الاستنساخ البشري في مثلث العلم والفلسفة والأخلاق

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 حصل ما كان متوقعا، فقد تم الاعلان في امريكا عن الوصول وللمرة الاولى الى خلايا بشرية بواسطة الاستنساخ الجسدي، وحسب تصريحات الطبيب الايطالي (سيفرينو انتينوري) فنحن نتوقع رؤية اول انسان يأتي الى العالم مع صيف 2002 بغير طريقة الانجاب التقليدية، هذه المرة سيتم الانجاب خلافا لما حصل للكائنات منذ 530 مليون سنة وينفك التكاثر عن الجنس، ولكن لماذا كان الاستنساخ الانساني، موضوعا في غاية الخطورة؟ في الواقع عندما اعلن (ايان ويلموث) من (ادنبرة) في (اسكتلندا) عام 1997 عن مجيء النعجة (دوللي) للعالم بالطريقة الجديدة كان اعلانا ثوريا في ثلاثة اتجاهات العلم والفلسفة والاخلاق: اولا: بخرق قانون الطبيعة بقانون جديد، وثانيا: ان الطريق الى الاستنساخ الانساني اصبح قاب قوسين او ادنى والمسألة لا تعدو عن كونها وقتا، فطالما كان الانسان في كيانه البيولوجي من عالم المخلوقات فلن يشكل شذوذا وينطبق عليه ما ينطبق على النعاج والفئران والقطط، وثالثا: وهو الاهم والثوري ان يد الانسان كانت تبحث في الطبيعة فامتدت لكشف قوانين المادة اما هذه المرة فلقد دخلت الى الانسان نفسه في عمق تركيبه وسر خلقه، كان الانسان يبحث خارج نفسه فانقلب ليكتشف ذاته، لقد كان القرن السابق قرن تفكيك كل شيء، من الذرة الى المجرة، ومن اعقد الكائنات الى ابسط التراكيب العضوية، ومن بدء الزمن الى مصير الكون، وهكذا تم تفكيك الذرة الى ما تحت البناء الذري ليصل العلم الى الكواركز واللبتونات: ووصل (احمد زويل) الى الفمتو ثانية في اجزاء خيالية من تفكيك وحدات الزمن، وفكك (ماكس بلانك) وحدات الطاقة الى رزمات شبه لا نهائية بميكانيكا الكم، ووصل (اينشتاين) الى تجميد الزمن من خلال سرعة الضوء، ووصل (كريج فنتر) الى غاية التشريح الانساني بفك الجينوم الوراثي.

وفي التاريخ عرفنا عمر الارض انه 4.6 مليار سنة، وبدء نشأة الحياة قبل 3.8 مليار سنة، وكيف انفجر الكون قبل 15 مليار سنة في انفجار عظيم بعد ان لم يكن شيئا مذكورا، وتشكل بعد الانفجار كل ما نعرف من مادة وطاقة وزمان ومكان وقوانين.

مع الاعلان الجديد وصلت يد العلم الى الاستنساخ الانساني على صورة خلايا وليس امامها سوى قفزة صغيرة للوصول الى انسان جديد مستحدث، كما حدث للنعجة (دوللي) التي جاءت من ثلاث امهات بغير اب واحد، والعلم ينمو بهذه الطريقة من المراقبة والحذف والاضافة والتراكم المعرفي، وكثير من الامور تم الوصول اليها كناتج ثانوي من مراقبة ظاهرة لشيء مختلف، والفياجرا اكتشف اثرها في معالجة العنة وكانت بالاصل مخصصة لمرضى القلب، وفي قصة الاستنساخ التي بين ايدينا تم الكشف عن الرحلة التطورية واسرارها عند الجنين.

ان الخلية سواء كانت ملقحة بالطريق العادي او الاستنساخي تتكاثر على شكل سلسلة هندسية: 1 ـ 2 ـ 4 ـ 8، فاذا امسكنا بالخلية الملقحة العادية عند الانقسام الثالث عند الرقم 8 فيمكن المحافظة على متابعة رحلة التخلق بخلية واحدة فقط، وحفظ الخلايا السبع الباقية في سائل الازوت في درجة حرارة 160 تحت الصفر في رحلة تقترب من الابدية حتى عشرة آلاف سنة، كما يمكن استدعاؤها للحياة في اي لحظة حالما تودع الكفن الجليدي الى ربيع الحياة ودفئها، وهذه الطريقة من امكانية تكرار انتاج نسخ اصلية من الكائن الذي خرج للحياة هي الاستنساخ الجنسي، اما رحلة التكاثر فهي تمر طبقا عن طبق خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث، وعند اليوم السادس من التلقيح تتكور الخلايا مشكّلة كيساً، تنتأ في طرف منه مجموعة متراكبة من الخلايا في 140 خلية، وحتى اليوم 16 لا تتمايز الخلايا وتتمتع بصفتين مدهشتين، الاولى: انها خلايا خالدة، وانها متشابهة وغير متخصصة فلا تعرف خلية عن خلية، ثم يحصل الانقلاب العظيم، حيث تبدأ وتحت تأثير سر مغيب في التحول وكأنها فريق مسرحي متشابه بدأ كل منها في التنكر بملابس جديدة من ملك وخادم وجندي، كذلك تفعل الخلايا تحت وحي خفي ومن خلال لغة كيماوية لم يحط الطب حتى اليوم بأسرارها، عند اليوم 16 تتشكل ثلاث طبقات من الخلايا: الخارجية تشكل الدماغ والجلد والحواس والغدد العرقية، والطبقة الوسطى تكون العضلات والعظام، والطبقة السفلية تظهر الرئتين والكبد والمعثكلة والامعاء، كل قد علم صلاته وتسبيحه، كل بقدر وسرعة محسوبة وتكاثر مدروس وكل خلية تذهب لتأخذ موضعها مع بقية الخلايا في سيمفونية مدهشة وموسيقى عذبة.

والقرآن الكريم ذكر هذا التتابع في رحلة التطور من (نطفة) في قرار مكين ثم خلقنا النطفة (علقة) فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما (كلها بمترادفات سريعة من حرف الفاء) وبعدها تأتي المرحلة الحاسمة بتعبير، «(ثم) انشأناه خلقا آخر، فتبارك الله احسن الخالقين»، وهذا يعني ان رحلة الخلق التطورية (وقد خلقكم أطوارا) تمر في مرحلة بيولوجية (غير انسانية) لتقفز بشكل نوعي لاحقا الى التميز الانساني، وهو الاشكال الذي يقع فيه بين من يخلط بين «الحياة» العادية ومرحلة «الروح» الانسانية او بتعبير الحديث (ثم ينفخ فيه الروح)، هذه القفزة النوعية هي التي تميز الانسان بـ (النشأة الآخرة).

ومن اجمل ما اكتشف العلم في رحلة الخلايا الجذعية انها تتحول على نحو ساحر بسر مغلق الى 210 انواع من الانسجة تضم 70 مليون خلية في نواة كل خلية 23 زوجا من الكروموسومات تضم ثلاثة مليارات من الحمض النووي، ويتم اخذ نسخ (كوبي) من مائة الف من الجينات ويزيدون بمعدل 500 بليون نسخة في الثانية الواحدة من دون خطـأ واحد. وتتكاثر الخلايا على نحو مذهل وبتنسيق مشترك بين كل خلايا الجسم، فالكل يعرف الكل، كما وصف الله الملائكة، وما منا الا له مقام معلوم وانا لنحن الصافون وانا لنحن المسبحون، فالخلايا العصبية مثلا تتكاثر بمعدل 400 خلية في الثانية الواحدة او 24 الفا في الدقيقة لتصل في النهاية الى اكثر من مائة مليار خلية عصبية تعمل كماً واحدا في قبضة متناسقة، ولقد حاول العالم (جيمس طومسون) من جامعة (فيسكونسين) لمدة 17 عاما اكتشاف هذه الكيمياء السحرية التي تقلب الخلايا الجذعية المتشابهة الى متخصصة بحيث يندفع سرب ليشكل الكبد، او يختار فريق تكوين عضلة القلب، او تنفرد جماعة بتشكيل الدماغ.

الواقع انه يمكن الاستفادة من نفس التقنية لشفاء العديد من الامراض، فتؤخذ مجموعة من الخلايا الجذعية، ثم مخاطبتها باطعامها بمادة تشتهيها تقنعها بالمضي في انتاج خلايا عضلة قلبية فتؤخذ وتزرع في قلب معتل فينشط من اعتلال، او مريض باركنسون فيتوقف عن الارتجاج، او مريض سكري فيتحرر من العفن، بل وحتى يمكن للمشلولين ان ينهضوا بزرع اماكن الاصابة بخلايا عصبية تأخذ وظيفة الخلايا التالفة، انها فتح جبار في عالم الطب والشفاء.

وهكذا تم الاستفادة من تقنية الاستنساخ الجسدي كما شرح (خوزيه سيبيلي) من معهد التكنولوجيا المتقدمة للخلايا ACT من (ماساشوست) عندما فاجأ جمهور الصحافيين انه اخذ خلية كشطها من باطن فمه ثم قام بانتزاع المادة الوراثية منها ثم حقنها في بويضة مفرغة من مادتها الوراثية، لكن (الصدمة البيولوجية) كانت للملأ حينما اخبرهم انه كسر الحواجز بين الانواع فزرعها في بويضة بقرة، ويذكر (عبد المحسن صالح) في كتابه (التنبوء العلمي ومستقبل الانسان) ما هو افظع من هذا حينما دمجت المادة الوراثية لفأر مع الانسان وكانت النتيجة لصالح فأر الحقل حينما قرض الكروموسومات البشرية فذاب الانسان وبقي الفأر، ويجب ان نشير الى ان الفتح العلمي الجديد نجح بخلايا بشرية، اما تجربة كسر الحواجز فماتت بعد عدة انقسامات، ولكن العلم يجرب ويجوب دوما فضاءات معرفية جديدة.

ان البعض يظن انه يمكن فرملة العلم بقذفه بالهرطقة والمروق كما فعلت الكنسية من قبل فأحدثت شرخا لم يلتئم حتى اليوم وجندت كل النصوص والادلة العقلية والنقلية لهرطقة جاليلو وحرق جيوردانو برونو واختفاء ديك ارت الى الظل وان يكتب سبينوزا كتبه بما يشبه الاحاجي.

عندما ولدت (لويزا براون) كأول طفلة انابيب ارتج العالم وظنوا ان السماوات انشقت واليوم يركض الآباء لتطبيق هذه الطريقة بكل توسل، وعندما تقدم (كارل جيراسي) بمانعات الحمل ذعر الناس من دخول آخر الزمان وان النساء يمكن ان تمارس الحرام وهن لا يخشين الحبل، واليوم تتناول النساء مانعات الحمل اكثر من حبوب الاسبرين، وهناك من يجند النصوص فيعتبر ان الاستنساخ هو تبديل لخلق الله، والآية تتكلم عن موضوع مختلف لا علاقة له بالاستنساخ من قريب او بعيد، كما حارب الكثيرون سنوات طويلة ضد استخدام مكبرات الصوت في الأذان لانه ليس صوتا حيا واليوم يرفع الأذان في كل العالم الاسلامي بمكبرات الصوت، وعندما نزل (ارمسترونج) على سطح القمر وضع كثير من الناس اصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وقالوا كيف يمكن ان نفهم ماذا حدث؟ وهناك من يذكر ثقب آذان الانعام عند اهل الجاهلية على انه يشبه الاستنساخ (فليبتكن آذان الانعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) وما يحدث هنا هو تقليد مكرر لما يحدث في الطبيعة وضمن سنة الله في خلقه، ومن علم النبات نعلم ان الزارع يأخذ فسيلة من شجرة ويزرعها في مكان آخر فتكرر انتاج نفسها. ان اختلاط الالهي بالبشري مشكلة كبيرة وعندما يذكر القرآن اربعة نماذج من البشر ويجعل (من يشاء عقيما) فيجب ان نفهم ما هي (المشيئة الالهية)؟ وعندما ذكر القرآن انه (يؤتي الملك من يشاء) فيجب ان نستوعب ان الغرب اليوم و(بسنة الله الاجتماعية) ينزع كلينتون من السلطة ويضع بوش مكانه وفق الانتخابات الشعبية، فهكذا يجب ان نفهم حقل الارادة الالهية وحقل العمل الانساني، ونحن عندما نسخر قوانين الوجود في مسارات جديدة نقوم بالوظيفة التي منحنا الله اصلا، اي الوكالة عنه بالاستخلاف في الارض (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة)، ويجب ان نستوعب ان الكون لم ينته خلقه بعد (يزيد في الخلق ما يشاء) وان الاستنساخ هو في اطار (ويخلق ما لا تعلمون) وعندما يطير الحديد في الهواء فليس خرقا لقانون الجاذبية بل تطبيق لقانون مركب جديد من الجاذبية والطيران. وهكذا يحلق الطير والطيارة في الهواء و(الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن الا الرحمن). والسؤال المحوري ان نعلم ما هي طبيعة العلم؟ ان العلم يتعامل مع الوجود وفق تسخير سنن الله لمن يعلم سواء كان مؤمنا ام ملحدا ـ وكلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ـ وهو ذو طبيعة تقدمية لا يعرف التراجع او التعب، بل يقوم على الشغف والعشق، ولا يقدم استقالته ولا يعرف الشيخوخة فحياته في شباب دائم ويحكمه ناظم اخلاقي داخلي بآلية خاصة يصحح حركته على الدوام، من خلال قانون ان الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الارض، واذا حورب العلم في ارض فإنه يهرب منه، ولكنه يسلك سبل ربه ذللا قنوات وانفاق تحت الارض حتى ينبجس في تربة اخرى ذات استعداد، (وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *