إعجاز القرآن في إشارته إلى البصمة والبنان

إعجاز القرآن في إشارته إلى البصمة والبنان

يقول الله تعالى : “> لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ[ [ القيامة:1-4” . ويقول ابن كثير( في تفسير القرآن العظيم) عن قسم الله بيوم القيامة في الآية الأولى، وبالنفس اللوامة في الآية الثانية:الصحيح أنه سبحانه أقسم بها جميعاً معاً. وعلى هذا فــ ” لا ” في الآيتين ” صلة ” لا تفيد النفى، وإنما تفيد مجرد التوكيد ، فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة فهى النفس التقية التي تلوم على التقصير في التقوى، فهى صفة
مدح… ويقول ابن عباس( في تنوير المقباس) عن الآية الثالثة والآية الرابعة: “> بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ[: نجمع أصابعه ( أى الإنسان) فيكون كفه كخف البعير أو كحافر الدواب، أى يقول : إنا قادرون على أن نجعل كفه كخف البعير، فكيف لا نقدر على أن نجمع عظامه..!!

ويتوسع الفخر الرازى ( في تفسير الكبير المسمى ” مفاتيح الغيب” ) كثيراً- كما هى عادته مع آيات القرآن كافة- ولكننا نوجز ما فصله هو في الموضوع ، ” قادرين” : قرئت أيضا ” قادرون”، وتعنى قادرين على تأليف جميع البنان وإعادتها إلى التركيب الأول. أو تعنى : كنا قادرين على أن نسوى بنانه في الابتداء، فوجب أن نبقى قادرين على تلك التسوية في الانتهاء وجاء ” بنانه” للتنبيه على بقية الأعضاء ، أى نقدر على أن نسوى بنانه بعد صيرورته تراباً كما كان ، وتحقيقه أن من قدر على الشيء في الابتداء قدر أيضا عليه في الإعادة. وإنما خص البنان بالذكر لأنه آخر ما يتم خلقه، فكأنه قيل : نقدر على ضم سلامياته على صغرها ودقتها ورقتها بعضها إلى البعض ، كما كانت في البداية من غير نقصان ولا تفاوت، فكيف القول في العظام الكبيرة..؟! وقد يكون المعنى: كنا قادرين على أن نجعل بنانه مع كفه مثل صفيحة مستوية لا شقوق ( أخاديد) فيها، كخف البعير، فلا يستطيع أن يؤدي الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وغيرها من الأعمال التي يستعين الإنسان بأصابعه في القيام بها…

والى مثل هذا ذهب النيسابورى ( في” غرائب القرآن”) ، ويزيد بقوله: وإنما خص البنان، وهى الأنملة
( وجمعها: ” أنامل” ) ، بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه، فذكره يدل على تمام الإصبع ، وتمام الإصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هى أطرافها.

وإذا كانت هذه السورة القرآنية [ سورة القيامة “> تسوق بعض مظاهر القدرة الإلهية في معرض الرد على منكرى البعث والقيامة ، فإنه اختص ( البنان) بالتصريح والتوضيح لما فيه من صورة في الخلق معجزة، لم يتوصل العلماء إلى معرفة تفاصيلها إلا في القرن التاسع عشر الميلادي ، وقد أسلم البعض بعد معرفتهم هذه الإشارة العلمية المعجزة في القرآن الكريم ،أى الإشارة إلى البنان
( الأنملة) وما يحتوى من مكونات وخصائص ومميزات، نذكر أهمها فيما يلي:

من الناحية التشريحية : فإن البنان طرف الإصبع، وتدعمه عظمة صغيرة من العظام الغضروفية، لها شكل خاص ، وتمثل الهيكل الأساسي للبنان، ويلتصق بها ( من الناحية الخلفية) النسيج المبطن والمكون للأظافر. ويحيط بهذه العظمة الرقيقة نسيج لين مرن ناعم يمكنه من تحمل الصدمات والضربات ، ويغطى هذا النسيج جلد خارجي ، تظهر فيه ” التضاريس” – البروزات [Ridges”> والأخاديد [Furrows”> – التي تتميز بخطوط معينة تسمى ” البصمة”
[ Finger Print”>. وأما الظفر [ Nail”> فعبارة عن نسيج مختلف عن الأنسجة الصلبة والأنسجة شبه الصلبة في الجسم، وينمو من خلايا خاصة بجلد البنان،ويستمر نموه طول العمر، ولا نستطيع أن نصنفه ضمن العظام، ولا ضمن الغضاريف، ولا ضمن الجلد. ولا يجهل الجميع ما للظفر من فوائد عديدة، سواء جمالية أم دعامية أم عملية…

ويتحرك البنان نتيجة وجود أربطة عضلية متصلة بعظمه، تحركه في اتجاه واحد، وتمكنه من أداء حركة واحدة حول محور أفقي… ومن مميزات البنان أنه عند ملامسته للأشياء يشعر بدرجة حرارتها ويحدد شكلها ويتعرف على صلابتها، ويستمد البنان هذه القدرات الحسية [ Sensory Capability”> من مجموعة ألياف عصبية [Neurofibriles “> متباينة الأحجام والأشكال والوظائف،فبعضها قادر على استقبال أبسط المؤثرات
[ Stimuli”> سواء كانت هذه المؤثرات احتكاكاً أم حرارة أم ألماً أم ضغطاً. ومن هذه الألياف العصبية ما هو منفرد، ومنها ما هو كروي ملتف ، ومنها ما هو مستطيل.

وتتجمع هذه الألياف في الطبقة الرقيقة من جلد الأنملة… وتشغل المراكز العصبية الدماغية التي تتحكم في حركة البنان مساحة كبيرة في الدماغ إذا قوبلت بمساحة بقية المراكز الدماغية التي تتحكم في حركة بقية الأعضاء… وبالإضافة إلى الألياف العصبية توجد شبكة من الأوعية الدموية الدقيقة تقوم بإمداد البنان بالدفء
والحيوية. وتصل شدة حساسية البنان إلى درجة تمييز وخز إبرتين قريبتين قرباً شديداً والتفريق بينهما، وهو ما لا تستطيعه مناطق الجلد الأخرى.. 

ومن حيث الوصف : فإنه بصمة الإصبع تتألف من خطوط بارزة في بشرة الجلد تجاورها خطوط منخفضة
( أخاديد) ، وكذلك الحال في داخل الكفين. وتترك هذه الخطوط طابعها الخاص على كل شئ تلمسه ، خصوصاً الأشياء الملساء، ويفيدها في هذا العرق [ Sweat”> الذي تفرزه هذه المنطقة ، حيث تفتح فيها مسام عرقية. وتتكون هذه الخطوط البارزة والمنخفضة وتتفرع بطريقة تختلف من شخص لآخر، لدرجة أنها لا تتشابه حتى في الأخوة التوائم الذين يتخلقون من بيضة مخصبة واحدة
[ Fertilized Ovum”> في المرأة،هذا برغم تشابه التوائم في كثير من الصفات والخصائص والسلوكيات..

ويولد الطفل، وينمو، ويكبر، وتظل بصمته على شكلها دون تغيير طوال حياته وحتى مماته، دون أن يطرأ عليها أى تغيير،أما إذا أزيلت الأدمة [ Dermis”> ( وهى الطبقة التي تلى بشرة الجلد [ Epidermis”> إلى الداخل) بعمل جروح فيها – لإخفاء معالم البصمة – فإن هذه الجروح عندما تلتئم تظل بآثار مميزة،ومن سوء حظ المجرمين الذين يجرحون أصابعهم لإخفاء بصماتهم ،أن هذه الآثار في حد ذاتها تعد دليل إضافي إلى بصماتهم !!وقد تزول البصمة إذا أصيب الإنسان بمرض كالجذام الذي يؤدي إلى استواء الخطوط البارزة بالخطوط المنخفضة في هذه المناطق، وتزول كذلك بفعل وتأثير المواد الكيميائية التي تأكل طبقات الجلد، وخصوصاً إذا كان استعمالها متكرر أو دائماً. وأما إذا حاول المجرم أن يزيل بصمته أو يغيرها – لقطع الطريق على رجال العدالة والهرب من تحققهم بشخصه – بكشط الطبقة الخارجية لجلد أنامله، فإن هذه الطبقة تنمو مرة أخرى وتتشكل بنفس الشكل الذي كانت عليه من قبل.

ذكرت السجلات أن اليونان القدامى عرفوا
” البصمة” ، واعتمدوها كعلامة مميزة للأفراد ، كما عرف أهل الصين القدامى بصمة الإنسان – أيضا- في القرن الثامن قبل الميلاد. وتوالت محاولات البشر لمعرفة تفاصيل البصمة إلى أن جاء بيركنجى [ Z . Purkinge”> – الأستاذ بجامعة برسلاو [ Breslau”> في بولندا – وبحث الموضوع جيداً، ثم وضع تقسيم البصمات الذي يشتمل على تسعة أقسام ( أو أنواع ) رئيسية، وشرحها وكان هذا هو أول تصنيف للبصمات… وجاء من بعده الطبيب الإنجليزي فولدز [ H . Faulds”>- وكان يعمل في طوكيو – عام 1877م وابتدع طريقة أخذ البصمة بحبر المطابع، ثم أوصى في سنة 1880م بأخذ بصمات الأصابع
العشر… وجاء جالتون [ Galton”> ووضع تقسيم مختصر للبصمات في سنة 1886م، وهو أربعة أقسام فقط هى : المنحدر إلى اليمين، المنحدر إلى اليسار، والمستدير، والمقوس . ثم أكد جالتون في عام 1892م أن البصمة تبقى في أصابع صاحبها طوال حياته دون تغيير.

وإذا كانت البصمات تختلف من شخص لآخر، حتى في الأسرة الواحدة،وحتى فيما بين التوائم المتطابقة
” الحقيقة ” [ True or Identical Twins”>، فإنها تختلف أيضا من إصبع لآخر في اليد الواحدة، وقد تظهر على الورق أو الأشياء الملساء في شكل أقواس [ Archs”>
أو خطوط حلزونية [ Spirals”> أو دوائر
[ Circles”> ، وقد تكون البصمة الواحدة مركبة من هذه الأشكال جميعها. وقد تتأثر البصمة بمهنة صاحبها،أو بمعنى آخر، تدل البصمة على مهنة صاحبها، كالترزي والبناء والمكوجى والجزمجى والحلاق والنقاش
والكاتب … الخ. 

وإضافة إلى استعمال البصمة كدليل جناني في الطب الشرعي ودوائر الأمن وتعقب الجناة وتحديد الآثمين، فإنها تستعمل أيضا في تحديد بعض الأمراض،أو على الأقل في تحديد القابلية للإصابة بأمراض معينة، مثل: ضغط الدم الانقباضي [ Systolic”> الذي تدل عليه
” البصمة الدوامة ” [ Whorl Print”> التي تسمى أحياناً
” بصمة المغزلية”. وإضافة إلى هذا وذاك، فإن من العلماء من يستطيع تقدير عمر الشخص بتحديد مساحة بصمته، وبعدد الخطوط الموجودة في وحدة القياس المستعملة فيها
( وهى نصف سنتميتر مربع) .

توصل العلماء – مع تقدم العلوم وابتكار الأجهزة – إلى تحديد أنواع أخرى من الأدلة التي تميز كل شخص وتفرق بينه وبين غيره،أى أنهم تعرفوا على أنواع أخرى من البصمات، ومنها: بصمة القدم، وبصمة الشفتين، وبصمة الأذنين، وبصمة الدم، وبصمة اللعاب، وبصمة الصوت، وبصمة الشعر، وبصمة رائحة العرق، وبصمة قزحية العين، والبصمة الوراثية[ Genetic Fingerprint”>، ولكن بصمة البنان تبقى سيدة هذه البصمات وأوضحها وأسهلها وأسرعها ، لدرجة أن شركة سونى [Sony “> اليابانية أنتجت جهازاً أسمته F IU- 001، وطرحته للبيع في الأسواق بسعر1700 دولار في سنة 1997م، لتشخيص بصمات الأصابع بسرعة تبلغ 80 من ألف من الثانية، وتخزين وحفظ بصمات 100 شخص تقريباً..!!

ويظل التحدي الإلهي للكافرين ومنكري البعث وإعادة الموتى أحياءً كما كانوا بالضبط في الدنيا… يظل هذا التحدي قائماً،وهو ما صرحت به الآية الرابعة من سورة القيامة: “> بلى قادرين على ان نسوى بنانه[ … تظل هذه الإشارة القرآنية المعجزة التي لم يتوصل العلماء إلى فك بعض أسرارها والوقوف على بعض تفاصيلها إلا في القرن العشرين الميلادي، وبالتالي خصها الله بالذكر في هذا النص القرآني المجيد للتدليل ( وخاصة للكافرين ومنكري البعث ) على قدرته المطلقة على الخلق والإيجاد،وإعادة الموتى مهما بليت أجزاؤهم وتناثرت أشلاؤهم وتباعدت أعضاؤهم وتآكلت أنسجتهم وتحللت خلايا أجسامهم وتحولت جثثهم إلى تراب ، لأن الله خلق من التراب، وأماتهم وأحالهم إلى تراب ، وهو القادر على إحيائهم من التراب … إنه على كل شئ قدير .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *