الأجنة.. بين العلم والقرآن الجزء الأول

الأجنة.. بين العلم والقرآن الجزء الأول

الجنين الكامل القزم كما تخيله أرسطو
منذ أن لخص أرسطو النظريات السائدة في عصره والمتعلقة بتخلق الجنين، استمر الجدل بين أنصار نظرية الجنين الكامل القزم الموجود في ماء الرجل وبين أنصار نظرية الجنين الكامل القزم الذي يتخلّق من انعقاد دم الحيض لدى المرأة. لقد تصور معظمهم أن الإنسان مختزل في الحبّة المنوية؛ فرسم له العلماء صورة وتخيلوا أنه يوجد كاملا في النطفة المنوية غير أنه ينمو ويكبر في الرحم كالشجرة الصغيرة، ولم يتنبّه أحد من الفريقين إلى أن كلاً من حيوان الرجل وبييضة المرأة يساهمان في تكوين الجني، وهو ما قال به العالم الإيطالي “سبالانزاني” Spallanzani سنة 1775م. وفي عام 1783 تمكن “فان بندن” Van Beneden من إثبات هذه المقولة.. وهكذا تخلت البشرية عن فكرة الجنين القزم. كما أثبت “بوفري” Boveri بين عامي 1888 و1909 أن الكروموسومات تنقسم وتحمل خصائص وراثية مختلفة. واستطاع “مورجان” Morgan عام 1912 أن يحدد دور الجينات في الوراثة وأنها موجودة في مناطق خاصة من الكروموسومات.

وهكذا يتجلى لنا أن الإنسانية لم تعرف أن الجنين يتكون من اختلاط نطفة الذكر وبييضة الأنثى إلا في القرن الثامن عشر، ولم يتأكد لها ذلك إلا في بداية القرن العشرين.
بينما نجد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد أكدا بصورة علمية دقيقة أن الإنسان إنما خُلق من نطفة مختلطة سماها “النطفة الأمشاج” فقال تعالى في سورة الإنسان: “إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” (الإنسان:2). وقد أجمع أهل التفسير على أن الأمشاج هي الأخلاط، وهو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. والحديث الشريف يؤكد هذا؛ فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده أن يهودياً مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقالت له قريش: يا يهودي، إن هذا يزعم أنه نبي فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، فقال: يا محمد، مِمَّ يُخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا يهودي، من كلٍّ يخلق: من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فقال اليهودي: هكذا كان يقول مَن قبلك” (أي من الأنبياء).

وفي مجموعة من الحلقات القادمة سنتحدث عن الأطوار الجنينية كما ذكرها البيان القرآني ونلقي ضوءاً على الحقائق العلمية الثابتة في كل طور من الأطوار.. وأول هذه الأطوار:
طور النطفة: Sperm
حقائق علمية مثبتة
تتشكل النُّطف في الخصية التي تتكون بدورها -كما أثبت علم الأجنة- من خلايا تقع أسفل الكليتين في الظهر ثم تنزل إلى أسفل البطن في الأسابيع الأخيرة من الحمل.
ومني الرجل يحتوي بشكل رئيسي على المكونات التالية: الحيوانات المنوية (النطف Sperms ) التي يجب أن تكون متدفقة ومتحركة حتى يحدث الإخصاب، ومادة البروستاغلاندين Prostaglandin التي تسبب تقلصات في الرحم مما يساعد على نقل الحيوانات المنوية إلى موقع الإخصاب.

من بين المئات من النطاف نطفة واحدة فقط يتسنى لها تلقيح البويضة
ومع أن مئات الملايين (500-600 مليون) من النطف تدخل عبر المهبل إلى عنق الرحم فإن نطفة واحدة هي التي تلقح البييضة، قاطعة مسافة طويلة جداً لتصل إلى مكان الإخصاب في قناة فالوب الرحمية Uterine Tube التي تصل المبيض بالرحم، تلك المسافة المحفوفة بكثير من العوائق تعادل ما يمكن تشبيهه بالمسافة التي يقطعها الإنسان ليصل إلى القمر!. ويحدث عقب الإلقاح مباشرة تغير سريع في غشاء البييضة؛ وهو ما يمنع دخول بقية الحيوانات المنوية إليها.

إن النطفة تحتوي على 23 كروموسوما (صبغيا)، منها كروموسوم واحد لتحديد الجنس، وقد يكون (Y) أو (X) أما البييضة فالكروموسوم الجنسي فيها هو دائماً X))، فإن التحمت نطفةY) ) مع البييضة (X) فالبييضة الملقحة Zygote ستكون ذكراً (XY)، أما إذا التحمت نطفة (X)مع البييضة (X) فالجنين القادم سيكون أنثى XX)).. فالذي يحدد الجنس إذن هو النطفة وليس البييضة.

يبدأ إنقسام البويضة الملقحة خلال ساعات من عملية الإخصاب
بعد حوالي 5 ساعات على تكون البييضة الملقّحة -وهي الخلية الإنسانية الأولية الحاوية على 46 كروموسوما- تتقدر الصفات الوراثية التي ستسود في المخلوق الجديد، والصفات التي ستتنحى فلا تظهر

عليه، بل يمكنها أن تظهر في بعض أولاده أو أحفاده (مرحلة البرمجة الجنينية)، بعد ذلك تنقسم البييضة الملقحة انقسامات سريعة دون تغير في حجمها، متحركة من قناة فالوب (الواصلة بين المبيض والرحم) باتجاه الرحم حيث تنغرس فيه كما تنغرس البذرة في التربة.
والرحم هو مكان تطور ونمو الجنين قبل أن يخرج طفلاً كامل الخلقة وسويّ التكوين. ويتميزالرحم بأنه مكان آمن للقيام بهذه الوظيفة؛ وذلك للأسباب التالية:
1- موضع الرحم في حوض المرأة العظمي، وهو محمي أيضاً بأربطة وصفاقات تمسك الرحم من جوانبه وتسمح له أيضاً بالحركة والنمو حتى إن حجمه يتضاعف مئات المرات في نهاية الحمل.
2- عضلات الحوض والعجان (الدبر) تحفظ الرحم في مكانه.
3- ويساهم في استقرار الرحم إفراز هرمون الحمل (البروجسترون) الذي يجعل انقباضات الرحم بطيئة.
4- كما أن الجنين داخل الرحم محاط بأغشية مختلفة تنتج سائلاً أمنيوسياً يسبح فيه الجنين ويمنع عنه تأثير الرضوض الخارجية.
تستمر مرحلة الإلقاح ووصول البييضة الملقحة إلى الرحم حوالي 6 أيام، ويستمر انغراسها ونموها في جدار الرحم حتى اليوم 15 حيث تبدأ مرحلة العلقة.

تأملات قرآنية
إن “النطفة” لغوياً هي القليل من الماء أو قطرة الماء، وهذا يطابق ماء الرجل الذي يحوي الحيوانات المنوية كجزء منه. والحيوان المنوي ينسلّ من الماء المهين (المني) وشكل الحيوان المنوي (النطفة) كالسمكة الطويلة الذيل (وهذا أحد معاني لفظة سلالة). يقول تعالى: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ” (السجدة :7-8) . ويقول أيضاً مبيناً دور النطفة في الخلق: “فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِماَ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ” (الطارق 5-6)، ويقول: “خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ” (النحل : 4). ويؤكد البيان الإلهي أن صفات الإنسان تتقرر وتتقدر وهو نطفة ولذلك قال تعالى: “قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ” ( عبس17-19) .

والنطفة الأمشاج في قوله تعالى: “إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا” (الإنسان:2) تعبّر عن هذا الإعجاز؛ فلغوياً هي نطفة (صغيرة كالقطرة) مفردة، ولكن تركيبها مؤلف من أخلاط مجتمعة (أمشاج) وهذا يطابق الملاحظة العلمية حيث إن البييضة الملقحة بالحيوان المنوي هي على شكل قطرة، وهي في نفس الوقت خليط من كروموسومات نطفة الرجل وكروموسومات البييضة الأنثوية.

هل تصور أحد من البشر أن نطفة الرجل حال الإمناء يتقرر مصيرها وما يخرج منها ذكرا كان أو أنثى؟! هل يخطر هذا بالبال ؟! لكن القرآن يقول: “وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىِ . من نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى” (النجم 45-46) حال إمنائة إذا تمنى، وقد قدر ما سيكون الجنين ذكرا أو أنثى!! من أخبر محمدا أن النطفة بأحد نوعيها (X أو Y) هي المسؤولة عن تحديد جنس الجنين؟ هذه المعلومة لم تعرف إلا بعد اكتشاف الميكروسكوب الإلكتروني في القرن الماضي؛ حيث عرفوا أن الذكورة أو الأنوثة تتقرر في النطفة وليس في البييضة، بما يعني أننا كنا في أوائل القرن العشرين وكانت البشرية بأجمعها لا تعلم أن الذكورة والأنوثة مقررة في النطفة.. لكن القرآن الذي نزل قبل أربعة عشر قرنا يقرر هذا في غاية الوضوح!
وثمة لفتة طريفة، حيث ذكرنا سابقاً أن النطف تتكون في الخصية التي تتشكل بدورها -كما أثبت علم الأجنة- من خلايا تقع أسفل الكليتين في الظهر ثم تنزل إلى الأسفل في مراحل الحمل الأخيرة، وهذا تأكيد لقوله تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” (الأعراف 172) وهذه إشارة واضحة إلى أن أصل الذرية هو منطقة الظهر حيث مكان تشكل الخصية الجنيني، فسبحان الله أعلم العالمين.
وأخيراً كما ذكرنا فإن الرحم يعتبر مقراً آمناً (ومكيناً) لنمو الجنين وحمايته لأسباب كنا قد تحدثنا عنها سابقاً، نجد أن القرآن الكريم يذكر ذلك ويؤكده منذ أكثر من 14 قرناً حيث يقول تعالى: “فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ . فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ” ( المرسلات:21-23).. صدق الله العظيم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *