كانت عفونة فالقلى”(53). ثم يضيف: ” أما الكائن عن تآكل الأسنان فعلاجه قلعها ” (54).

علاج ماكان سببه التهابات في الأنسجة المحيطة بالأسنان كجلدة الفم واللسان وباطن الخد، فقد تناول معالجة هذه الإلتهابات معظم الأطباء العرب القدامى. فذكر ابن كشكرايا معالجة البثور فقال: ” وماينفع من البثر في الفم يؤخذ طين أرمني وفوفل وسماق وكافور وزعفران يدق ويلصق على البثر ويتمضمض بعده بالماء ورد” (55). بينما يذكر ابن زهر القلاع وعلاجه فيقول: “ومن أمراض الفم القـلاع وهو مؤلم وإن كان حقيراً فالتمضمض والتخفيف بدهن حـب البلوط يرفعه” (56). وفي هذا المجال ذكر الطبري بثر الفم وعلاجه فقال: ” فأما بثر فإن كل من دم حار نفعه أن يؤخذ طين أرمني ثلاثة أجزاء ، ومن الفلفل جزءين، من سماق ثلاثة أجزاء، كافور جزء ، زعفران جزء ، يدق وينخل ويلصق على البثر ويتمضمض بعده بماء الورد وماء الكزبرة اليابسة المطبوخة مع السماق ” (57). ويعود ويذكر أمراض اللسان فيقول: ” فأما مايعرض في اللسان إذا عرض فيه ورم ووجع مع امتلاء في الجسد ولم يكن مانع فافصد الأكحل لمن عرض له ذلك، ثم إسق بعد ذلك الأدوية المسهلة على حسب مايظهر لك من العلة وعالج الضد بالضد، فإن وجدت في اللسان إمتلاء ورأيته لايسكن فاقطع العرق الذي تحت اللسان وغرغر صاحب هذه العلة بالعاقرقرحا والصعتر والحبق مع أيارج فيقرا وأسعطه بسعوط طيب الرائحة لطيف بلبن أمرأة ترضع جارية ” (58). ثم يضيف: ” فإن عرض في اللسان قروح وبثر فليكن مايسقى من ذلك على قدر ماترى وعلى حسب مزاج اللسان، فإن كان العارض فيه قروح فليمسك من به ذلك في فيه ماء الأدوية المنقية، كعصير التوت وماء السماق المطبوخ أو ماء الآس المطبوخ أو ماء ورق الزيتون أو ماء العدس أو ماء الورد أو ماء الخلاف المطبوخ، فإن كان العارض في اللسان مع القروح ورم فليضع عليه من هذا المرهم الذي نصف، يؤخذ من ماء عنب الثعلب قدر سكرجة ونصف، ودقيق عدس نصف سكرجة ، ومن دهن الورد نصف سكرجة، ومثقالان زعفران، يخلط الزعفران والعدس مع صفرة بيضتين ويداق في ذلك الدهن والماء ويخلط حتى يصير كهيئة المرهم، ويطلى على اللسان، وإن أحببت صيرت معه شيئاً من ورد مطحون إن شاء الله وبه الثقة ” (59). أما ابن سينا فقد شمل أمراض أجزاء الفم مع المعدة فقال: ” إن كان الخلط صفراوياً عفن في المعدة أو في جلدة الفم فلا شيء أنفع له من المشمش الرطب على الريق وكذلك البطيخ أو الخيار أو الخوخ وإذا لم يحضر المشمش أو الخوخ الرطب استعمل نقوع القديد ومنهما على الريق وخصوصاً قديد المشمش ومما ينفع من ذلك استعمال السويق بالسكر وماء الثلج واستعمال حبوب صبرية ويجعل غذاءه كل غسال مبرد غير مستحيل إلى الصفراؤان” (60).

علاج ماكان سببه المعدة ، يقول ابن كشكرايا: ” ربما حدث البخر من بلغم قد فسد وبقي في المعدة وعلاجه يكون بالقيء بأن نأكل السمك المملوح قبل القيء ولا نشرب الماء حتى نعطش عطشاً شديداً ثم نشرب مايهيج القيء كالشب والفجل المطبوخ وبزر السرمج وجوز القيء والكنكرزد والملح الأندراني فإنه يخرج ذلك البلغم العفن ثم نستعمل بعد ذلك شرب الصبر والأيارج فيقرا أو الفنجنكوش ويستاك الأيارج فيقرا فإنه ينقي المقدة، ويجب أن يسقى أيارج فيقرا معجوناً بالعسل محمى أياماً حتى يصير الأيارج والعسل على مثال المعجونات يسقى منه وزن درهمين فإنه ينقي المعدة، ويسقى حب الصبر والمصطكى وحب الفوفل ” (61). وهو حب ينفع من البخر ويسمى حب المسك سنذكره ضمن الأدوية النافعة للبخر. وفي هذا ذكر الطبري: ” فينبغي إن كان من المعدة أن ينقى المعدة بأيارج الفيفرا أو الفجنكوش أو يتغرغر بغرور فيه العاقرقرحا وأهليلج أصفر ” (62). ثم يضيف قائلاً: ” وإن كان من بلغم في المعدة أستُعمل القيء بعد الطعام ويشرب أيارج الفيقرا وحب الأفطمخيقون ويأكل الصحناه فإنها تجلو المعدة لملوحتها ويستعمل شرب الهليلج الكابلي ومصطكى ونانخواه وقرنفل وقاقله ” (63). ويتناول الطبري ذكر حب نافع للبخر سنذكره لاحقاً ثم يضيف: ” ويجتنب من كل شيء سريع العفونة ” (64). ويعود فيذكر: “وينفع من البخر إذا لم يكن من الأنف وكان من عفن في المعدة أن تأخذ من الزعفران والقرفة والهال ودار صيني وقاقله من كل واحد وزن درهمين، ومن المسك وزن دانقين، كافور وزن دانق ونصف، وعفصة غير مثقوبة “حبة ” يدق كل واحد على حدته ويعجن بخل خمر ويجعل حباً مثل الحمصة ويجفف في الظل ثم يسحق واحـدة ويدلك به الفم ويأخذ واحدة تحت اللسـان عند النوم ” (65) . وكما ذكرنا فقد ربط ابن سينا معالجة البخر الناجم عن خلط صفراوي عفن المعدة مع البخر الناتج عن جلدة الفم وذكرنا هذه المعالجة سابقاً إلا أنه فرّد معالجة البخر الناتج عن المعدة الذي سببه خلط بلغمي فقال: ” إن كان لخلط بلغمي إستعمل القيء أولاً وإستعمل الأيارجات المنقية لفم المعدة “. ويتابع قائلاً: ” وإستعمل الأطريفل الصغير والزنجبيل المربى والصحناة خاصة ويجعل غذاءه المطبوخات ويقل شرب الماء الكثير ويهجر الفواكه و البقول الرطبة ويتخذ مساويكه من الأشجار المرة والمقطعة مثل الأراك والزيتون ومما ينفعهم من الأدوية أن نأخذ كل بكره من ورق الآس مع مثله زبيب منـزوع العجم كالجوزة أو مثل ذلك من جوز السرو والأبهل والزبيب وينفعهم حب السنوبر وأيضاً حب القوفل ” (66). أما دواد الأنطاكي فقد شمل أمراض المعدة مع أمراض الصدر وقال في هذا: ” أو كانت من متعلق الصدر والمعدة نقياً بالمطابيخ المشتملة على السوسن والبرشاوشان والصندل والأنيسون والبزر المقلي ثم السكنجبين المصنوع من الخل المذكور فإنه غاية من مجربات الخزائن ومن الأدوية النافعة أن يؤخذ المسك والقرفة والقرنفل والسعد والسنبل وقشر الأترج والجوز بوا والعود و القاقلى بالسواء، وتعجن بماء الورد حل فيه مسك وتحبب، ومما جربناه أن يؤخذ عاقرقرحا لأذن صمغ عربي صنوبر مصطلى قرنفل عود كزبرة سواء ، تسقى بماء العنصل حتى تشرب ثلاثة أمثالها ثم تعجن مع الصمغ والنشا، وتحبب وهي من المعربات من محببات اليونان ( ومن الخواص في الحار ) أكل البطيخ والمشمش والخوخ وفي البارد الأطريفال ومربى الزنجبيل ” (67).

علاج ماكان سببه من الأنف، يذكر الطبري في هذا : ” وإن كان من نتن الأنف ومن نبات اللحم في الأنف عولج بقطع ذلك ثم بالمرهمات التي تلحم القطـع، وإن كان من تجلب شيء فنتن من الرأس إلى الأنف عولج بأن يكوي كية على وسـط الرأس لتحتبس عنه تلك المادة ثم يأخذ من ورد الآس وقصب الزريرة ومن الكافور وإقلي الذهب ملح أندراني من كل واحد وزن قيراط يسحق ذلك نعماً ، وينفخ منه من الأنف كل غداة ” (68). أما الزهراوي فقد وضع وشرح عملية قطع الزوائد الأنفية وعني بالجراحة. بينما دواد الأنطاكي قد شمل علاج البخر الناجم عن الأنف مع علاج البخر الناجم عن أجزاء الفم فقال : ” فعلاج الكائن منها من الأنف وأجزاء الفم كلها تنقية الدماغ بالأيارجات البحته إن كثر الريق والدلاعة واللزوجة وقل العطش والأمزجة بالسقمونيا لكونه حينئذ عن الصفراء ، وإن غلب الجفاف مع طعم الحموضة والعفونة فنحو اللازورد والأفتيمون فإذا حصل النقاء لوزم على التمضمض بخل طبخ فيه الآس والعفص والورد والصندل والصعتر والفوفل والبسبابه والسنبل طبخاً جيداً فإنه مجرب ” (69).

علاج ماكان سببه التهاب الأنسجة الداعمة، فبعد جرد الأسنان وعندما تكون الأسنان متحركة أكد الأطباء العرب على ضرورة وضع الجبائر السلكية الذهبية بالإضافة إلى الجراحة اللثوية وفي هذا الصدد ذكر الزهراوي قائلاً: ” إذا عرض للأضراس القدامية تزعزع يتحرك عن ضربة أو سقطة وعالجتها بالأدوية القابضة وينجع فيها العلاج بالجملة فوجد فيها أن تشد بخيط من ذهب أو فضة والذهب أفضل من الفضة فالفضة يتزنجر ويتعفن بعد أيام والذهب باق على حاله ابداً لايعرض له ذلك ويكون الخيط متوسط الدقة والغلظ على قدر كما يتسع بين الأضراس المتحركة ” (70). كما ذكر الزهراوي طريقة الإستئصال الجراحي للضخامات اللثوية أو فرط التشكل اللثوي فيقول: “كثيراً ماينبت على اللثة لحم زائد، فينبغي أن تعلقه بصنارة أو تمسكه بمنقاش وتقطعه عند أصله، وتترك المدة تسيل أو الدم، ثم تضع على الموضع زاجاً مسحوقاً أو أحد الذرورات القابضة المجففة، فإن عاد ذلك اللحم بعد العلاج، وكثيراً مايعود، فإقطعه ثانية وإكوه فإنه لايعود بعد الكي ” (71).

فنلاحظ هنا أن الأطباء العرب القدامى طبقوا مقولة أن آخر العلاج الكي، ونراها مطبقة كذلك عند الطبري ولكن دون أي تفصيل وبشكل مقتضب فقال : ” ويكوى أصول اللثة بالكي” (72). أما الرازي فقد تميز بوصف استعمال الجبائر السلكية الذهبية كعلاج فعال وينصح بها عندما لاتنجح المعالجة اللثوية بالطرق المختلفة ويقول عن ذلك :”إذا لم ينفع شد اللثة وبقي السن متحركاً فإكو أصله وشده بسلسلة ذهب”(73). ولعل أكثر من تعرض لعملية الكي الحراري اللثوي هو الزهراوي ، ووصف بعد ذلك الغرغرة بماء الملح ، وقد خصص لها الفصل العشرين بكتابه التصريف لم عجز عن التأليف بعنوان “في كي الأضراس واللثات المسترخية” وقد ذكر هذه المعالجة إذا لم ينجح العلاج بالأدوية ويخلص إلى النتيجة التالية بعد عملية الكي الحراري فيقول : “فإن الضرس المتحركة تثبت واللثة المسترخية تشتد وتجف الرطوبة الفاسدة” . كما خص الزهراوي علاج الناصور بالكي فقال :” إذا عرض في أصل اللثات أو في الحنك أو في أصول الاضراس ورم ثم قاح وانفجر وصار من جرى القيح ناصور ثم عالجته فلم ينجع فيه العلاج فيبقى أن تحمى مكواة على قدر ما يسع في الناصور ثم تدخلها حامية في ثقب الناصور وتمسك يدك حتى تصل الحديدة محمية إلى غوره وآخره وتفعل ذلك مرة أو مرتين ثم تعالجه بعد ذلك بما ذكرنا من العلاج إلى أن يبرأ إن شاء الله . فإن انقطعت المادة وبرئ وإلا فلا بد من الكشف على المكان وينزع العظم الفاسد “(74) .

علاج ما كان سببه الصدر ، في الواقع لم يرد ذكر أي علاج حتى أن داود الأنطاكي ذكر : “ما حدث عن قروح القصبة آخر السل فلا علاج له” (75).

هذا وقد ذكر الأطباء العرب القدامى أدوية خاصة تنفع البخر ووصفوا لها المقادير ، فذكر ابن التلميذ في الاقرباذين صفة نوعين من الحبوب ، الاول : ” صفة حب للبخر من الذخيرة عود ني وقرنقل ومصطكى بالسيوقة تدق ويعجن بصمغ محلول بشراب ريحاني ويحبب ويجفف ويوضع في الفم فإنه نافع بإن الله عز وجل “(76) . والثاني : “صفة حب البخر ويطيب النكهة سعد وقشور الأترج مجفف وورد يابس وفقاح الأترج مجفف من كل واحد خمسة دراهم، عود درهم ، كافور دانقين ، تسحق الأدوية ناعماً ويعجن بشراب أو بماء الورد ، هذا للحار المزاج والبارد المزاج يحذف الكافور ويجعل عوضه مسك وسنبل الطيب وقرنفل من كل واحد بقدر الحاجة ويمسك في الفم نافع” (77) . وعن ابن كشكرايا فذكر حب ينفع من البخر ويسمى حب المسك فقال في وصفه:”فوفل وقرنفل وخولنجان من كل واحد درهم ، مسك وكافور من كل واحد دانقين، عاقرقرحا درهم، صبر ثلاثة دراهم ، خردل درهم، تدق وتعجن بطلي ويستعمل حب ويعطى منه كل يوم خمس حبات على الريق بطلي عتيق”(78) .

وذكر ابن سينا حب للبخر ووصفه بقوله :” يؤخذ فوفل وقرنفل وخولنجان من كل واحد نصف درهم، مسك كافور من كل واحد دانق، عاقرقرحا درهم، صبر ثلاثة دراهم، خردل درهم، يتخذ حباً بالطلي والأدوية البسيطة المجربة فهي مثل الكندر والعود الهندي والقرفة وقشور الأترج والورد والكافور والصندل والقرنفل والكبابة والمصطكى والبسبلة وجوز بوا وأصل الأذخر والأرمال والاشنه وأظفار الطيب والقاقلة والفلنجشك وورق الأترج والسنبل والنارشك والزنجبيل وسائر ما تجده في الالواح المفردة ومما يعجن به الأدوية الميبة والميسوسن وعصارة الأترج “(79).

وذكر داود الأنطاكي صفة حب للبخر فقال : “إن لمطلق البخر ورق الآس وجوز السرو والصندل والعود والافسنتين معجونة بالزبيب والعسل وقد يضاف السذاب والنعنع أو النمام “(80).

في الواقع إن كثرة الأسباب التي تؤدي للبخر منحت المعالجة شمولية كاملة وبما أنه في القديم لم يكن هناك تخصصات دقيقة فكان لزما على الطبيب أن يعالج كافة الأمور معتمداً على نفسه فقط دون اللجوء إلى أطباء آخرين الأمر الذي ساعد في اتساع القاعدة العلمية ووضع الأسس والقواعد العملية لطرق المعالجة ولكن ظلت هذه المعالجات دون تطور لتقنية المعالجة بسبب عدم التخصص في المجالات المختلفة ، ومن هذا نستطيع القول بأن الأطباء العرب القدامى وضعوا الاسس والقواعد لكافة المعالجات، وزاد الأطباء اللاحقين وخاصة بعد ظهور التخصصات الدقيقة بتقنية المعالجات . كما أضحى لوجود هذه التخصصات تشعب للمعالجين باعتبار أن البخر هو عرض لمرض ، فكل سبب من الأسباب التي ذكرناها يتوجب على الطبيب المختص معالجته.

وخلاصة للمعالجة نستطيع أن نخلص إلى تقسيم المعالجة للبخر إلى :

1 – وقائية .

2 – معالجة الأسباب العامة .

3 – معالجة الأسباب الفموية .

4 – إعطاء مضادات للبخر .

1 – الوقاية : إن ما ذكرناه سابقاً تحت عنوان الوقاية يعتبر سبباً مهماً لانعدام البخر.

2 – معالجة الأسباب العامة : وهنا يتدخل الطبيب المختص كل على اختصاصه فلمعالجة :

I – أمرض الممرات التنفسية العلوية :

أ – الزوائد : تزال جراحياً (غالباً ) بعد فشل المعالجة المحافظة .

ب – التهاب اللوزتين : إعطاء الصادات الحيوية المناسبة.

جـ – التهاب الجيب الفكي : تكون معالجته بحسب السبب، فإذا كان السبب ذا منشأ أنفي، فلا شك بأن ذلك يعود للاختصاصي بالأنف، أما إذا كان السبب ذا منشأ سني كسن عفنة مثلاً ، فيجب أن تزال هذه السن بالقلع الذي قد يعقبه انفراغ السوائل أو الصديد عبر الفوهة الفموية الجيبية مكان القلع . يحسن استعمال محلول دافئ للغسيل، ولكن في بعض الاحوال فإن الغسيل عن طريق السنخ المفتوح للجيب لا يكون كافياً فيجب عندئذ أن يجري التفجير الجراحي وذلك بثقب الجدار الحبيـبي الانفي والغسيل، ويجري ذلك تحت التخدير الموضعي في مخاطية الانف ، وتفتح تحت القرين السفلي . إذا أعقب الفتحة الفموية الجيبية ناسور مستمر تفرغ بواسطته المفرزات فيجب أن يغلق هذا الناسور جراحياً وتعطى المرديات ومسكنات الألم وينصح المريض بالراحة. هذا بالنسبة لالتهاب الجيب الفكي الحاد (81) . أما التهاب الجيب الفكي المزمن فعلاجه إزالة السبب كذلك، فإذا كان سناً ما فيجب قلعه ويجب إزالة الانتان الذروي وكل العظم المصاب . وأن يزال كذلك الجزء المؤوف أو جميع الغشاء المخاطي الحبيـبي من خلال فتحة جراحية في منطقة الحفرة النابية (بعملية كولدويل لوك) إذ يتم فيها التفجير من خلال فتحة تصنع في الجدار الانفي الحبيـبي . هذا وقد ينجم عن هذه العملية خدر الأسنان واللثة فترة من الوقت، وهذه تحدث بنسبة تقارب 11 حالة في كل 18 عملية. ويعطى المريض المضادات الحيوية والمسكنات والمعالجة الداعمة لصحته العامة(82) .

II – أمراض الرغامى والقصبات والرئتين :

أ – التهاب القصبات الحاد :

راحة في السرير مع الإمتناع التام عن التدخين .

مشروبات ساخنة مثل الشاي والقهوة للمساعدة على التقشع .

تبخيرات من الكافور والمانيتول عدة مرات يومياً .

عندما يكون السعال منهكاً وغير منتج يعطى شراب يحوي الكودئين، أما إذا كان منتجاً فيعطى شراب يحوي مقشعاً كالديفينهيدرامين 25 مغ 3 مرات يومياً.

توصف الصادات في الحالات الشديدة فقط أو التي أصيبت بخمج ثانوي وعند الأطفال، فيعطى الأمبيسيلين 500 مغ كل 6 ساعات أو الأموكسيسيلين 250 – 500 مغ كل 8 ساعات .

خافضات الحرارة كالباراسيتامول عند اللزوم (83) .

ب – خراجات الرئة :

إعطاء مركبات البنسلين زرقاً كالبنسلين ج 600 الف وحدة عضلياً كل 6 ساعات أو الامبيسيلين 1غ/6 ساعات أو يعطى الإريثروميسين 500 مغ/6 ساعات إذا كان المريض متحسساً للبنسلين .

يمكن اعطاء الكلينداميسين 150-300 مغ /6ساعات (وللاطفال 8 – 16مغ/كغ/يوم ) .

إذا تحسن المريض نستمر بالمعالجة مدة 1 – 2 شهراً .

إذا لم تتراجع الحمى خلال أسبوعين من المعالجة، أو كان قطر الخراجة أكبر من 6 سم ، أو كان جدار الجوف سميكاً جداً، فيجب التفكير بالإستئصال الجراحي (84).

جـ – الآفات الخبيثة :

الكشف المبكر والإستئصال الجراحي قبل حدوث النقائل .

جرعات صغيرة من الأدوية السامة للخلايا مع معالجة شعاعية تفيد كمعالجة داعمة وملطفة.

ينصح بإجراء صورة للصدر كل سنة للمدخنين بعمر فوق الـ 40 سنة وذلك كإجراء وقائي (85) .

III – المواد المسببة للرائحة في الدورة الدموية والمطروحة عن طريق الهواء :

يمكن تفادي هذا الأمر بعدم تناول المواد والاطعمة المسببة للرائحة مثل الثوم والكحول و …… الخ

IV – الأمراض الإستقلابية كداء السكري :

تستطب المعالجة الفورية والجدية بالسوائل الوريدية والأنسولين في حال وجود حماض كيتوني.

تستطب المعالجة بالأنسولين ايضاً، عند عدم وجود حماض، بينما يوجد فرط سكر الدم المترافق مع نقص الوزن وبداية سريعة للأعراض والتجفاف (86).

V – أمراض جهاز الهضم:

أ – رتوج المري:

يخف خطر الإصابة بالتهاب الرتج

 

د. عبد الناصر كعدان

د. حسام سامي قلعه جي

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *